"أوكوس" وماركس والزعل الفرنسي

"أوكوس" وماركس والزعل الفرنسي

22 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

يمكن استيعاب الغضب الفرنسي حيال إبرام تحالف AUKUS (الأحرف الأولى للبلدان الثلاثة) بين أستراليا وبريطانيا وأميركا، من مداخل عديدة، لا علاقة لأي منها بالقيمة المالية لصفقة الغواصات الفرنسية التي كان من المفترض أن تشتريها كانبيرا من باريس بموجب اتفاق وقعته العاصمتان عام 2016. 31 مليار يورو (50 مليار دولار أسترالي)، في لغة التحالفات الاستراتيجية الكبرى هو رقم هامشي للغاية، وأستراليا ستعوض على مجموعة "نافال غروب" الفرنسية للصناعات الدفاعية، بمبلغ مجز بسبب إلغاء صفقة الغواصات التقليدية التي احتلّت مكانها أخرى أميركية تعمل بالدفع النووي، كانت بريطانيا حتى اليوم البلد الأجنبي الوحيد الذي حمل شرف امتلاكها منذ عام 1958. الانفعال الفرنسي ينصبّ على التحالف الأمني، لا على إلغاء صفقة الغواصات، ففرنسا أحسنت قراءة الحدث على أنه تهميش لها في منطقة كانت تعتبر نفسها إحدى سيداتها. وعندما سارعت التصريحات الفرنسية إلى التذكير بموقع فرنسا في منطقة المحيطين (الهندي والهادئ)، أجاب جو بايدن شخصياً بما يواسي فرنسا في الظاهر، ويحدّ من قيمتها الاستراتيجية في المضمون. قال إن "فرنسا لديها وجود مهمّ في منطقة الأطلسي-الهندي وهي شريك وحليف أساسي". إذاً، بحسب الرئيس الأميركي، لفرنسا وجود في الأطلسي ــ الهندي لا في الهندي ــ الهادئ وهنا بيت القصيد، لا بل القصيدة كلها. وبترجمة سياسية فورية لكلام بايدن، فإن المحيط الأطلسي هو الماضي، وكذلك فرنسا، بينما منطقة المحيطين، الهندي والهادئ، هي الحاضر والمستقبل، وهي لأرباب التحالف الجديد.

ولانتقال مركز العالم من المحيط الأطلسي إلى المحيطين الهندي والهادئ قصة طويلة كان كارل ماركس وفريديريك إنغلز قد تنبّآ بجزء من فصولها. منطقة الأطلسي كانت وريثة منطقة البحر المتوسط التي هيمنت على العالم زمن الإمبراطورية العثمانية والقسطنطينية وما قبل "اكتشاف" أميركا. حتى طرق التجارة البحرية الرئيسية كانت تنطلق من المتوسط وتعبر إلى الأطلسي، قبل أن تتوقف تلك العادة مع صعود الإمبراطوريات الغربية البحرية الكبرى. مع سيادة منطقة الأطلسي، وُلد عالم جديد: كابل المواصلات (التلغراف في حينها) الأول الذي تم مدّه عبر المحيطات في التاريخ، كان عام 1858، وقد عبر الأطلسي، ليربط ما بين لندن ونيويورك. عندما كنت تقول تجارة عالمية، تقول فوراً حواضر مثل ليفربول ومانشستر. مراكز القوة العالمية من أوروبا الغربية إلى أميركا الشمالية تقع على الأطلسي. طرق التجارة العالمية تعبر المحيط المذكور، والحروب الأجدى والأكبر لا بد أن تشهد عليها المياه الأطلسية الباردة .. إنزال النورماندي مثالاً. وما تسمية الحلف الغربي المناهض للمعسكر الاشتراكي في 1949 بحلف شمال الأطلسي، إلا تعبير عن أنه مركز الكون، وأنّ من يسيطر على مياهه وعلى اليابسة التي تطل على أمواجه، يحكم العالم. لكن النظرية تلك كانت تعيش آخر عقودها عندما تأسس الحلف. كان ممكناً تلمس رياح التغيير وانتقال الأهمية الاستراتيجية من منطقة المحيط الأطلسي إلى المحيطين الهندي والهادئ حتى في أيام ماركس وإنغلز. كتبا عام 1850 أن نقطة الارتكاز للتجارة العالمية ستنتقل إلى منطقة المحيط الهادئ. لكن لا المخيلة ولا التحليل وصلا بالرجلين إلى توقع أن تكون للمحيط الهندي تلك الأهمية التي صارت له اليوم، وهي التي يعيش فيها نصف سكان العالم، وتتواجد فيها الصين، العدو الذي لطالما بحثت عنه أميركا بعد زوال الخطر الشيوعي، واستحال تضخيم "العدو الإسلامي" أكثر مما تم تضخيمه بالفعل.

فرنسا في ردة فعلها العنيفة على تهميشها بهذه الطريقة المهينة من تحالف "أوكوس"، كأنها تودّع زمناً يمضي منذ عقود، وقد آن أوان الاعتراف بقوانين روح العصر الجديد: عدة العمل الضرورية لمواجهة الصين تتطلب ما ليس متوفراً في باريس. فلتبق فرنسا في الأطلسي، ولتشاهد مسلسل حرب الأفيون الثالثة.