"أبو جلابية" .. وحراسة الأخطاء

29 سبتمبر 2020
الصورة

تشهد مصر مظاهرات محدودة، من حيث التأثير، وعدد المتظاهرين. فريقٌ يضخّمها، وآخر يقزّمها، وكلاهما لا يشبهها، فهي مظاهراتٌ لمطحونين، لم يتركوا البلاد، بحثا عن حريتهم، ولم يتمكّنوا، يوما، من المشاركة في حكمها أو الاستمتاع بخيراتها. قد تتحوّل المظاهرات إلى انتفاضةٍ حقيقيةٍ، وقد يستغلها جناحٌ من أجنحة السلطة في إطاحة آخر، مقابل بعض الإصلاحات وتقليل مستويات الظلم والقبح والغشومية، وقد تساهم في التراجع عن بعض القرارات المتعسّفة في حق المواطنين، وقد تنتهي إلى لا شيء، وهي، في كل الأحوال، تستحق الدعم لأصحابها، والتضامن مع معاناتهم، والمطالبة، معهم، بأبسط حقوقهم في الأمن والسكن، فضلا عن حقوقهم (لا مؤاخذة) الدستورية، ومنها حق التظاهر السلمي الذي يقرّه (لا مؤاخذة) ما يسمّى الدستور المصري، والذي لا ينبغي أن تدفعنا "مؤاخذات" النظام في مصر إلى "لا مؤاخذته" أو نسيانه أو "الصهينة" عليه!
نزل أهلنا من الريفيين اعتراضا على قرارات إزالة البيوت المخالفة، والتي أقرّتها الدولة في عصور جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك، والمجلس العسكري، وعادت لتنقلب عليها الآن، وتُحمّل المواطن، وحده، مسؤولية إقرارها السابق، وانقلابها الحالي. وجاءت هتافات المتظاهرين "ساخرة"، بالسين والشين، من رئيس مزاجي، ومن سياساته العشوائية التي يسمّيها إصلاحا، وفوضويته التي يسمّيها نظاما وانضباطا ودولة. كما حملت الهتافات سخريةً من نوع خاص، فلاحي، تحمل أثقال الظل المصري الذي لا تحتمل خفّته، وهي السخرية اللاذعة من "شخص السيسي" المختل، وأوهامه عن نفسه، وشرفه الذي لا يملّ من التأكيد على وجوده، وهو ما استدعى صكّ هتاف جديد، وهو "ارحل يا سوسو"، في إشارة إلى "مياصة" سيادة الرئيس صاحب الخلفية العسكرية، وشرف شخصية الست سوسو في فيلم "أرض النفاق" التي كان أداء سميحة أيوب لها أقل تغنّجا من أداءات الرئيس في خطاباته!
إلى هنا، نحن أمام حراكٍ طبيعي، وردود أفعال طبيعية إزاء قراراتٍ غير طبيعية، إلا أن المناقشات والتعليقات و"الخناقات" حول الحراك هي الأكثر مجافاةً للأوضاع الطبيعية والمفهومة والمعقولة، كأن انقلابا لم يقع، وسبع سنوات من "الحزق" لم تمر. أول ما لفت نظري هو محاولات "أسطرة الجلابية"، والعودة إلى خطابات الشعب العظيم الذي يثور بلا قائد وبلا نخب، كأنها ميزة، والتعليقات الرومانسية عن "شرف الجلابية" وثورة أصحاب الجلابيب، والتي تجعل من "المتظاهر" بالضرورة خيرا مطلقا، فالمتظاهر لا يخطئ، والشارع لا يخطئ، والمقاوم، أيا كانت طريقته وتوقيته، لا يخطئ. وفي المقابل تحقير دور المثقف، وآرائه، وتحليلاته، وتنظيراته، باعتبارها تعاليا وغرورا وكلاما فارغا!
النخب تخطئ، وبعض أخطائهم مدمّرة، وبعضها كان سببا في تسهيل مهمة الثورات المضادّة، إلا أن أحدا لم يقل أن خطأ الطبيب مبرّر لتجاوز علم الطب إلى محلات العطارة وحلاقي الصحة. وإذا استجبنا إلى منطق السلطة في استبعاد السياسيين أخطاءهم، ومنطق الحالمين بـ "أي ثورة والسلام" في استبعاد المثقفين أخطاءهم، فنحن أمام معركة حدّية بين "أبو خمسين في المية" المسلح و"أبو جلابية" الأعزل، وهو عين ما يريده النظام، ويخطّط له، وفصيل منا يعاونه في الوصول إليه، وهم يحسبون أنهم يحسنون ثورة ومقاومة!
أبو جلابية على العين والراس. والشعب المصري له من جوانب العظمة وعليه من جوانب الإفقار والتجهيل والإمراض ما عليه، ونخبنا بدورها لها وعليها، ونفي منطق له وعليه والتعامل معه هو الآخر باستخفاف وسخرية مصيبة كبيرة، تأخذ الأمور إلى الحدّية والصفرية والهمجية التي يريدها النظام، ويتغذّى عليها ويعيش ويستمر. ما أستهدفه هنا، وأتمناه، هو بيئة ثورية أكثر استعدادا للتفكير الهادئ، بلا مزايدات أو تخوين أو سخرية أو تعالٍ أو تحقير أو ادّعاء لمعرفة الطريق الأوحد والأمثل، بيئة أكثر "تسييسا"، فغياب السياسة كارثة، وأكثر "تنظيرا"، فغياب التنظير كارثة أخرى، وأكثر نخبوية، فالشعبوية كارثة أكبر، وأكثر تقبلا للآراء كافة، من الثورة حتى الموت، إلى إمكانية التصالح والتوافق، والرضا بالحلول الوسط.

3FE3B96A-2A94-45F9-B896-FDC0381B3B7F
محمد طلبة رضوان