مدن قديمة ترقد تحت المباني في غزة

مدن قديمة ترقد تحت المباني في غزة

26 يونيو 2022
نجح المعنيون في الحفاظ على دير القديس هيلاريون (محمود حمص/ فرانس برس)
+ الخط -

كان عمال يحفرون في ورشة بناء ضخمة في جباليا شمالي قطاع غزة، عندما رأى الحارس أحمد قطعة غريبة من الحجر في الأرض، وهي بقايا مقبرة رومانية عمرها 2000 عام. يقول الشاب أحمد "اعتقدت أنه نفق"، في إشارة إلى الأنفاق السرية التي حفرتها حركة حماس.

بعد العدوان الأخير على قطاع غزة في مايو/ أيار 2021، شرعت مصر في نهاية يناير/ كانون الثاني في إعادة إعمار جزء من القطاع الصغير البالغة مساحته 362 كيلومتراً مربعاً ويتكدس فيه 2,3 مليون نسمة.

في جباليا، كانت الجرافات المصرية تحفر التربة الرملية لتشييد مبانٍ خرسانية جديدة، عندما رأى أحمد الأحجار الغريبة.

ويقول هذا الفلسطيني الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه الكامل "نبهت رئيس العمال المصري الذي اتصل على الفور بالسلطات المحلية وطلب من العمال التوقف عن العمل".

وانتشرت عندها على شبكات التواصل الاجتماعي شائعات عن اكتشاف مهم محتمل، ما دفع بدائرة الآثار في غزة إلى الاتصال بمنظمة Premiere Urgence Internationale (الإغاثة الأولية الدولية) غير الحكومية الفرنسية، والمركز الفرنسي لدراسة الكتاب المقدّس والآثار في القدس، لتقييم أهمية الموقع وتحديد منطقة التنقيب.

بعدما وصل إلى جباليا، اكتشف الفريق بقيادة عالم الآثار الفرنسي رينيه إلتر مقبرة رومانية مدفونة منذ قرون في باطن أرض غزة.

ويوضح عالم الآثار، لوكالة فرانس برس، أنّ "الأعمال الأولى حددت حوالى أربعين مقبرة تعود إلى العصر الروماني القديم بين القرنين الأول والثاني بعد الميلاد".

ويشير إلى أنّ "المقبرة أكبر من هذه القبور الأربعين ويُتوقع أنها تحتوي على ما بين 80 و100"، لافتاً إلى أنّ إحدى المقابر المكتشفة مزينة "بلوحات متعددة الألوان تمثل تيجاناً وأكاليل من أوراق الغار" إضافة إلى "جرار مخصصة لإراقة الشراب الجنائزي".

كانت هذه المقبرة متاخمة لمدينة أنثيدون الرومانية، ثاني مرافئ غزة حينها على الطريق المؤدية إلى ما بات حالياً مدينة عسقلان المحتلة الواقعة عند تخوم القطاع الفلسطيني. ويقول إلتر "لا توجد فروق بين ما يمكن أن تجده في غزة وعلى الجانب الآخر من السياج" في إشارة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، مضيفاً "في غزة، اختفت مواقع كثيرة بسبب الصراع وورش البناء، لكن المنطقة تشكّل موقعاً أثرياً ضخماً يتطلب فرق خبراء كثيرة".

وقد أقيمت أسوار حول المقبرة الرومانية التي يراقبها الحراس باستمرار، فيما يواصل العمال تشييد طبقات خرسانية في المباني المجاورة قيد الإنشاء.

علوم وآثار
التحديثات الحية

ويوضح جمال أبو رضا مدير الخدمات الأثرية المحلية التي تضمن حماية المقبرة حتى يناير 2023 "نحاول مكافحة تهريب الآثار داخل غزة وخارجها"، مبدياً الأمل في إيجاد متبرعين لتمويل الحفريات.

من جهته يقول مدير منظمة الإغاثة الأولية الدولية غير الحكومية في قطاع غزة جهاد أبو حسان "غالباً ما ترتبط صورة غزة بالعنف، لكن تاريخها مليء بالكنوز الأثرية التي يجب حمايتها للأجيال المقبلة".

ويوضح أبو حسان "يتجنب البعض إبلاغ السلطات عن الاكتشافات الأثرية في مواقع البناء خوفاً من عدم الحصول على تعويض" في حالة التوقف عن العمل، و"بالنتيجة نفقد مواقع أثرية كل يوم".

ويضيف "من هنا تأتي أهمية استراتيجية الدفاع عن التراث" للحفاظ على التاريخ وتدريب علماء الآثار المحليين. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، ساعدت منظمته غير الحكومية في تدريب 84 فنياً في علم الآثار من أجل إعداد الجيل المقبل وتوفير فرص عمل، بينما تتجاوز البطالة 60% بين الشباب.

ومن النجاحات النادرة في هذا المجال الحفاظ على دير القديس هيلاريون البيزنطي، وهو الأكبر في الشرق الأدنى، والذي يمتد على هكتارين في تل أم عامر جنوب غزة.

هذا الموقع المفتوح للجمهور منذ بضع سنوات اخذ اسمه من راهب ناسك عاش في القرن الرابع في غزة، ويتضمن ردهة وحمامات بالإضافة إلى أربع كنائس متراكبة.

ويقول عالم الآثار الفلسطيني فاضل العتول (41 عاماً) الذي أصبح شغوفاً بالآثار القديمة عندما كان مراهقاً أثناء جلوسه في موقع عند سفح مخيم للاجئين "نستقبل حوالي 14 ألف زائر سنوياً، بمن فيهم تلامذة مدارس. ويضيف "عندما كنت طفلاً أثناء الانتفاضة، كنت أبحث عن حجارة لرميها على الجنود (الإسرائيليين). اليوم، أبحث عن حجارة لأثبت للجنود أنّ لدينا تاريخاً رائعاً".

ويقول أثناء تجواله في موقع دير القديس هيلاريون إنّ حلمه هو "إجراء حفريات في جميع المواقع الأثرية في غزة وجعلها في متناول الجمهور لمشاركة تاريخ غزة وثقافتها مع العالم".

(فرانس برس، العربي الجديد)

المساهمون