منخفض جوي يضرب غزة.. معاناة ومأساة متجددة

10 يناير 2026   |  آخر تحديث: 13:56 (توقيت القدس)
أغرقت مياه الأمطار خيام النازحين في غزة (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يواجه سكان غزة منخفضًا جويًا عميقًا مع أمطار غزيرة ورياح باردة، مما أدى إلى غرق الشوارع والسيول، وتفاقم معاناة المواطنين خاصة في المناطق المنخفضة ومخيمات النزوح، مع نقص في الوقود ووسائل التدفئة.
- يعاني الأطفال وكبار السن من البرد القارس بسبب نقص الملابس الشتوية، وتدهور البنية التحتية يعجز عن استيعاب الأمطار، مما يسبب اختلاطها بالمياه العادمة وانتشار الأمراض.
- أكد الصليب الأحمر الألماني و"أطباء بلا حدود" أن نقص الغذاء والمستلزمات الطبية يهدد الأمن الصحي والمعيشي، رغم تحسن المساعدات بعد وقف إطلاق النار.

يضرب منخفض جوي عميق قطاع غزة منذ ساعات، مصحوباً بأمطار غزيرة ورياح شديدة البرودة، ما فاقم من معاناة السكان الذين يعيشون أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، في ظل انعدام الإمكانات وسوء الظروف المعيشية. ومع دخول الساعات الأولى للمنخفض، تحوّلت شوارع المدينة المدمَّرة إلى برك من المياه والوحل، فيما غمرت السيول الطرق الفرعية وعرقلت حركة المواطنين، ولا سيما في المناطق المنخفضة ومحيط مخيمات النزوح، في مشهد يعكس عمق الكارثة الإنسانية.

ميدانياً، تتعرض الخيام المهترئة التي تؤوي نازحين للغرق أو لأضرار جسيمة، بعدما تسربت مياه الأمطار إلى داخلها، لتصبح الأغطية والفُرُش مبللة وغير صالحة للاستخدام، فيما يعجز السكان عن تدفئة أطفالهم في ظل نقص شديد في الوقود ووسائل التدفئة.

في جولة ميدانية، رصد مراسل "العربي الجديد" عائلات تفترش أطراف الشوارع أو المناطق المرتفعة نسبياً بعد أن اضطرت إلى مغادرة خيامها الغارقة، فيما يحاول آخرون إشعال النار بوسائل بدائية لتأمين الحد الأدنى من الدفء، وسط نقص حاد في الحطب والوقود.

ويعاني الأطفال وكبار السن البرد القارس، في ظل غياب الملابس الشتوية والأغطية الثقيلة، ما ينذر بتدهور الأوضاع الصحية، خصوصاً بين المرضى وأصحاب الأمراض المزمنة، ما يعني أن آثار المنخفض لا تقتصر على البرد والأمطار، بل تمتد لتلامس تفاصيل الحياة اليومية، وتهدد الأمن الصحي والمعيشي لآلاف العائلات المنهكة أصلاً.

تقول الفلسطينية سمر راضي (41 عاماً)، وهي أم لخمسة أطفال نزحت بعد تدمير منزلها: "الخيمة غرقت، والفراش تبلل، والأطفال يرتجفون من البرد بعد ساعات من المطر الشديد والرياح القوية". وتتابع حديثها لـ"العربي الجديد": "حاول زوجي وأبنائي رفع الأرضية بقطع خشب، لكن المياه كانت أقوى منا، لا نملك أغطية إضافية ولا وقوداً للتدفئة، وكل ما نفعله احتضان أطفالنا حتى لا يمرضوا، هذا ليس شتاءً عادياً، نحن نعيش معركة جديدة مع البرد والمطر".

ويزيد تهالك البنية التحتية التي دمرتها الحرب من خطورة المنخفض، إذ تعجز شبكات الصرف الصحي عن استيعاب كميات الأمطار، ما أدى إلى اختلاطها بالمياه العادمة في عدد من المناطق، مهدداً بانتشار الأمراض والأوبئة. كذلك توقفت حركة بعض المركبات، واضطر المواطنون إلى سلوك طرق وعرة وخطِرة للوصول إلى أماكن عملهم أو لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

أما أبو خليل أبو سمرة (62 عاماً)، ويسكن في أحد المخيمات المنخفضة وسط المدينة، فيقول: "الشوارع تحولت إلى وحل، لا نستطيع الخروج، خصوصاً بعد اختلاط مياه الصرف الصحي بمياه المطر". ويعاني أبو سمرة وفق توضيحه لـ"العربي الجديد" من ضيق في التنفس، بينما يزيد البرد من تردي وضعه الصحي، في ظل غياب الرعاية الصحية بسبب تدمير القطاع الصحي، ونقص الأدوية بفعل الإغلاق، أو ارتفاع أسعارها بما لا يتناسب مع أوضاعه المادية المتردية.

وفي ظل هذه الأجواء القاسية، يواجه سكان غزة المنخفض الجوي بإمكانات شبه معدومة، دون مأوى آمن أو استجابة إنسانية عاجلة، ليضاف الشتاء القاسي إلى سجل طويل من المعاناة اليومية، ويكشف مجدداً هشاشة الواقع الإنساني في المدينة المحاصَرة، حيث تتحول كل عاصفة مطرية إلى امتحان قاسٍ للبقاء والصمود.

من جانبه، يوضح الشاب محمود السالمي (28 عاماً)، ويعمل داخل أحد المتاجر بأجر يومي، أنه لم يتمكن من الخروج للعمل بسبب الأمطار، لا بفعل الطرق الغارقة، بل لعدم قدرته على ترك أهله في مثل هذه الظروف القاسية. ويبين لـ"العربي الجديد" أن المعاناة تتضاعف يومياً منذ بدء الحرب حتى اللحظة، حيث عانت أسرته ويلات النزوح والفقد وتدمير البيت، والآن تعاني انعدام مختلف مقومات الحياة، وفي مقدمتها البيت الآمن والحياة الهانئة.

وتزيد المنخفضات الجوية من معاناة السالمي، فإلى جانب قساوة البرد ومياه المطر التي تغرق كل شيء داخل الخيمة، فإنها تتسبب كذلك في قطع رزقه، بعد أن اضطر إلى ملازمة أسرته لضمان عدم دخول المياه، أو اقتلاع الرياح القوية لخيمتهم الخشبية.

إزاء هذه الأوضاع، قال الصليب الأحمر الألماني، إن الأوضاع المتدهورة أصلاً لسكان قطاع غزة تفاقمت أكثر خلال فصل الشتاء. وأفاد رئيسه هيرمان جروه، في تصريحات لصحيفة "راينشه بوست" الألمانية: "أشهر الشتاء المقترنة بسوء أوضاع الإمدادات مروعة، وخصوصاً للأطفال والمصابين وكبار السن".

وأكد المتحدث وجود نقص حاد في الغذاء والمستلزمات الطبية والأدوية والكهرباء والمياه، مشيراً إلى أن المساعدات تحسنت بعد وقف إطلاق النار، لكنها ما زالت غير كافية، إذ لا يتحقق إدخال 600 شاحنة يومياً، وفق ما أفادت وكالة "أسوشييتد برس". من جهتها، أكدت منظمة "أطباء بلا حدود" أن ضعف الرعاية الطبية يمثل أزمة كبيرة، محذّرة من وفاة كثيرين بسبب أمراض قابلة للعلاج، إضافة إلى تعثر نقل المرضى للعلاج في ألمانيا بسبب قيود الدخول.

المساهمون