تحقيق "ملفات دمشق" يثير جدلاً في سورية حول حقوق الضحايا
استمع إلى الملخص
- تلتزم المؤسسة بسرية المعلومات وفق قواعد الأمم المتحدة، وتؤكد على عدم نشر تفاصيل المفقودين علنًا، مع التعاون مع الجهات الأممية لمعالجة القضية.
- أظهر التحقيق تفاصيل التعذيب والتنسيق بين الأمن السوري وحلفائه، ودعت وزارة العدل لتسليم الوثائق للجهات المختصة لتحقيق العدالة.
أعلنت المؤسّسة المستقلة للمفقودين في سورية، أنها تتابع من كثب ما ورد في التحقيق الاستقصائي الدولي "ملفات دمشق"، الذي كشف عن تفاصيل جديدة حول نظام القتل الممنهج الذي كان يتبعه النظام السوري السابق بحق المعتقلين في سجونه، استناداً إلى أكثر من 134 ألف وثيقة استخبارية سرية، مشدّدة على أن إبلاغ العائلات مباشرةً يشكّل "أولوية قصوى".
وقالت المؤسسة في بيان الجمعة، إنها تلقّت خلال الأيام الماضية تواصلاً واسعاً من عائلات المفقودين التي تبحث منذ سنوات عن أي معلومة حول مصير أبنائها، مؤكدة أنها تدرك "الأثر العاطفي العميق" لمثل هذه التقارير، والقلق الذي تسببه احتمالية معرفة ذويهم للمصير عبر الإنترنت بطريقة "لا تراعي كرامتهم وحقّهم في اتخاذ القرار".
وأضافت أن المعلومات التي تتلقاها تأتي من مصادر متعددة، بينها العائلات والمجتمع المدني ووسائل الإعلام، وأن جميع هذه المواد تقدم طوعاً بهدف توضيح مصير المفقودين وتقديم الدعم للعائلات. وأوضحت أن كل المعلومات تخضع لعملية تحقق وتحليل دقيقة، وغالباً ما تحتاج إلى عناصر إضافية قبل التوصل إلى نتائج موثوقة وقابلة للبناء عليها. وذكرت أن إبلاغ العائلات مباشرة هو "الأولوية القصوى" بمجرد توفر وضوح كاف حول النتائج. وأكدت أهمية التعاون مع اللجنة الوطنية للمفقودين التي أنشئت حديثاً لقيادة الجهود الوطنية المتعلقة بهذا الملف، معتبرة أن التنسيق بين الجهات الأممية والوطنية عنصر أساسي لمعالجة القضية منهجياً.
ولفتت المؤسسة إلى أنها تتعامل مع البيانات المتعلقة بالأشخاص المعرّفين أو القابلين للتعرف إليهم بأعلى درجات السرية، ووفق قواعد الأمم المتحدة لحماية البيانات والخصوصية والأمان، مشيرة إلى أن أي معلومات ترد إليها من وسائل الإعلام تخضع للإجراءات نفسها ولا تُنشر أو تُناقش في منصات عامة. وقالت إنها لا تكشف ولا تناقش أي تفاصيل خاصة بالمفقودين عبر المنصات العامة أو وسائل الإعلام، بما في ذلك المعلومات الواردة مؤخراً في التقارير المتداولة، مؤكدة أنها لم تكن طرفاً في إعداد التحقيق الاستقصائي "ملفات دمشق". وحذّرت المؤسسة المستقلة للمفقودين من أن المعلومات يجب ألّا تستخدم بطريقة تعيد إيذاء العائلات أو تضر بها، وأن أي نتائج أو استنتاجات يجب أن تُقدم بما يحفظ كرامتهم وحقوقهم.
وكان تحقيق استقصائي نشرته وسائل إعلام دولية كشف عن نظام قتل ممنهج نفّذه النظام المخلوع في حق المعتقلين في سجونه، استناداً إلى أكثر من 134 ألف وثيقة استخبارية سرية. واعتمد التحقيق على وثائق حصلت عليها هيئة الإذاعة الألمانية وشاركتها مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، ملاحظاً آليات عمل أجهزة الأمن السورية وعلاقاتها مع حكومات أجنبية ومنظمات دولية.
وأظهرت الوثائق والصور، التي التقطها مصورون عسكريون، جثث معتقلين مرقمة ومصنفة، بعضها عار ويظهر عليه آثار تجويع وتعذيب، كما تشير الوثائق إلى تنسيق بين أجهزة الأمن السورية وحلفائها، مثل روسيا وإيران، إضافة إلى ارتباطات مالية مع شركات أمنية موالية لنظام الأسد تلقت أكثر من 11 مليون دولار من وكالات تابعة للأمم المتحدة.
وكانت وزارة العدل السورية حذّرت في بيان لها أمس من قيام بعض وسائل الإعلام والمنصّات الإلكترونية بـ"نشر عشوائي لوثائق وصور ومعلومات تتعلق بضحايا انتهاكات جسيمة وتعذيب خلال حقبة النظام المخلوع"، مؤكدة أن هذا النشر "يتعارض مع حقوق الضحايا ويمس مشاعر ذويهم".
وأضاف البيان تعليقاً على التحقيق الاستقصائي الذي حمل عنوان "ملفات دمشق"، إن المواد المتداولة "مسربة وجُمعت بطرق متباينة ولا تراعي الضوابط القانونية والأخلاقية"، مشيرة إلى مخاوف من استغلالها في "عمليات ابتزاز أو متاجرة" تعد انتهاكاً لكرامة الضحايا وقضيتهم.
ودعت وزارة العدل المنظمات والأفراد والجهات التي بحوزتها وثائق أو صور أو بيانات متعلقة بضحايا الانتهاكات إلى تسليمها للجهات الرسمية المختصة، سواء وزارة العدل أو الهيئات الوطنية المعنية بالعدالة الانتقالية والمفقودين، لضمها إلى الملفات قيد الدراسة ضمن إجراءات قانونية تضمن صون كرامة الضحايا وحقوق عائلاتهم، وحماية الأدلة من العبث، وتوثيقها وفق الأطر المعتمدة إبلاغ ذوي الضحايا بالطرق الرسمية والإنسانية اللائقة، مع تخليد ذكراهم بوسائل تراعي القيم الأخلاقية والإنسانية.
وأكد بيان الوزارة أن السلطات السورية ستلاحق كل من يخرق الأنظمة والقوانين أو يتاجر بآلام الضحايا أو يستغل قضيتهم لأغراض غير مشروعة. وشددت على التزامها بمبادئ سيادة القانون وصون الكرامة الإنسانية، والعمل على تحقيق العدالة الانتقالية على أسس مؤسسية راسخة.
من جهته، اعتبر الباحث السوري أحمد أبازيد أن الملفات لم تُظهر الصور أو الأسماء، باستثناء قسم قليل تواصلت مع عوائلهم، وهو أمر إيجابي. ولفت في حديث مع "العربي الجديد" إلى أن نشر التحقيقات الاستقصائية اعتماداً على مستندات توفرت لمؤسسات صحافية وحقوقية من دون كشف صور أو أسماء، لا يعد انتهاكاً لخصوصية المعتقلين أو الملف، وهو جزء من عمل هذه المؤسسات، ومساهمة فاعلة في كشف مملكة الرعب لدى النظام السابق.
ولفت إلى أن معظم التحقيقات السابقة كانت نتيجة بيع الفيديوهات والوثائق من المصادر قبل سقوط النظام، أو لإخلاء المسؤولية بعد سقوط النظام، باستثناء ملف قيصر الذي كان من الحالات القليلة للتسريب الذي ترافق مع انشقاق وعمل ثوري. واعتبر أن المسؤولية تقع على الجهات الرسمية التي لديها هذه الملفات والصور وغيرها منذ سقوط النظام أو بعده بقليل، في أن تتقدم في مسار كشف الحقيقة وإبلاغ العوائل بالحقائق الأولى على الأقل عن وفاة أبنائها حتى التحقيق في كل التفاصيل المتبقية، لافتاً إلى تأخر غير مبرّر لعام كامل، أنجزت فيه مؤسساتٌ خاصة من كشف المقابر والتحقيق في الوثائق ما لم تنجزه الجهات الرسمية.