شتاء غزة يعري الكارثة ويكشف المأساة: خيام نازحين تغرق بمياه الأمطار
استمع إلى الملخص
- يواجه سكان غزة، مثل عبد الله حسان وعائلته، صعوبات بسبب تدمير البنية التحتية، حيث تحولت الخيام إلى مستنقعات مختلطة بمياه الأمطار والصرف الصحي.
- كشف المنخفض الجوي الأخير عن الكارثة الإنسانية في غزة، حيث غرقت الخيام وتحولت الشوارع إلى برك مياه، مع نقص في المساعدات والمأوى الآمن.
تقف الحاجة أم عوني أبو عاصي عند مدخل خيمتها وسط مدينة غزة، ترتجف من شدة البرد وقد تبللت ملابسها بمياه الأمطار. تحاول أن تقتنص قليلاً من الدفء بعد انحسار الموجة الغزيرة التي هطلت صباح اليوم الجمعة على قطاع غزة المحاصر، وكشفت مأساة الشتاء التي تُفاقم معاناة مئات آلاف النازحين الفلسطينيين. تُحاصر المياه أم عوني من كل جانبٍ، وتراقب بعيون مثقلة بالأسى خيمة ابنتها التي غمرتها المياه بالكامل، وتخشى أن يؤدي استمرار هطول زخات المطر إلى ارتفاع منسوب المياه حول خيمتها وإغراقها هي الأخرى.
تعيش الحاجة أم عوني وحيدة بعد استشهاد زوجها ونجلها، وقد نصبت خيمتها قرب خيمة ابنتها لتكون سنداً لها. ومع بداية هطول الأمطار، حاولت الأم وابنتها رفع الأمتعة والملابس إلى أماكن مرتفعة داخل الخيام، غير أنّ الزخّات كانت كثيفة، وخلال أقل من ساعة تدفقت كميات كبيرة من المياه إلى الداخل. وتروي الحاجة لـ"العربي الجديد" بنبرة قهر: "لم نتوقع أن نغرق بهذا الشكل، أنا امرأة مسنة ومريضة ولا أحد يعيلني. منذ الصباح أرفع الملابس وحدي، ولا أستطيع الخروج من الخيمة، فالمياه التي أغرقت خيمة ابنتي تحاصرني، وإذا عادت الأمطار مرة أخرى سنتعرض للغرق".
وفي محيط مسجد فلسطين وسط مدينة غزة، حيث دمر الاحتلال الإسرائيلي البنية التحتية والشوارع المحيطة بفعل القصف خلال حرب الإبادة، تحوّلت الحفر المفتوحة إلى برك واسعة من مياه الأمطار الأمر الذي أعاق حركة السكان وحاصرت الخيام في المكان. حتّى منتصف الساق تغمر المياه قدمي عبد الله حسان وزوجته، وهما يشقان طريقهما وسط بركة مياه نحو خيمتهما التي تحولت لمستنقع مختلط بين مياه الأمطار والصرف الصحي. ارتفع منسوب المياه في داخل الخيمة لنحو 30 سنتيمتراً، فغطى الفراش والملابس والسجاد بالكامل، حاولت العائلة تحصين الخيمة بوضع شوادر إضافية فوقها، لكنها فوجئت بالمياه تتسلل من الأسفل وتحاصر المكان من كل جانب.
يروي حسان لـ"العربي الجديد" وهو لا يصدق ما تراه عيناه من مشهد مرير: "كنا نائمين لحظة هطول زخات كبيرة من الأمطار، وفجأة رأينا المياه تتدفق كأنها فيضان. غمرت طفلي الرضيع (أربعة أشهر) وطفلتي الصغيرة، وتبللنا جميعاً. حملتهما وخرجت بهما وتفاجأت بأن قدمَيّ تغوصان بمياه عميقة. وأنا أخشى السقوط بالأطفال".
يتساءل بحسرة عن مصير مجهول في قادم الأيام، إن استمرت المنخفضات الجوية: "مع أول موجة أمطار غرقنا، فماذا سيحدث لنا إن توالى المطر؟ حاولت الاتصال بالبلدية، أو الانتقال لمخيمات إيواء قريبة، لكن لا أحد يجيب فالمأساة منتشرة في كل مكان". في وسط الخيمة يقف حسان وزوجته يتأملان ما تبقى من مقتنياتهم التي انتشلاها سابقاً من بين ركام منزلهم المدمر، كانت آخر ما بقي من ممتلكاتهم، لتغرق اليوم بالكامل، يقول وهو يقلب كفيه: "لم يعد هناك شيء سليم. كل شيء غرق: الملابس، والفراش، والسجاد، والأغطية، وهذه مياه مختلطة بين مياه الأمطار والصرف الصحي. لا أعرف أين سنذهب".
فيما تجلس زوجته على كرسي داخل الخيمة، تحدق بعيون باكية وقلب مكسور إلى هذه الفوضى المغمورة بالمياه. مشهد مصغر لمأساة أكبر تعيشها مخيمات الإيواء داخل قطاع غزة، إذ كشف الشتاء حجم المأساة الحقيقية وتداعيات الإبادة الجماعية على القطاع، التي استمر أكثر من عامين. تنتشل ملابس مبللة من وسط المياه، تقول وهي تبكي بحرقة لـ"العربي الجديد": "هذا ما بقي لنا من أمتعة. كلها تلفت، غمرتها مياه الأمطار والصرف الصحي. لم يعد لدينا مكان نذهب إليه. وجدنا هذا المكان بعد جهد كبير. ولم نتوقع أن يغرق بهذا الشكل".
ويمنع الاحتلال دخول خيام وشوادر لحماية النازحين من مياه الأمطار، متنصلاً من التزاماته وفق اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ما يفاقم معاناة النازحين الذين يعيشون في خيام مهترئة وبالية مع طول فترة استخدامها طوال الحرب، والنزوح بها من مكان لآخر.
وكشف أول منخفض جوي لهذا العام حجم الكارثة والمأساة التي يعيشها أهالي غزة، إذ غرقت غالبية الخيام، وتحولت الشوارع لمستنقعات وبرك مياه أعاقت الحركة، وطفحت مياه الصرف الصحي التي جرت بالشوارع مع مياه الأمطار. وقال جهاز الدفاع المدني في غزة، اليوم الجمعة، وفقاً لما نقلته وكالة الأناضول، إنّ خياماً ومراكز تؤوي نازحين في مناطق مختلفة من قطاع غزة غرقت منذ ساعات الليل بمياه الأمطار، الأمر الذي يفاقم الواقع المعيشي المأساوي لهم.
وأضاف المتحدث باسم الجهاز محمود بصل، في تصريح صحافي، أنّ الفلسطينيين استيقظوا ليلاً على غرق خيامهم ومراكز الإيواء التي يقيمون فيها، في مشهد "مبكٍ جداً". وذكر أنه جرى رصد ارتفاع منسوب المياه في بعض ساحات مراكز الإيواء لأكثر من 10 سنتيمترات، ما تسبب بغرق الخيام المنصوبة فيها بما يوجد داخلها من أغطية وفراش وملابس.
بلدية جباليا النزلة تحذر من تداعيات بدء المنخفضات الجوية مع دخول فصل الشتاء في ظل الدمار الذي تعاني منه المدينة pic.twitter.com/y6z0KH7T37
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) November 14, 2025
وأوضح أن الدفاع المدني استقبل "مئات الإشارات من الفلسطينيين يطلبون المساعدة والعون"، إلا أن نقص الإمكانيات والمقدرات أعاق عملية الاستجابة. وأكد أنّ المنخفض الجوي وتداعياته تسبب بمفاقمة "الواقع المعيشي المأساوي" لفلسطينيي قطاع غزة، واستكمل قائلاً: "نقول للعالم إن القطاع يمر بمرحلة كارثية لا تختلف عن القتل والموت (...) الفلسطينيون أمام خيارات صعبة في ظل عدم توفر البدائل".
وبفعل المنخفض الجوي، أشار بصل إلى حالة نزوح داخلية يشهدها القطاع يبحث خلالها الفلسطينيون عن مأوى آمن يقي برد ومطر الشتاء. وطالب العالم بالوقوف أمام مسؤولياته أمام الجريمة البشعة والمتمثلة في "عدم إبقاء أي مكان أو مركز إيواء آمن يلجأ إليه الفلسطينيون". وتتأثر الأراضي الفلسطينية بما فيها قطاع غزة بمنخفض جوي مصحوب بكتلة هوائية باردة نسبياً إلى باردة وبأمطار غزيرة مصحوبة بعواصف رعدية أحياناً، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية "وفا" عن دائرة الأرصاد الجوية.
وبفعل العوامل الطبيعية والتضرر من القصف الإسرائيلي، أشارت تقديرات حكومية في غزة إلى أنّ 93% من إجمالي خيام النازحين لم تعد صالحة للإقامة، بواقع 125 ألف خيمة من أصل 135 ألفاً. وفي وقت سابق الجمعة، قال ينس لاركيه، المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" لـ"الأناضول"، إن الوضع الإنساني في قطاع غزة لا يزال "كارثياً"، مع استمرار إسرائيل بإعاقة وصول المساعدات على نحوٍ كافٍ إلى فلسطينيي القطاع، رغم مرور أكثر من شهر على سريان اتفاق وقف إطلاق النار.