مخاطر صحية وبيئية لحُفر الصرف الصحي العشوائية في غزة
استمع إلى الملخص
- يعاني النازحون من انعدام الخصوصية ووسائل النظافة، حيث يستخدمون حمامات جماعية بدائية، مما يزيد من انتشار الروائح الكريهة والحشرات، ويشكل خطراً على سلامة الأطفال.
- يحذر الأطباء من الآثار الصحية والبيئية الخطيرة للآبار العشوائية، مثل انتشار الأمراض المعدية وتلوث المياه الجوفية، مما يشكل تهديداً طويل الأمد على البيئة وصحة السكان.
وجدت آلاف العائلات الفلسطينية النازحة نفسها مضطرة إلى نصب خيامها في مناطق تفتقر كلياً إلى البنية التحتية الأساسية، وعلى رأسها الصرف الصحي، ليلجأ كثيرون إلى حفر آبار صرف صحي عشوائية إلى جوار خيامهم.
ورغم أن هذا الحل جاء نتيجة ظروف اضطرارية قهرية لتلبية احتياج أساسي في ظل غياب دورات المياه العامة، إلا أن تبعاته الصحية والبيئية كارثية، خصوصاً على الأطفال. وتعود الظاهرة إلى انعدام البنية التحتية في مناطق الخيام، خصوصاً في المحافظة الوسطى وخانيونس، والتي لا تحتوي على شبكات صرف صحي، وفي ظل فشل الاستجابة الإنسانية أو تأخرها في توفير دورات مياه متنقلة، أو شبكات صرف مؤقتة.
يقول الفلسطيني زهدي عبد ربه، وهو نازح من شمال قطاع غزة إلى المحافظة الوسطى، إنه اضطر إلى حفر بئر عشوائية بطول متر ونصف لتصريف مياه المرحاض المتنقل الذي نصبه بجوار خيمته التي تضم عائلته المكونة من خمسة أفراد، ويوضح لـ "العربي الجديد": "بعد النزوح إلى أرض قاحلة غربي مدينة دير البلح، لم نجد مرحاضاً أو شبكة صرف صحي، ما اضطرني إلى تجهيز غرفة صغيرة من القماش بجوار الخيمة لوضع المرحاض، وحفر بئر بجوارها لتصريف المياه العادمة".
يدرك عبد ربه الآثار الصحية السلبية لإنشاء حمام متنقل، ولتصريف فضلاته داخل بئر ملاصقة للخيمة، وتسبب ذلك بروائح كريهة وانتشار للحشرات والفيروسات، علاوة على التأثيرات المستقبلية على الأرض والبيئة، لكنه لا يمتلك أي خيار آخر مع انعدام الخيارات منذ إجباره على ترك بيته.
ويؤدي التكدس السكاني الهائل الناتج عن تدفق عشرات الآلاف من النازحين إلى مناطق محدودة المساحة إلى اللجوء لحلول بدائية، كما أن هناك صعوبات في إنشاء مرافق صحية في ظل الاستهداف المستمر وقصف الطرق والبنية التحتية.
يعيل النازح الفلسطيني هيثم صيام 16 فرداً، وقام باستئجار أرض زراعية لإقامة ثلاثة خيام تتسع لعائلته، وأنشأ حماما جماعيا قريبا من الخيام، ويقوم بتصريف المياه العادمة داخل بئر حفرها، وغطاها بلوح زينقو معدني. ويقول لـ"العربي الجديد": "أنا مسؤول عن ثلاث عائلات من أقاربي بعدما دُمرت بيوتنا في حي الشجاعية، ونتشارك الآن في حمام واحد، في ظل غياب كل وسائل النظافة، وكذلك غياب كل أشكال الخصوصية، تحديداً بالنسبة للنساء".
ويوضح صيام، والذي كان يعمل في مجال البناء قبل الحرب، أنه لم يتخيل يوماً أن يقوم بإنشاء حمام مصنوع من الخشب والشوادر، مضيفاً: "أحيانا ينكشف الغطاء بفعل الريح، ما يتسبب بانتشار الروائح الكريهة بين الخيام. ما نعيشه الآن هو الأشد قسوة منذ بداية الحرب، وأتمنى أن تنتهي معاناتنا قريبا".
تعيش الفلسطينية رنا عابد في خيمة داخل أرض مفتوحة بمنطقة الزوايدة وسط قطاع غزة، تضم ثماني نساء، وإلى جوارها خيمة أخرى تضم ستة من رجال العائلة، وإلى جوار الخيمتين حمام جماعي يتم تصريفه في بئر عشوائية. وتبين لـ "العربي الجديد"، أن "الوضع الحالي قاسٍ ويحرمنا الخصوصية، كما نفتقر إلى مواد النظافة وسبل الرعاية الشخصية. يطاردني هاجس السقوط في حُفرة الصرف الصحي، أو أن يسقط بها أحد الأطفال، فمثل هذه الحُفر لا يجب أن تكون بين الخيام، أو في المناطق المأهولة، لكن غياب الخيارات يجبر الناس عليها".
من جانبه، يؤكد الطبيب أسعد صافي لـ "العربي الجديد"، أن "هذه الظاهرة تهدد بآثار صحية وبيئية خطيرة، من بينها انتشار الأمراض المعدية، مثل الإسهالات الحادة، والكوليرا، والتيفوئيد، والتهاب الكبد الفيروسي نتيجة تلوث مصادر المياه. تؤدي حُفر الصرف الصحي أيضاً إلى تلوث المياه الجوفية في ظل عدم وجود طبقات عازلة، أو أنظمة صرف صحية محكمة، ما يشكل تهديداً طويل الأمد على البيئة، إلى جانب الروائح الكريهة المنبعثة من الآبار المكشوفة، أو غير المغطاة جيداً، والتي تطلق مركبات ضارة تؤثر على الجهاز التنفسي، خصوصاً لدى الأطفال وكبار السن".
ويوضح الطبيب الفلسطيني أن "آبار الصرف العشوائية تساهم في جذب الحشرات الناقلة للأمراض، مثل الذباب والبعوض، لا سيما في المناطق المزدحمة التي تفتقر إلى الرش الصحي، أو النظافة، كما تشكل تهديداً مباشراً للأطفال، فوجود هذه الحُفر قرب الخيام يشكل خطراً على سلامتهم، وقد سُجلت حالات سقوط أطفال في هذه الحُفر غير المحمية".
وفي ظل النزوح القسري الجماعي الناتج عن القرار الإسرائيلي الأخير بإخلاء مدينة غزة، ارتفع عدد النازحين بنسبة تفوق قدرة أي جهة على الاستجابة، وتوسعت رقعة انتشار الآبار العشوائية، لتتحول من "حل فردي" إلى ظاهرة عامة، بينما هي قنبلة موقوتة تهدد صحة مئات الآلاف.