سورية.. نحو عقد اجتماعي جديد (2)
سورية.. نحو عقد اجتماعي جديد (2)
(في بلدة دوما، تصوير: سمير الدومي)

هل فعلًا كانت مظاهرات عام 2011 في عموم سورية، ذات الطابع السلمي والمطالب العادلة، "جنونًا سنيًا"، كما صوّره المحقّق في فرع فلسطين هواري، وكما هو الانطباع السائد في صفوف العلويين وشرائح عديدة من الأقليات في البلد؟

في الحقيقة لا يمكن فهم هذا التفسير "الضحل والاستعلائي" لتفجر المظاهرات السلمية التي واجهت الرصاص والاعتقال والتعذيب بصمود أسطوري، سوى أنه دليل على أن الأغلبية العلوية باتت، ولأسباب عديدة، تنظر إلى واقع سورية باعتباره هبة القدر لهم التي لا ينبغي لأي قوّة في العالم أن تسلبها منهم أو تنازعهم عليها، علمًا بأن المتظاهرين، والناشطين الإعلاميين منهم على وجه التحديد، لم يتركوا وسيلة لإقناع العلويين بأنهم ليسوا مضطرين لربط مصيرهم بمصير الأسد، وأن سورية العدالة لا سورية الأسد هي من تضمن مستقبلهم ومستقبل أطفالهم، لكنهم باؤوا بالفشل، نتيجة التشوّه الذي لحق بتصورات العلويين حول الوطن وما يتعلق به.

فمن يريد تغيير حكم آل الأسد، بغض النظر عن البديل، إنما يريد الانتقام من حكم العلويين، وفقًا لهذه التصوّرات، ومن يريد إصلاحًا حقيقيًا في بنية النظام إنما يريد التآمر على مكتسباتهم في ظل هذا النظام.

هذا التخريب في الحس الوطني، الذي تسبّب به حكم آل الأسد، لم يقتصر على العلويين أو بعض الأقليّات، بل طاول الجميع بمن فيهم الغالبية السنية، بل طاول جميع فئات وشرائح الشعب على تنوّعها، فلا ثقة لأحد بأحد، وكل شريحة تشعر أنها مستهدفة والبقية يريدون العبور فوقها نحو مصالحهم.

من الشائع جدًا أن تجد السوري السني أو حتى في بعض الحالات، المنتمي إلى أقليات غير الأقلية العلوية، يتحدّث بلغة طائفية، ولا يرى سببًا لخراب سورية سوى حكم الطائفة العلوية، وأن جميع القادة والمسؤولين والضبّاط السنة أو غير السنة في نظام الأسد ليسوا سوى ديكور لا قيمة له في الواقع.

يستوي في هذه النظرة الإسلامي والعلماني، وإن كان البعض من الفئتين يفضّل حبس هذه اللغة في المجالس الخاصّة، وعدم التورّط في المنابر العامة بخطاب من هذا النوع، حرصًا على ترك الباب مفتوحًا أمام جميع المكونات الاجتماعية السورية لتفك ارتباطها بالنظام سواءً فرديًا أو جماعيًا، وعدم السماح بتعميم الجريمة على جميع أبناء الطائفة العلوية، إذ لا تزر وازرة وزر أخرى، بيد أن الفكرة السائدة على نحو واسع بين السنة، وحتى بين أفراد من بعض الأقليات، هي أن العلوي مجرم بطبعه، وهي فكرة لا يصعب دحضها واستحضار الأمثلة على تهافتها، لكن كيف لك أن تقنع ملايين المكلومين والمتضرّرين من وحشية النظام التي تفوح منها رائحة طائفية كريهة لا يمكن إخفاؤها؟

حدثني أحد قادة حزب العمل الشيوعي، وهو علوي من قرية دير ماما التابعة لمدينة مصياف بريف حماة، أنه قاد بصحبة أصدقاء له من الوجهاء من العلويين والسنة في محافظة حماة، بدءًا من عام 2005 جهودًا مكثفة لبث روح التآخي والتفاهم الوطني بين الطائفتين، وفي واحدة من المحاضرات التي كان يتحدّث فيها أبو حسين بحماسة ويقدّم مقاربة مقنعة لكيفية التخفيف من الأثر السلبي التخريبي لحكم الاستبداد على الروابط الوطنية والاجتماعية بين مكونات الشعب السوري، إذ به يلاحظ أحد الحاضرين المستمعين وهو يومئ برأسه مبتسمًا، وعندما فرغ صاحبنا من حديثه اتجه نحوه وبادله التحيّة والحديث ليكتشف أنه طبيب من مدينة حماة.

قاد الطبيب الحموي أبو حسين إلى منزل والدته حيث عرفه عليها ووجد أنها قد علقت صور أبنائها الأربعة الذين قتلهم نظام الأسد عام 1982 في مجزرة حماة الشهيرة، وقد بكت لذكراهم، وهنا التفت الطبيب إلى صاحبنا وقال له: "أنا اقتنعت تمامًا بما تنادي به من التآخي والتعايش.. لكن من يملك القدرة والمنطق الكافي لإقناع هذه المسكينة ومثلها الآلاف من النساء والرجال بهذا الذي تدعو إليه؟

كان ذلك حوالى عام 2005، أما إذا ضممنا مأساة سورية المعاصرة، التي نستطيع القول إن العلويين بعض ضحاياها ووقودها، إلى مأساة الثمانينيات، التي لا تبلغ معشارها، كيف عسانا ننعش في عقول السوريين وقلوبهم فكرة سورية الموحدة؟

في الواقع، لقد أبلى نظام آل الأسد بلاء حسنًا في هدم ما أمكن له أن يهدمه من الروابط الطبيعية، التي يمكن أن ينطلق منها عقد اجتماعي جديد يقرّه السوريون، بعد أن يمزّقوا عقد الإذعان والاستعباد، على النحو الذي بشرت به ثورة عام 2011، ليبقي الحل الوحيد هو استمرار نظام الاستبداد والفساد وحكم العائلة المتلوّن بألوان طائفية واجتماعية متعددة، كي تبقى سورية موحدة ولو على حطام المنازل المدمّرة، والدماء البريئة المسفوحة لمئات الآلاف، والقرى والبلدان والمدن المهجورة والمهجرة.