نظريات العودة إلى المستقبل.. نهاية التاريخ والحضارة والعمل (2–2)



في هذا الملف، تُقدّم صحيفة لوموند نظريات خمسة من الكُتّاب والمفكّرين الذين توقّعوا شكل المجتمع البشريّ في المستقبل، وقد بيعت كتبهم في ملايين النُسخ.

3- فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ "برجوازية"
في سنة 1989، نشر فرانسيس فوكوياما، بروفيسور العلوم السياسية بجامعة ستانفورد، مقالةً مُعَنونة "نهاية التاريخ؟" وفيها أعلن تعميم الديمقراطية الليبرالية الغربيّة بوصفها النظام النهائي لكُل حُكم بشريّ". فهو يرى أن الصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب انتهى بانتصار الديمقراطية الليبرالية. ولكن وقت نشره المقالة، لم يكن هذا النصر قد تبلوّر كليًّا على أرض الواقع : بعد ذلك ببضعة أشهر، في العام نفسه، سينهار جدار برلين؛ أمّا الاتحاد السوفيتي فكان قد وصل إلى مرحلةِ من الضعف يصعب معها عدم توقّع انهياره الوشيك.

وبعيدًا عن الحرب الباردة، فانتصار الديمقراطية الليبرالية، بوصفها نظامًا للحُكم، جاء على حساب كل الأيديولوجيات المُنافسة: الشيوعيّة اليوم؛ النظام الملكيّ الوراثيّ، والفاشية بالأمس. مُقتنعًا بذلك، قدّم فوكوياما فكرة أن الديمقراطية الليبرالية هي "المرحلة النهائية للتطور الأيديولوجي للبشريّة، وأنها الشكل النهائي لكُل حكومة بشريّة"، أيّ "نهاية التاريخ".

وبينما كان القرن الـ 20 يدنو من نهايته، كانت فرضيّة فوكوياما تثير جدلًا واسعًا، وتشغل المُفكّرين. فنشر الباحث صمويل هنتينغتون، الذي كان أستاذًا لـ فوكوياما في جامعة هارفرد، مقالةً يرى فيها أن نهوض أيديولوجيا أخرى، مثل الشيوعيّة، لا يزال أمرًا مُمكنًا، وأن حدوث شقاقات بين أنصار الديمقراطية وبعضهم غير مُستبعَد، وأن ظهور أيديولوجيات جديدة سيكون، بطبيعة الحال، حقيقة. سيطوّر هنتينغتون فيما بعد هذه النظريّة في كتابه "صدام الحضارات" في سنة 1996.

استمرّ الجدال بين فوكوياما ومنتقديه بشكل أكثر شراسةً عندما نشر كتاب "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" في سنة 1992؛ نجح الكتاب واعتلى قائمة المبيعات في قائمة نيو يورك تايمز الشهيرة.

غير أنه جرى التشكيك ومساءلة استخدام فوكوياما لمفهوم "التاريخ". استشهد مُعارضو فوكوياما بالأحداث الجارية: مجزرة ميدان تيانامن في 1989، أو اجتياح العراق للكويت في 1990 كانت شواهد على أن التاريخ لا يزال لديه ما يقوله.

وجد فوكوياما نفسه جالسًا على عرش الدفاع عن "العولمة السعيدة"، أيّ أن البشر، في نهاية القرن الـ 20، لا يحلمون سوى بالحرية، الرخاء، والديمقراطية. وانطلاقًا من قناعته بأن عزم إمبريالية القوى العُظمى لم يعُد كما كان في الماضي، رأى فوكوياما أن احتماليات نشوب حرب عالمية ثالثة تتضاءل يومًا بعد يومِ.

يشيّد فوكوياما مقاربته لنهاية التاريخ على أساسِ فلسفيّ "هيغل" وجيوبوليتيكي، "إنه أمرٌ لافت للنظر أن يفهم الماركسيون، قبل الجميع، جوهر كتابي، لأنهم يعتقدون في فكرة نهاية التاريخ الهيغليّة. يتصوّرون خطأً أن التاريخ سينتهي بالشيوعيّة وعندها، ولكني أرى أن المرحلة الأخيرة في تاريخنا هي الديمقراطية البرجوازيّة".

إن الفكر الذي يؤيّد هذا الرأي، يرى في مبادئ الحرية والمساواة، النابعة من الثورة الفرنسيّة، المرحلة الأخيرة من التطوّر الأيديولوجي التي لا يُمكن للبشر الذهاب إلى ما بعدها، "لقد نجحت القيم الليبراليّة في غزو عقول البشر؛ فلننظر للناس (لا الحكومات) في روسيا، أوروبا، الصين، جنوب شرق آسيا، أميركا اللاتينية: إن أعينهم وآمالهم موجّهة نحو النموذج الغربي، هو فقط، وليس النظام الشيوعيّ".

إن خاتمة الكتاب هي أكثر ما أثار جدلًا، فهو يرى أن عصرًا بلا صراع سياسي كبير (أيّ السلم) قد يخلق حالةً من "الضجر". "عندما يقرأ المرء كتابي بانتباه، يرى أنني حذرتُ من الخطر الذي قد يولّده هذا الضجر، ومن خطر حرب ضد الديمقراطية يشنّها هؤلاء الذين ترعرعوا فيها".

انحدار سياسيّ
"ثمّة أمور لم أتوقّعها عندما كتبتُ مقالتي منذ 25 عامًا. أولها هو الانحدار السياسيّ. كنتُ أنظر إلى التاريخ بوصفه حركةً للأمام، يلازمها بناء المؤسّسات وديمقراطية آخذة في النضج. لم أتوقّع أن الأمور قد تنحدر"، يقول فوكوياما.

لقد انحدرت مُمارسة الديمقراطية في أميركا، واستفحل هذا الانحدار مع انتخاب دونالد ترامب رئيسًا. "في فترات السلم والرخاء، تستأثر النُخَب بالسُلطة لصالحها، وهو ما نراه في أميركا، إلى جانب ظهور جماعات الضغط الاقتصاديّة (اللوبيهات) للحيلولة دون الإصلاحات واقتياد النظام إلى مأزق".

عادةً ما تُشهَر اعتداءات 11 سبتمبر/ أيلول في وجه نظريّات فوكوياما، لإثبات أن نهاية التاريخ ليست إلا وهما، وأن المُنتَصِر هو صمويل هنتينغتون ونظريّته عن أن العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إنما يتجّه إلى مزيد من الصراع. اليوم بعد مرور 16 عامًا، يقول فوكوياما "لم أتوقّع صعود الإسلام. ومع ذلك فهو ليس بحجم تحدّي الشيوعيّة. لأنه في كل البلدان المتقدّمة، بعد الحرب العالمية الثانية، كانت هناك أحزاب شيوعيّة مُنظّمة. أمّا الجهاد فلا يملك هذه الشبكات. لا يوجد حتى حركات جهاديّة طلابيّة في الجامعات الأميركيّة. إنهم عاجزون عن قيادة دولة لشدّة تطرفهم. انظروا إلى الدولة الإسلاميّة الآخذة في السقوط. وحتى إيران، لا تُدار بشكل جيّد".

بالنسبة لـ فوكوياما، الحجّة الوحيدة ضد نهاية التاريخ هي الصين، التي لم تذب في المجتمع الليبرالي الحديث؛ كما أنها قد تدخل في صراعِ مفتوح مع الغرب بسبب قوّتها الاقتصاديّة المتزايدة.

يرى فوكوياما أنه من المستحيل، على المدى البعيد، فَصل الليبرالية الاقتصاديّة عن الليبرالية السياسيّة دون الأخذ في الحسبان تطلّعات الطبقات الوُسطى، التي ستزداد رخاءً، فتُطالب بمزيدِ من الحريّات على النموذج الغربيّ. الديمقراطيّة الغربية هي إذن، في أعين فوكوياما، طريق المستقبل.

4- صمويل هنتينغتون، الحضارات تتقاتل
ساد جوّ من الانتشاء في الغرب بعد سقوط جدار برلين في 1989. وبدا أن اقتصاد السوق قد انتصر لتحسين حياة المواطنين، في المكان الذي سيُطَبّق فيه. وفرضت فكرة الديمقراطية نفسها بالتدريج. وقد ولّى زمن الإنفاقات الباهظة على ميزانيّة الدفاع، واقتنعت النُخَب بأن الديمقراطيّة ستقود إلى السلم الدائم.

في هذا المُناخ الهادئ، نشر صمويل هنتينغتون، في سنة 1993، مقالةً بعنوان "صدام الحضارات؟". بدت الفرضيّة التي يقدّمها بلهاء وعاديّة، ولكنها قُرئت بإمعان في أحداث 11 سبتمبر/ أيلول. كانت هذه النظريّة تُعارض الأفكار الرائجة في التسعينيّات، خاصةً بعد نشر فوكوياما كتابه في سنة 1992.

كتب هنتينغتون "إن نظريتي تقوم على أن الصراعات، في هذا العالم الحديث، لن تنشأ لأسباب أيديولوجيّة أو اقتصاديّة، فأبرز أسباب انقسام البشريّة ستكون ثقافيّة". ويواصل بتحديدِ أكثر "ستواصل الدول القوميّة الاضطلاع بأدوارها في الشؤون الدوليّة، ولكن الصراعات السياسيّة الرئيسة في العالم ستكون بين الأمم والجماعات المنتمية إلى حضارات مختلفة. سيهيمن صدام الحضارات على السياسة العالميّة".

منذ الأربعينيات، لم تُثر أية مقالة النقاشات والسجال مثلما فعل هنتينغتون. لاقتفاء أثر سجال حام كهذا، ينبغي العودة إلى يوليو/ تموز 1947، عندما نشر الدبلوماسي الأميركي جورج ف. كينان مقالةً يحذّر فيها من خطر التوسّع السوفييتي وضرورة احتوائه. وعندما نشر صمويل هنتينغتون كتابه (نُسخة منقّحة ومزيدة من مقالته) في سنة 1996، لم يهدأ الجدال.

يقول عالم الجيوبوليتيك روبر د. كابلان "نبحث جميعًا عن العنوان المثالي لكُتبنا، وهذا الكتب نجح في ذلك. حتى لو لم تقرأ الكتاب، فالعنوان كاف لتفنيده. العنوان يمدّك مسبقًا بالرأي. ثم يجب إمعان النظر في التفاصيل: حضارة أتت في صيغة الجمع، مما يعني الانقسام، لأن هناك حضارات عديدة".

يُشير هنتينغتون أنه في سنة 1995، كانت البلاد الإسلامية أكثر إسلامًا مما كانت عليه منذ 15 عامًا، سواءً ثقافيًا، اجتماعيًا، أو سياسيًا. النتيجة واضحة : رغبة الغرب في العالميّة قادته إلى الدخول في صراعات أكثر مع حضارات أخرى، خاصةً الإسلام والصين.

جاءت ردود الأفعال على هذا الكتاب من أوساط علماء الجيوبوليتيك والمفكّرين. عبّر كينيت ر. فنشتاين، رئيس "معهد هودسون" (مؤسسة قريبة من المحافظين الجدد)، عن تشكّكه إزاء الكتاب "وجدتُ الكتاب مُبالغًا فيه". أمّا روبر كابلان فكان موقفه مختلفًا: "تكمُن قيمة الكتاب في التفاصيل الدقيقة. عندما سمع الناس بالعنوان، ظنّوا أن الصراع المقصود يعود إلى العصر الحجري. ولكن هنتينغتون استخدمه لتفسير أن الصدام مرتبطُ بالحداثة، مصدر الانقسامات".

يُشارك عالم السياسة الفرنسيّ برونو ترتريه صمويل هنتينغتون الرأي في أن التاريخ عاد ليُصبح تحدّيًا سياسيًا كبيرًا، ورأى في نظريّة بروفيسور هارفرد أنها إسهام أميركيّ للغاية في السجال الفكريّ، يُثير سؤالًا حقيقيًا في وقت جهل فيه الجميع المبدأ التوجيهي للنظام العالمي.

يقول برونو ترتريه "بدت لي إعادة إدخال مفهوم "الحضارة" في الجيوبوليتيك مثيرة للاهتمام. ولكن التقسيم إلى 8 حضارات كان إشكاليًا، خاصةً وأنها قُدّمَت في مجموعات متجانسة. لماذا هناك مثلًا حضارتان مسيحيتان وواحدة إسلاميّة فقط؟ بالإضافة إلى أن المشروع الروسي الحاليّ يرمي إلى تجاوز التحالف بين الدولة والكنيسة الأرتودوكسية : إنه يُعرّف روسيا بوصفها مجموعةً متعددة الأديان".

حقق الكتاب نجاحًا ضخمًا بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، وتُرجم إلى أكثر من 30 لغة. أمّا مسألة الصراع بين الإسلام والغرب فقد اكتسبت قيمة تنبؤيّة، فارتفعت مبيعات الكتاب وتصدّر قائمة مبيعات النيو يورك تايمز، أمر نادر في كتاب ينتمي إلى هذا الحقل المعرفيّ. أصبح الكتاب يُقرأ فقط من زاوية الصراع الإسلامي-الغربي، رغمًا عن الكاتب. صحيح أن هذا الصراع يشغل جزءًا مُهمًا من الكتاب، ولكن لا يجب اختزال العمل كله في هذه الفكرة فقط. وبالتالي، نُصّب هنتينغتون "منظّرًا للمُحافظين الجدد"، ولسياسة جورج بوش الخارجيّة، بدءًا من اجتياح أميركا للعراق في 2003، التي عارضها هنتينغتون. "صدام الحضارات" يقول فقط بأن الديمقراطية الغربيّة لا يُمكن تصديرها.

5- جيريمي ريفكين، نهاية العمل
لم يُخطئ ميشل روكار عندما كتب في مقدمة الطبعة الفرنسيّة "هذا كتاب مُرعِب". كما كتب أنه مذهول من حجم الرِهان الذي أطلقه جيريمي ريفكين في كتابه "نهاية العمل" (1995).

منذ أكثر من 5 آلاف سنة والإنسان يخضع لالتزاماته عن طريق العمل، وها هو جيريمي ريفكين يُعلن تحرّره. في هذا الكتاب يتنبّأ الكاتب بأن التكنولوجيا ستُفضي، تدريجيًا، إلى اختفاء اليد العاملة البشريّة، وأنه يجب علينا الاستعداد عن طريق الاستثمار الضخم في الاقتصاد الاجتماعيّ. يجب أن نتوقّع انتشار البطالة والعوز، وأن نتحلّى بالأمل في ظهور مجتمع أقل تعلّقًا بالتجارة والبيع، وأكثر تضامنًا.

بعد 20 عامًا من صدور الكتاب، عاود هذا السجال الظهور على السطح مرةً أخرى، خلال حملات الانتخابات الرئاسيّة الفرنسيّة، فأفكار بنوا هامون، مرشّح الحزب الاشتراكي، تتشابه وأفكار ريفكين: سيقضي الروبوتات على الوظائف؛ ضرورة فرض دَخل عالميّ لكل مواطن؛ ضرورة تدعيم قطاع ثالث لا يخضع لعوامل السوق (غير تجاري). يبدو أن عدد تابعي الأميركي ريفكين قد تضاعف.

بيع من الكتاب 125 ألف نسخة في أميركا، ثم انتشر عالميًا، فتُرجم إلى 17 لغة، ووضع مؤلّفه في مرتبة نبيّ العالم الجديد الذي يتميّز بثورة ثلاثيّة: رقميّة، بيولوجيّة، إيكولوجيّة. وعلى عكس كل التوقّعات، بيع الكتاب في فرنسا بشكلِ كبير، ولا يزال حتى اليوم.

إن كتاب ريفكين السابق "ما وراء اللحم" -الذي يُدين فيه ثقافة استهلاك اللحوم وتربية الأبقار، ويُدافع فيه عن النباتيّة- لم يدفعنا إلى التنبّؤ بأن مؤلّفه سيتطرق بهذا الشكل العنيف إلى موضوع العمل، أحد أسس النشاط الإنساني.

وتجدر الإشارة إلى أن جيريمي ريفكين شخصيةً ثورية، فقد نظّم في سنة 1967 أوّل تظاهرة وطنيّة للاحتجاج على حرب فيتنام. وبعد ذلك ارتبط بقضيّة النضال ضد التلاعب بالجينات والاستنساخ البشريّ.

إن نجاح الكتاب مرتبط بعدة عوامل وظروف أخرى، ففي التسعينيات كان الفرنسيون يعانون من أزمةِ كبيرة، ودخل الشعب في حالة من الشكّ، حتى أن الرئيس فرنسوا ميتران اعترف مُصرّحًا "لقد حاولنا بذل كل الجهود الممكنة للقضاء على البطالة". فتصوّر الفرنسيون أن الوظيفة ستختفي. وقبل عامِ من ترجمة كتاب ريفكين، نشرت عالمة الاجتماع والفيلسوفة دومينيك ميدا كتابًا بعنوان "العمل، قيمة آخذة في الاختفاء" (1995). فانفجر تابو جديد في المجتمع، وهرول اليمين إلى الجمعية الوطنية الفرنسيّة للتنديد بما أسموه "روح الكسل الجديدة". وفي الوقت ذاته، حققت الروائية فيفيان فورستر نجاحًا ضخمًا بروايتها "الرُعب الاقتصادي".

استقرّ هذا السجال في أوساط اليسار الفرنسي. لم تعد المؤسّسة حلمًا. إن مسألة التقدّم التكنولوجي عند مُفكّري اليسار الفرنسي (ميدا، آندريه غورز، وغيرهما) لم تكن محوريّة. لقد انصبّ اهتمامهم على إثبات أن العمل –وهو قيمة أُعيدَ التشديد عليها في عصر التنوير- لا يُشكّل جوهر الإنسان، وأن المؤسّسة لا يجب أن تكون مستقبله (أفقه) الوحيد. فيجب الحدّ من ساعات العمل كي يخصص الإنسان وقته لأنشطة أخرى أكثر إثراءً: العائلة، مجتمعه الخاصّ، الثقافة، وغيرها.

خلصوا في نهاية الأمر إلى أطروحات شبيهة بأطروحات الأميركي ريفكين، ولكنها اتخذت مسارات أخرى. تقول ميدا "لا أقول بأن العمل سيختفي، بل أتمنّى أن يشغل مكانًا أقل". وهي فكرة يؤيّدها الاقتصادي جيلبر سيت.

وإلى جانب كل ذلك، استشرت حالة من الاكتئاب بين الموظّفين، وبدأ اليسار يتجّه فكرًا إلى تقليص وقت العمل. وبعد أن حلّ جاك شيراك البرلمان في سنة 1997، عاد اليسار مرة  أخرى ليشكّل أغلبيّة برلمانيّة، فعمل على الحدّ من وقت العمل. لم يتوقّع ريفكين الأمر: فأضخم وأهم إصلاح اجتماعي في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية جاء بعد نشر كتابه بعامين.

غير أن قضاء التكنولوجيا على الوظائف –وهي الفرضيّة الرئيسة للكتاب- لم تُفض إلى اختفاء العمل، بل إلى تحوّله. ما برع ريفكين في وصفه لم يكن نهاية العمل، بل فكرة الاعتماد الكليّ على التصنيع.

السجال مستمرُ إلى اليوم، بين مؤيّدين لنظريات ريفكين ومُعارضين له، بل هناك من يتهمه بالدجل وإثارة الذعر. بعد تطرقه إلى نهاية العمل واللحم، ذهب ريفكين إلى نهاية الملكيّة الخاصّة في كتاب "عصر الوصول" (2005)، ثم نهاية الوقود الأحفوري في كتاب "الثورة الصناعيّة الثالثة" (2012). وهو يتنبأ اليوم بنهاية الرأسمالية بذوبانها في العمل والاقتصاد التعاونيّ، بل بنهاية الجنس البشريّ إذا لم نتخذّ اللازم إزاء مسألة الاحتباس الحراري.