من المسؤول عن شباب سوريين يتسكعون في إسطنبول؟
من المسؤول عن شباب سوريين يتسكعون في إسطنبول؟
أحد الأسواق بمنطقة الفاتح (فيسبوك)
لا يمكن لمن يتجول في شوارع إسطنبول القديمة، وخاصة منطقة الفاتح التاريخية قرب مسجدها الشهير، وفي أسواقها التي تعبق بروائح الأطعمة والتوابل بجميع صنوفها، أن يمر من هناك دون أن يلفته مقدار الحضور السوري وطغيانه أحياناً على الحضور التركي.

في سوق مالطة، وفي كل حارة من حاراته تجد المطاعم والمحلات السورية، الحلاقة والموبايلات والقهوة والغذائيات وغيرها. هذا النشاط الاقتصادي الهائل القائم، يستهدف بشكل رئيسي العدد الكبير للمقيمين السوريين في إسطنبول، والذي يقدر بمليون شخص، ولا يمكن أن ينجح من دون الحضور المكثف للزبائن السوريين.

ذاك المشهد لا يمكن إلا أن يكون إيجابياً، حتى بالنسبة لبعض المواطنين الأتراك أنفسهم، لكن ثمة ظاهرة سلبية اقتحمت المشهد وأفسدته بالكامل أو تكاد، وأحالته في عقول الأتراك وحتى بعض السوريين إلى بؤرة تجمع مساوئ السوريين وأكثر عاداتهم نفوراً بالنسبة للأتراك.


الشباب السوري المتسكع في تلك الشوارع، وشوارع أخرى في مراكز المناطق الكبرى التي تتشكل منها مدينة إسطنبول التركية العريقة، هو المفتاح لكثير من أبواب الشر على اللاجئين السوريين في تركيا، والمرآة التي تعكس ويلات الحرب في سورية وحجم الفوضى والخراب الذي لحق النظام الاجتماعي السوري بسبب التهجير والشتات وتدمير الحواضن التربوية التقليدية، على مدى 6 سنوات.

عندما تتجول في سوق مالطة مساء لتشتري من أحد المطاعم السورية بعضاً من حاجيات المنزل، لن تخطئ عينك رؤية مجموعة من الشباب اليافع، تتراوح أعمارهم بين 16 و22، عند واجهة كل مطعم وكل محل سوري تقريباً، يتبادلون الصياح المرتفع، ويدخنون السجائر تلو السجائر، ويحملقون معظم الوقت في الفتيات والسيدات، من السوريات والتركيات، رغم أن ذويهن من الرجال يسيرون معهن، أما أولئك اللواتي يسرن بمفردهن فعليهن توقع المعاكسات التقليدية، وحتى السير خلفهن من قبل الشباب الضائع.

ونحن نصف هذا المشهد المريع، نستذكر تلك الحملة التي أطلقها نشطاء أتراك على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تدعو السوريين للعودة إلى بلادهم، بالتزامن مع ظهور بضع مشاكل واحتكاكات بين الجانبين في وسائل الإعلام، وقد تبين في حينها أنها جزء من مؤامرة محكمة صاغها أعداء الحكومة التركية، لإثارة الغضب الشعبي ضدها ورميها بسهام النقد اللاذع، لكونها تحتضن "رسمياً" اللاجئين السوريين، وذلك من خلال إظهار أسوأ ما لدى السوريين من عادات وانتهاكات ومظاهر لا يقبلها المجتمع التركي في الإعلام.

الحقيقة التي لا مراء فيها أن هذه الحملة ظالمة بحق السوريين، ومسيئة لهم كونها تتخذهم وسيلة في معركة سياسية لا شأن لهم بها، ولكن الحقيقة المرة، والتي لا مراء فيها أيضاً، أنها لم تبن على محض أوهام وخيالات، فالشباب المتسكع في شوارع إسطنبول ظاهرة ملحوظة ومقلقة جداً، ولعل من الإنصاف القول إن الحملة الظالمة لم تبالغ في وصف الظاهرة، غير أنها تجاوزت المنطق عندما عمدت إلى مقارنة هؤلاء الشباب بالجنود الأتراك الذين يقاتلون في سورية ضمن عملية درع الفرات.

فإذا كان التسكع في الشوارع ومعاكسة الفتيات قد شكل أحد روافع الحملة المنظمة التي استهدفت وجود السوريين في تركيا، فإن هذا يعني ضرورة مكافحة هذه الظاهرة بصورة مضاعفة، ولأسباب تتعلق من جهة بمدى إساءتها للوجود السوري في تركيا بالمجمل، وعدم تقبل المجتمع السوري لها فضلاً عن المجتمع التركي، ناهيك عن استخدامها ذريعة للتحريض على اللاجئين، وأداة في معركة سياسية تركية داخلية.

الجهات المدعوة للمساهمة بجهودها في مكافحة ظاهرة الشباب المتسكع في شوارع إسطنبول هي المجلس الإسلامي السوري، بالاستناد إلى المسؤولية التربوية والأخلاقية التي ينبغي له أن يتحملها وهو يتخذ من إسطنبول مقراً له، ومجلس الجالية السورية المشكل حديثاً، والذي لا يمكن لمثل هذه الظاهرة ومعالجتها أن تكون خارج أجندته الأولية، وهي التي تدخل في صلب مهامه ومناشطه.