الخذلان.. القشّة التي قتلت الغريق
الخذلان.. القشّة التي قتلت الغريق
عمل لـ(سيروان باران)
زوايا
15 سبتمبر 2017
لو كان يُمكننا تشبيه نفسية الإنسان بقطعة الصلصال التي تحمل آثار ما تتعرّض له من انضغاط وضربات؛ فلا يمكنك أن تجد مُؤثرًا أقوى من الخذلان على نفسية مَن يتعرّض له، خصوصًا مع تكراره؛ حتى يعتاد الإنسان عليه. هنا تبدأ قدرة الإنسان على الإحساس بالمؤثّرات تقل تدريجيًا؛ تتجمد قطعة الصلصال حتى إنها لن تتأثر بشيء، أي شيء.

في لحظة صفاء بالمقهى، أخبرني صديقي أنه يظنّ أن المشكلة الحقيقية أن إحساس الخوف من الخذلان، والقلق المستمر، والذي يعاني منه مَن تعرّضوا لأكثر من تجربة خابت فيها آمالهم، هي أحاسيس مُغرية بالنسبة للعقل الباطن، وكأنها سور يحتمي به الإنسان من أي جديد قد يؤذيه، ما سيريحه من مرارة تذوّق خذلان جديد، ومن الجهد الذي عليه أن يبذله مع بداية أي علاقة أو تجربة جديدة. فيصل اللاوعي بصاحبه لحالة من الجمود السلبي، اللافعل. وعندما تتوقّف عن اتخاذ خطوة جديدة، خوفًا من خذلان محتمل، فبالتأكيد لن تتعرّض لأذى، ولن تحصد أي خير بالتبعية أيضًا.


أسوأ من الخذلان.. اعتياده
بعد فترة من اعتياد الخذلان يملأك الفراغ، تبسط اللامبالاة يديها، فيصبح الإحساس بشيء ما جديد حدثاً يستحق التأريخ. تشعر بالحنين لتلك الأيام التي كنت تتحمّس فيها جدًا، تحزن جدًا، أو تتحمّس جدًا.

كم أشتاق إلى أيام كُنا ننجرف فيها إلى ذاك الحماس اللانهائي، نحو أي شيء، حتى لو كُنّا سُذجًا، من قال إن المعرفة مريحة؟!

مهند في فلسطين، وشريف في مصر، شابّان فرّقتهما الجنسيات والمعابر والأسلاك الشائكة، وجمعهما الاكتواء بنار الخذلان الجمعي. قرّرا أن يفارقا الحياة بقرار شخصي اتّخذه كل منهما. مهند خذله الأب وخذلته القضية وخذلته فصائل متناحرة، ووطن مسلوب منذ عشرات السنين، وقادته يتقاتلون على الفُتات، كالضباع تتصارع على الجيف. أمّا شريف فمثله مثل كثيرين، صدقوا أنهم يستطيعون صناعة التغيير بأيديهم، اقترب من نار المعرفة حتى احترق.

احترق ببطء، وعلى مدار شهور، محاصرًا بواقع خانق، تمتلئ فيه السجون بالمظلومين، ويسعى الخلق في الشوارع ويتقاتلون صراعًا للبقاء على قيد الحياة كالمجذومين.

من مَسّتهم الأحلام لا يستطيعون العودة للوراء، شيطان الرغبة في تغيير واقعك السيّئ لن يتركك حتى وإن حاولتْ أن تقنع بحالك وواقعك. ومَن يتحمّل كل هذه المرارة؛ وكأن الخذلان الجمعي يمسك بيد خذلانك الشخصي ويبتسمان وهما يستعدان للقضاء على ما تبقى منك. مَن يمكنه أن يلوم من لم يستطع تحمّل كل هذا الثقل؟ أحيانًا يصبح اللوم فعلًا دنيئًا، وإن كان له منطق.

لا تخذل شخصًا لا يملك غيرك، ليتعلّق به. لم يقتل الغريق إلا تلك القشة التي ظل متمسكًا بها بعد أن تركه كل شيء، وظنَ أنها لن تخذله، فخذلته.