سوشيال ميديا الاحتلال بالعربية: ترويج الحُلم الصهيوني

ليس بغريب على دولة لم تكن منذ أكثر من مائة عام إلا فكرة في أذهان أصحابها، وعلى مدار السنين استعملوا سلاح الإعلام؛ لفرض فكرتهم على العقل الجمعي الغربي، بالترغيب عادةً وأحيانًا بالترهيب؛ حتى تحولت فكرتهم لكيان واقعي، أن يظل سلاح الإعلام على رأس أولوياتهم، بالرغم من مرور تلك السنين. لكن هذه المرة المستهدَف مختلف من حيث الأولوية؛ فلم يعد المواطن الأوروبي في حاجة لتذكير دائم بمدى روعة وتحضّر إسرائيل؛ المستهدَف هذه المرة هم شباب العرب؛ ملايين من الشباب العربي يشكّلون معظم جمهور الإنترنت في بلدانهم، من مختلف الدول العربية من المحيط إلى الخليج، تحاورهم إسرائيل وتطرح عليهم أفكارها من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، فيسبوك وتويتر تحديدًا. فالآن لم تعد إسرائيل في حاجة إلى كسب المزيد من الأصدقاء الغربيين؛ بفعل حكايات ومأساويات الاضطهاد و"الهولوكوست" الأثيرة، كما كان في الماضي، بقدر ما هي في حاجة ماسة إلى اكتساب المزيد من الأصدقاء من بين أعدائهم التاريخيين: العرب.

هكذا، أصبحت السوشيال ميديا الإسرائيلية الناطقة بالعربية واقعًا يفرض نفسه، ويستدعي التأمل. وذلك من خلال ثلاث منصات رئيسية.


أفيخاي أدرعي: الإسرائيلي الذي يحب الملوخية!
وظيفته الرسمية هي: "المتحدث بلسان جيش الدفاع الإسرائيلي للإعلام العربي"، لكن الدور الذي يلعبه يتعدى هذا بكثير؛ فـ أفيخاي لا يعتمد في تواصله مع الشباب العربي على البيانات أو الأحاديث المتلفزة بشكل رئيس، بل إن منصته الرئيسية هي صفحاته على فيسبوك وتويتر، التي يتابعها ويتفاعل معها يوميًا ملايين من الشباب العربي.

يقدم أفيخاي نفسه كنموذج مغاير للنموذج النمطي الراسخ في الذهنية العربية عن الشخص الإسرائيلي؛ فهو من أصول سورية ويتحدث العربية بطلاقة وعلى علم ودراية جيدة بالثقافة العربية بشكل عام، والإسلامية على وجه الخصوص. زار مصر لمدة عشرة أيام، في بعثة للمتفوقين في اللغة العربية، قبل أن يلتحق بالجيش الإسرائيلي.

من خلال صفحتيه على فيسبوك وتويتر، يهنئ المسلمين بشهر رمضان، وبعيدي الفطر وعيد الأضحى، يشاركهم أغاني فيروز التي يقول إنه يحبها، بل إنه ذات مرة بعث للممثل المصري المحبوب ذي الشهرة الكبيرة أحمد حلمي بتغريدة على "تويتر"؛ يعبِّر له فيها عن إعجابه الشديد بأعماله، هو والكثير من الإسرائيليين! وبجانب هذا يقوم بعمله المعتاد من إصدار البيانات العسكرية؛ خاصة عند اشتداد أعمال المقاومة الفلسطينية. تارةً تجده يستعرض قوة الجيش الإسرائيلي، وتارةً يحتفل بالتقدُّم العلمي والتكنولوجي التي تحدثه "إسرائيل"، وهو في كل هذا يستهدف طرح نموذج مغاير مُربِك على الجمهور العربي.

صحيح أن معظم التعليقات والتفاعلات على صفحة أفيخاي ستجدها سُبابًا له ولإسرائيل؛ يصل لتهديدات شخصية له بالقتل، إلا أن تزايد أعداد متابعينه وتأثيره يؤكد أنه يحقق الهدف المطلوب منه، وهو أنه فرض وجوده كأمر واقع، يكاد يكون مألوفًا حتى في النفور منه والسخرية من كلامه! بعض الشباب العربي الذي يدخل ليضع التعليقات الساخرة من منشورات أفيخاي تكاد تلمس في كلامهم أُلفة تجاهه؛ كأن سخريتهم منه صارت روتينًا يوميًا مألوفًا؛ فأصبح وجود أفيخاي ورُتبته ودوره الوظيفي وخطابه لا يؤرّقهم بأي شكل فعليّ. وهذه هي المصيبة الحقيقية.


إسرائيل تتكلم بالعربية
هذا هو اسم إحدى أهم الصفحات الإسرائيلية على فيسبوك، وهو اختيار لا يمكن إنكار ذكائه؛ من حيث سهولة الاسم، والإيحاء الذي يحمله، الذي يزرع الفضول داخل أي مستخدم عربي؛ لزيارة الصفحة وتصفّح منشوراتها.

تلعب الصفحة دورًا محددًا؛ فهي تقدِّم "الوجه المنير" لإسرائيل، إذ يريدون إقناعنا به كحقيقة لدولة إسرائيل. هنا "إسرائيل ليست" أكبر كيان عنصري في الشرق الأوسط؛ هنا إسرائيل الديمقراطية! المتسامحة، التي تدعو للتعايش السلمي بين ذوي الديانات والمعتقدات المختلفة، المتقدمة علميًا وتكنولوجيًا.. هنا إسرائيل التي هي على النقيض، في كل شيء، من واقع معظم الدول العربية.

"الحُلم الإسرائيلي" هو ما تُروّج له هذه الصفحة، بغض النظر عن حقيقة هذا الحُلم في واقع الأمر، حتى وإن كان ممزوجًا في الحقيقة بالعنصرية والاحتلال وعقيدة التوسّع. المهم أن يبدو حلمًا برّاقًا في أعيّن ملايين من الشباب العربي اليائس من واقع بلدانهم، الغارقة في الفساد والديكتاتورية حتى النخاع. وهنا تلعب الصفحة دومًا على ذات الوتر الحساس؛ وضع المتلقي العربي في مقارنة دائمة: بين حال التقدّم في إسرائيل، والتخلّف في بلده.

مديرو الصفحة لا يحذفون الشتائم، لا يحظرون حسابات أصحابها؛ بل إنهم يردون عليهم أحيانًا، ويدخلون معهم في جدالات؛ فعندما يتهمهم أحدهم أنهم أداة لترويج جنة إسرائيل، وهم في الحقيقة دولة عنصرية قائمة على الإبادة؛ يرد أحد مديري الصفحة على صاحب التعليق: "لسنا في حاجة للترويج لأنفسنا. يكفينا أن نتابع ما يحدث في سوريا لنعرف من هم الدمويون".

وهكذا يستمر الجدل؛ ليُحدِث ما هو أبعد من إحساس "الأُلفة" الذي يعمل أفيخاي على فرضه كأمر واقع؛ فهنا يكون التأثير أن يتسع الثقب في جدار رفض إسرائيل والعداء تجاهها من أساسها ككيان محتل للأرض؛ ويمكنك التأكد من هذا من خلال التعليقات الداعمة لإسرائيل، التي يكتبها بعض الشباب العربي في التعليقات على منشورات الصفحة، والتي تؤكد حساباتهم الشخصية أنهم أشخاص حقيقيون، وليسوا حسابات وهمية مثلًا.. وهذه مصيبة أكبر!


المجتمع الصهيوني الساخر
على غرار صفحة "مجتمع مصر الساخر"، التي ظهرت على فيسبوك بعد الثورة، واشتهرت بتقديم نوع مختلف من الكوميكس، ينتقد الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تحوز صفحة "المجتمع الصهيوني الساخر" على المزيد من الاهتمام كل يوم بين مستخدمي فيسبوك من العرب. صحيح أن محتوى الصفحة ساخر بشدة، وعنصري تجاه كل ما هو عربي بشكل عام، وما هو إسلامي على وجه الخصوص، إلا أن الاهتمام بها يتزايد، ربما نظرًا لطبيعتها الصدامية هذه.

هي ليست صفحة رسمية، على عكس المثالين السابقين، ربما ليست تابعة لإسرائيليين حتى من الأساس! فالخطاب الذي تتبناه يكاد يتطابق مع خطاب الكثير من العلمانيين العرب، خاصةً الملحدين منهم؛ فالسخرية من كل الإرث العربي في العداء ضد إسرائيل، ووصفها بالهمجية، وحُلم إعادة القدس لأصحاب الأرض من الفلسطينيين، كل هذه المواضيع مسار سخرية لاذعة على هذه الصفحة، من خلال الكوميكس المنشورة عليها، والتي يعتمد معظمها في أفكاره على مشاهد من أفلام مصرية ذائعة الشُهرة.

تلقى الصفحة بالطبع الكثير من السباب والهجوم، لكنها تُحدث ما هو مختلف عن الترغيب أو الألفة؛ فهي تضرب ضربًا في التناقضات والأسئلة والمساحات الضبابية في نفسية مستخدمي الإنترنت العرب؛ فبالرغم من عنصرية الأسلوب وتحيّزه لإسرائيل، إلا أن بعض الأسئلة التي تطرحها الصفحة تظل حقيقية، وتستحق السخرية بالفعل.