الرباط مشكلة في الدماغ
الرباط مشكلة في الدماغ
الرباط مشكلة في الدماغ (Getty)
الذي كنا نخشاه من البداية.. وقع.
دولة الجهات التي كان معولاً عليها أن تقلب النظام الإداري والسياسي والاقتصادي المغربي رأسا على عقب لتنهي فترة طويلة من التدبير اليعقوبي المركزي الصارم الذي توارثه المغرب عن الاستعمار الفرنسي، كرست من جديد شعار المركزية بلَبوسٍ آخر، حيث تحولت المدن الكبيرة، عواصم الجهات صيغة مركزية جديدة منقحة ومزيدة تشتغل بنفس الأدوات وتطبق نفس المبادئ وتنهل من نفس المدرسة مع بعض التغييرات الطفيفة التي تفرضها المرحلة الجديدة.

نحن لسنا بصدد محاكمة تجربة فتية وصفها المفكر المغربي عبد الله العروي غير ما مرة بأنها استعداد سيكولوجي قبل أن تكون قرارا سياسيا وإداريا، خصوصاً أن التجارب التي سبقت المغرب في هذا المجال انتظرت فترة طويلة كي يطرأ تغيير على نمط تفكير الناس وعقليات رجال السياسة والإداريين الصغار والكبار، لكننا نحس أن المركز مال قليلا فقط، فعوض أن تكون هناك رباط واحدة، صارت لدينا 12 عاصمة في كل جهات المملكة.


أنهك النظام المركزي الذي تبناه المغرب منذ الاستقلال بنية الدولة على مختلف المستويات، وإذا كانت المقاربة الأمنية الصرفة هي التي فرضت فيما سبق، الاحتماء بالرباط، فإنه لم يعد مقبولا في عهد الجهوية الموسعة أن يتولد الإحساس بأن حد المنجل -بلغة الحكيم الريفي- بقي على حاله ووحده مقبضه ما تغير. معناه أن يضطر مواطن بسيط أنهكته الرباط فيما مضى أن ينتقل إلى عواصم الجهات -مراكش- الرباط- طنجة- فاس..- مستعيضا عن المركزية القديمة بأخرى جديدة تفرض عليه نفس الشروط ونفس الأساليب.

تغير نظام التقطيع الإداري في تدبير الدولة -هذا ما يبدو في الظاهر على الأقل-، ولم تتغير العقليات كثيرا، والقيّمون على الجهات تربوا في المركز وتلقنوا مبادئ السياسة في الرباط، يكفينا أن نذكر، على سبيل المثال، أن مصطفى بكوري الذي يسيّر مدينة الدار البيضاء جاء من الرباط، ولحبيب الشوباني بعيدا عن انتمائه الجغرافي، جاء من الرباط، وإلياس العماري، رئيس جهة طنجة تطوان الحسيمة جاء من الرباط وبوانو جاء من الرباط أيضا..

كيف يمكن أن نغير عقليات اعتادت لوقت طويل أن تفكر بعقلية المركز في مشاكل جهوية ومحلية فرضها التدبير الجديد للدولة، وكيف يمكن أن تقنع منتخبا ظل لسنوات يطوف في الرباط، ثم وجد نفسه رئيسا لجهة نائية أن بني ملال وكلميم ليستا الرباط؟ ولم نرفع سقف أحلامنا، حين نطلب من رؤساء في الأصل قيادات مركزية في أحزاب، بل وشيدت مسارها السياسي في الرباط وما جاورها.

كان من الممكن أن تبدأ تجربة الجهوية الموسعة بالمغرب بشكل مثالي لو أن الدولة وثقت في النخب الجهوية والمنتخبين الجهويين. كان من الممكن أن تقدم الأحزاب السياسية المركزية درسا حقيقيا للمواطنين وللعازفين عن صناديق الاقتراع لو أنها منحت الفرصة لمنتخبين يعرفهم الناس في الشوارع والأحياء والزقاقات ويلتقون معهم في المقاهي، وليس لنخب لا يراها الناس إلا في التلفزيون ولا تزور مقار العمل إلا مرة واحدة في الأسبوع، لكن هناك من داخل الدولة ومن داخل الأحزاب من يزال مؤمنا بأن تلك النخب ليست صالحة سوى للتصفيق والتصويت في المؤتمرات الوطنية أو توظيفها في الصراعات الفارغة.

كان من الممكن فوق ذلك أن تذهب الدولة، من باب التجريب، أبعد بكثير من مجرد انتخاب نمط اقتراع "غير مباشر" للوصول إلى رئاسة الجهات بتبني نمط اقتراع مباشر ينتخب فيه السكان رئيس جهتهم، لكنّ "الناخبين الكبار" كرسوا مرة أخرى المقولة الشهيرة "الحقيقة توجد في الرباط".. حقا الرباط مشكلة في الدماغ.