تونس.. موسقة الصهيونية
تونس.. موسقة الصهيونية
(ميشيل بوجناح، مهرجان راماتويل، تصوير: مهرجان راماتويل)
ربّما سيهجّرونك من وطنك وربّما يرمونك في غياهب السجون بعد إمطارك بوابل من الحجارة، فتهمتك خطيرة، والقاضي لا يمكنه الحكم ببراءتك لأن الأدلّة كلّها ضدّك، لكن بإمكانك الخروج سالمًا غانمًا إذا ما قرّرت ذلك، فالحلّ بسيط، اعترف بأنك صهيوني، تحبّ "إسرائيل" وتدافع عنها وعن استيطانها واحتلالها لفلسطين وقمعها للنساء والرجال والشيوخ والأطفال أجمعين.

هكذا أصبح حال "كارهي إسرائيل" في أوطاننا العربيّة جمعاء، فبعد أن علّمونا عند الصغر أن فلسطين هي رمز الكرامة والعزّة والرجولة والشهامة، اكتشفنا عند الكبر، أن هذه الصفات أصبحت مذمومة في أوطان نخرها "التصهين" ووصل فيها المتصهينون لكراسي الحكم في أكثر من دولة عربيّة، بل رأينا مسؤولين فلسطينيين يفتخرون ويتبجّحون بعلاقاتهم مع المحتلّ، حتّى أنّنا رأينا محمود عبّاس يقاتل من أجل أن تكون "كلمة التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي هي العليا".

قبل أيّام قليلة، أثير جدل واسع في تونس، بسبب اعتزام إدارة مهرجان قرطاج الدولي استضافة ميشال بوجناح الممثل الكوميدي التونسي اليهودي المقيم في فرنسا، والمعروف بمقولته "الشعب الإسرائيلي أقرب إليّ من كل الشعوب"، في تحدٍّ صارخ لقيم أغلبية التونسيين العاشقين للدولة الفلسطينية.

بوجناح، الذي سبق أن ألغى نظام بن علي عرضًا فنّيا كان سيقدّمه ضمن فعاليات مهرجان الضحك بتونس عام 2009، بسبب حملة مقاطعة شنّت ضدّه، سيعود إلى تونس بعد تغلغل الصهيونية في البلاد التي أصبح فيها المدافع عن القضايا العادلة "رجعيّا متخلّفًا" أو "إخوانيًا داعشيًّا" وفق ما يرى ذلك ثلّة من السياسيين والمثقّفين والإعلاميين.

صحيح أن نظام بن علي كان دكتاتوريًا ورموزه مجرمون بامتياز، لكنه كان خائفًا من التطبيع العلني مع الكيان الصهيوني، ومن منّا ينسى كيف خشي النظام من اندلاع ثورة شعبيّة بعد دعوته مُجرم الحرب أرييل شارون لحضور القمّة العالمية حول مجتمع المعلومات التي نظّمتها تونس في العام 2005، ففي تلك الفترة توحّد المعارضون وخرج المتظاهرون إلى الشوارع للتنديد بذلك، ما أجبر شارون على عدم تلبية دعوة "تدنيس" التراب التونسي.

لكن وبعد سنوات من رحيل ابن علي، خرج مدير مهرجان قرطاج الدولي مختار الرصّاع، للدفاع عن استضافة الدورة الـ 53 لميشال بوجناح، على الرغم من مواقفه الداعمة للاحتلال الإسرائيلي، كما أعرب المسؤول التونسي عن تحمله المسؤولية الكاملة عن ذلك، لأنه "لا يمكن بناء موقف حتمي على فنان، اتخذ آراء حول القضية الفلسطينية في ظروف ملتبسة"، وفق تعبيره، ضاربًا بكل التنديدات والتحذيرات التي وصلته، عرض الحائط.

زيارة الفنان التونسي المتصهين، إذا تمّت، ستكون وصمة عار لن تُمحى من جبين وزير الثقافة محمد زين العابدين، ومن ورائه كل من رئيسي الجمهورية والحكومة، خاصّة وأنها تأتي بعد أشهر قليلة من استشهاد المهندس التونسي محمّد الزواري، أمام منزله، برصاص عملاء الموساد الإسرائيلي الذين سارع أحدهم إلى زيارة تونس وتصوير تقرير تلفزيوني من أمام منزل الفقيد، وآخر على مقربة من وزارة الداخلية، ساعات قليلة قبل أن يجفّ دمه.

في عالمنا العربي، "عشنا وشفنا" المتصهينين يتقلّدون المناصب العليا، ويتولّون إدارة مقاليد الحكم، ففي مصر السيسي، عزّز الأخير برلمانه وحكومته وجيشه ووزارة داخليّته ووسائل إعلامه، بثلّة من المقرّبين المدينين بالولاء للاحتلال الإسرائيلي، فبطشوا بالفلسطينيين على الحدود، معنويّا وماديّا، ودمّروا الأنفاق وأغرقوها بمن فيها، وهجّروا أهل سيناء لإرضاء "نتنياهو" بإقامة المنطقة العازلة، إلى أن وصل الأمر بأحد جند "خير أجناد الأرض" لتصفية شاب فلسطيني يعاني من إعاقة عقلية، عند محاولته اجتياز الشاطئ من مدينة رفح الفلسطينية باتجاه الجانب المصري.

لم ينل التصهين من القيادة المصرية وحاشيتها فقط من دون العرب، فها هي السعودية "بلاد التوحيد" ترسل الوفود تلو الأخرى لزيارة إسرائيل واللقاء برموزها بدعم من محمد بن سلمان ولي العهد الجديد و"خادم الحرمين" القادم، حتى وصل الأمر بـ تركي الفيصل الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العامة في السعودية والسفير السابق في واشنطن، للجلوس على الطاولة نفسها لمحاورة اللواء المتقاعد في جيش الاحتلال الإسرائيلي الجنرال يعقوب عميدرور في بداية شهر مايو 2016.

التقارب السعودي الإسرائيلي شهد أوجه مع صعود ابن سلمان وتوليته ولاية العهد قبل أن يزيح ابن عمّه محمّد بن نايف قبل أسابيع، ومن المرجّح أن تتطوّر العلاقات وأن يتمّ الإعلان عن ذلك في المستقبل القريب، خاصّة مع تمهيد وسائل الإعلام السعودية لذلك، والترويج لضرورة تجاوز عقدة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني التي ترجمها اللواء أنور عشقي بزيارته إلى إسرائيل في شهر يوليو 2016.