الاقتصاد السوري وخطة التشبيح الخمسية العاشرة
الاقتصاد السوري وخطة التشبيح الخمسية العاشرة
دعه يعاني دعنا نربح (فرانس برس)
إذا كانت مقولة "دعه يعمل دعه يمر" شعار الاقتصاد الرأسمالي، و"يا عمال العالم اتحدوا" شعار الاشتراكية، فإن شعار الاقتصاد السوري في هذه الأيام هو "دعه يعاني دعنا نربح"، أو "دعه يهجر دعنا نعفش"، وفي رواية جامعة: "يا شبيحة النظام ويا تجار الأزمات اتحدوا".

من المفهوم أن يتحول اقتصاد أي بلد في ظل الحرب إلى ما يسمى باقتصاد الحرب، بمعنى أن تنشأ صناعات جديدة وتزدهر مهن معينة مقابل موت صناعات ومهن أخرى، وما كان ذلك ليكون لولا الحرب، أما التجارة بمعاناة الناس وعذاباتهم، واستغلال ظروفهم المأساوية وتحويلها إلى مورد اقتصادي رئيسي يرفد الخزينة العامة بصورة مباشرة تارة، وغير مباشرة تارة أخرى، فهذه علامة مسجلة باسم نظام بشار الأسد وعهده المظلم.


معاناة السوريين المهجرين والمنفيين مع جواز السفر، وهو أحد الحقوق الطبيعية التي لا تحبسها أي دولة في العالم عن رعاياها مهما كانت الظروف السياسية، ليست الوحيدة في هذا السياق، ولكنها تأتي على رأس الخطة الخمسية العاشرة، للاقتصاد السوري، وهي الخطة التي يضع الفريق الاقتصادي للنظام ملامحها كل 5 سنوات.

في الأعوام الأولى لاندلاع الثورة حارب النظام شعبه بكل وسيلة ممكنة، وحرم الملايين من أبسط حقوقهم الوطنية، وفي مقدمتها جواز السفر، ولأن مشكلة هؤلاء الملايين لا يمكن أن تبقى بدون حل، وقد أتيحت بالفعل أمامهم منذ عام 2015 بدائل معينة في أطر مختلفة، فقد سارع النظام إلى تدراك الموقف لسببين، الأول خوفه من أن تنقلب هذه الحلول ضده وتساهم في إضعاف شرعيته المهدورة أصلاً، والثاني تهاوي موارده المالية، ومن ثم طمعه بجيوب السوريين غنيهم وفقيرهم، فقرر أن يفتح الباب أمام المغتربين للحصول على جواز سفر بعيداً عن العقبات الأمنية، ولكن برسوم مالية عالية جداً مقارنة بجميع دول العالم.

إذا علمت أن النظام حقق أرباحاً صافية بقيمة 180 مليون دولار بعد مضي شهر واحد فقط من قراره هذا، وهو شهر مايو/ أيار 2005، بحسب ما كشفته إدارة الهجرة والجوازات بدمشق، فإن حسبة بسيطة تكشف لنا أن النظام استولى على ما يقدر بـ 4.4 مليارات دولار من جيوب السوريين المقيمين خارج البلاد واللاجئين الجدد خلال عامين من تنفيذ القرار، مستغلاً بذلك حاجة المغتربين القدامى واللاجئين الجدد، على حد سواء، ويقدر عددهم جميعاً بـ10 ملايين شخص، إلى الجوازات، لتوفير مورد مالي هائل لخزينته بصفة رسمية.

هذا الاستغلال البشع لا يقف عند حد، فالقنصليات والسفارات السورية تفرض على المراجعين حجز موعد رسمي مسبق، في الوقت الذي لا تمنحهم آلية حقيقية للقيام بذلك، مفسحة المجال للوسطاء والمعقبين ليقوموا بدورهم، ويسطوا على المزيد من جيوب السوريين، ثم يتقاسموا هذه الغنيمة مع موظفي السفارات والقنصليات.

أما في الداخل السوري، فللخزينة العامة موارد لا تقل استغلالية وابتزازاً، فمثلاً سحب الشباب للخدمة الاحتياطية، وهو موت محقق في سبيل القتلة والمجرمين، يبقى سيفاً مسلطاً على رقاب الشباب، فمن رغب منهم في عتق رقبته من هذا المصير الأسود ما عليه سوى أن يدفع المعلوم من مدخرات أهله، في ظل ظروف قاهرة، لضباط ووسطاء أو للحواجز كي يطلقوا سراحه، ورغم ذلك ليس لديه طريقة يفتدي بها نفسه بصورة نهائية، بل عليه أن يدفع كلما ألقي القبض عليه، وإلا فليرحل من بلده الذي لم يعد بلده بعد اليوم، ما دام عاجزاً عن رفد خزينة النظام الحاكم، ومساهماً ببقائه وصموده في وجه "المؤامرة".

بالطبع هذه الأموال لا تدخل خزينة الدولة بصورة مباشرة، بل جيوب عناصر الحواجز المنتشرة في البلد كالجراد، وضباط الجيش وحيتانه، ولكنها في الحقيقة تعد رافداً مهماً من روافد الخزينة، كيف ذلك؟ في الواقع هؤلاء الجنود والضباط، لو لم يكن عملهم في الحواجز ميزة مادية كبيرة، ولو لم يجدوا سبيلاً إلى التربح من هذا العمل، لما واصلوا العمل في خدمة آل الأسد، وسط شقاء الحرب وويلاتها وتعاظم الفقر وازدياد الغلاء والموت المحتمل في أية لحظة.

أما الاعتقال والاختطاف فهو عالم آخر، وشكل مستحدث من أشكال التبادل الاقتصادي في "سورية الأسد"، فذوو المعتقلين والمختطفين يدفعون الغالي والرخيص كي يستطيعوا الحصول على مجرد معلومة عن ابنهم أو ابنتهم المعتقلين أو المختطفين، ناهيك عن الأثمان الباهظة التي لا يمانع بعضهم في دفعها مقابل خروج معتقليهم، سواء الغني منهم أم الفقير، فالأخير قد يبيع بيته – إن بقي منه شيء – أو أرضه – إن استطاع الوصول إليها، لتحصيل المبلغ اللازم، الذي يبدأ بـ 5 ملايين ليرة سورية ويتجاوز أحياناً الـ10 ملايين، أي بين 10 آلاف و20 ألف دولار، وقسم من هؤلاء يقع ضحية عمليات نصب واسعة، تضيع على إثرها الأموال ولا يخرج المعتقل.

بعدما تحول الخطف إلى تجارة رائجة أصبح السوريون يعودون إلى منازلهم قبيل المغرب وتخلو شوارع البلد من المشاة بعد ذلك، وبعد انتشار سرقة السيارات، كنتيجة من نتائج تحول مهام الشرطة والأمن الجنائي من ملاحقة اللصوص والمجرمين إلى ملاحقة الثوار والمعارضين، أصبح من الشائع أن يستبدل الغني سيارته الحديثة المغرية بالسرقة بسيارة أقدم وأقل فخامة.

أما الصرح الأهم والمعلم الأبرز من معالم الاقتصاد السوري الحديث، فهو سوق الأدوات المنزلية المعفشة، الذي ينتشر في مناطق عديدة خاضعة لسيطرة النظام، وفي الغالب أهلها موالون وجزء من النظام، وكلما هجرت روسيا والمليشيات الأجنبية ونظام الاسد قرية أو بلدة سورية أو حياً من أحياء المدن الكبرى، اعتبرت بمثابة علاوة أو زيادة في الرواتب أو حوافز تشجيعية لعناصر ومرتبات الجيش السوري، وشبيحة مليشيا الدفاع الوطني و"القوات الرديفة"، حيث يقوم كل هؤلاء بمسح البيوت المهجر أصحابها ويعفشونها (يسرقون مقتنياتها وكل ما فيها) على مراحل، ففي المرحلة الأولى يجمعون ما غلا ثمنه وخف وزنه من أكبر عدد من البيوت، وفي المرحلة الثالية يجمعون كل ما غلا ثمنه مهما ثقل وزنه، وفي المرحلة الثالثة يجمعون كل ما بقي من "العفش"، مثل السجاد والستائر وما شابه، وفي المرحلة الرابعة يقتلعون البلاط الغالي ورخام المطبخ وأسلاك الكهرباء، وما يتبقى يمكن جمعه في المرحلة التي تليها، وهكذا.

وفي المناطق المحاصرة، تجار الأزمات من ذوي المصالح المادية المحضة، اللاهثين وراء الأرباح دون أدنى اهتمام بمعاناة المحاصرين وقلة ذات يدهم، وفروا على النظام وشبيحته والمرتزقة الأجانب جزءاً كبيراً من مهماتهم في الانتقام من الأهالي الثائرين، وللأسف يرتبط هؤلاء التجار الذين يستغلون فرصة الحصار وندرة المواد الموردة، ليحتكروا البضائع ويرفعوا أثمانها بقادة فصائل وضباط في جيش النظام، وهكذا تحول الاقتصاد السوري في عموم البلاد، في الداخل والخارج، إلى اقتصاد هجين، لا رأسمالي ولا اشتراكي، لنقل اقتصاد السوق المفتوح، كما كان يحلم به عبد الله الدردري وفريقه الاقتصادي في نظام الاسد، فهو نظام اقتصادي يجمع بين مساوئ النظامين، يطلق النظام السوري من خلاله يد اللصوص والنصابين وقطاع الطرق وتجار الأزمات في جمع الإتاوات والغنائم والثروات، والتربح من معاناة الناس وعذاباتهم، ويستأثر لنفسه بحصة الأسد.