روايات عبير.. قراءات ذاك الصيف

"كانت تظن أنه لن يعود أبدًا، فقررت أن تضع حدًا لحيرتها؛ واختارت من دعاه شقيقها بالعجوز المتصابي، وكانت على أهبة الزواج من هذا الذي يكبرها بربع قرن عندما ظهر من جديد في حياتها، إنه رئيسها المباشر في الشركة، حيث تعمل سكرتيرة، أية علاقة ستقوم في هذا الجو المشحون بأشباح الماضي؟ أي رجل هو جون الذي كان زوجها ذات يوم؟ وهل يصلا في النهاية إلى حل؟"

آسفة لن أتمكن من إعطائكم إجابات عن الأسئلة أعلاه، ولكن إذا نَغَّصتْ هذه الأسئلة عليكم طمأنينتكم فبإمكانكم البحث عن أجوبتها في رواية "رجل بلا قلب" للمؤلفة ليليان بيك، التي صدرت ترجمتها إلى اللغة العربية عام 1982 من خلال سلسلة "روايات عبير" الرومانسيَّة.

لم أقرأ هذا العدد ولا غيره من روايات عبير في ذلك العام، لأنني كنت صغيرة بحيث لم أكن أعرف بعد حتى تهجئة الأحرف الأبجدية، ولكن عندما تمكَّنت من القراءة لاحقًا انضممت لنادي قارئاتها، طيلة صيفٍ واحدٍ. فمع بداية المراهقة، كل من حولي من مراهقات وصبايا في مطلع العشرينات من أعمارهنَّ كن يقرأن روايات هذه السِّلسلة الشَّهيرة. وقراءتي لـ "روايات عبير" كانت وسيلة لتثبيت مراهقتي، وربما أيضًا تقرُّبي مِمن هُنَّ أكبر منِّي.

قرأتها طيلة صيف 1994، كان صيفًا أمضيته في القرية، وكان الوقت الميّت يبدأ بعد الانتهاء من المساعدة في الأعمال المنزلية، وقبل انتهاء فترة الحرّ وبِدء "كزدورة" ما قبل آذان المغرب مع مراهقات أخريات. لا بدّ أنَّ حرارة الطَّقس خلال قراءة هذه الروايات كانت تلائم حرارة أحداثها، فنحصل نحن القارئات على جوٍّ متكامل، كل منّا في منزلها وعلى كنبتها قبيل لقاء الكزدورة.

فور صدور أي عدد من "روايات عبير" كانت تنتشله أيادي الفتيات من المكتبات، ثم كنَّ يتناوبن على قراءته في ما بينهن. لا أذكر أي من قصص هذه الروايات الآن، ولكن أذكر أنَّه كان هناك دائمًا، إما رجل له ندبة على وجهه تُضفي بعض القسوة على تصرَّفاته، إلى حين نكتشف بفرح طيبة قلبه وحبّه غير المعلن لبطلة القصَّة، أو امرأة تدخل مكانًا ما مرتدية فستانًا أخضر طويلًا، أو امرأة متزوجة من رجل لا تحبُّه وتظنُّ به سوءًا ثم تخلق قصة حبِّ وسط الكراهية.

أذكر أيضًا أنني كنت أستمتع بهذه القصص، حتّى أن ذكراها الآن له وقع ابتسامة لديّ، وأذكر أننا بانتظار صدور الأعداد الجديدة، كنّا نقرأ الأعداد القديمة، التي إما لم نكن قد قرأناها بعد أو أننا نريد إعادة قراءتها لتمضية الوقت بانتظار العدد الجديد.

كانت هذه الروايات تنتقل من وإلى كل منزل فيه فتيات في سن المراهقة وما فوق، المراهقات منّا كنّ يقرأنها بحجَّة قراءة أخواتها الأكبر سنًّا لها، وكنَّا نحن سُعاة بريد ننقل الأعداد القديمة والجديدة بين المنازل، كما أذكر أنني لم أشترِ أيّاً من روايات عبير التي قرأتها؛ كل ما قرأت كان استعارة.

كان الحماس يكون مضاعفًا إذا كانت صورة غلاف الرواية جميلة، وتجمع بين البطل والبطلة وتُظهر مشهدًا فيه حب لا جفاء، إضافة إلى عناوين الرِّواية التي كانت تفتح أمام مخيلتنا بابًا يبدأ عند كشك المجلات ولا ينتهي قبل انتهاء قراءة الرواية: "العروس الأسيرة"، "رجل بلا قلب"، "تعالي إلى الأدغال"، "وعاد في المساء"، "لا تقولي لا"، "لن أطلب الرحمة"، "ممر الشوق"، "أنت لي".. عنوان الرواية والصورة على الجهة الأمامية من غلاف الرواية، وملخص عنها على الجهة الخلفية، يصبِّر المنتظرات إلى حين تصلن المنزل وتبدأن القراءة، قبل أن ينتهين ويعطينها لإحدى المنتظرات الأخريات، ويكون دور المراهقات الأخير.

في السنة التالية، تغّيرت طقوسي في قضاء فصل الصيف، وخرجت من نادي قارئات روايات عبير، بالتزامن مع بدء الانضمام إلى موجة جديدة من النوادي، ذات الطابع الرومانسي، لكن هذه المرة على شكل مسلسلات مكسيكية مدبلجة: مهما كان الثمن، أنت أو لا أحد... عناوين لا تختلف عن عناوين روايات عبير، لاقت رواجًا واستحسانًا لدى شريحة واسعة من الباحثات عن وسائل ترفيه لا تخلو من الحب والرومانسية، بالصوت والصورة هذه المرة.

كل "روايات عبير" تمت ترجمتها عن لغات أخرى؛ معظمها عن اللغة الإنكليزية، إحدى الكاتبات هي البريطانية، آن هامبسون، كتبت أكثر من 124 رواية رومانسية وتوفيت في عام 2014.. أتساءل إن كانت تعرف عن "نوادي" قارئات رواياتها المترجمة: "قلب في المحيط" أو "الأمواج تحترق" أو "لقاء الغرباء"، أيضًا "كاي ثورب" مواليد عام 1935، كاتبة بريطانية كتبت أكثر من 75 رواية رومانسية، تم ترجمة بعض رواياتها ضمن سلسلة "روايات عبير" تحت عناوين: "يدان ترتجفان"، "قدمان في الوحل" ووصلت لأيادينا.. أسماء كثيرة لكاتبات كثيرات أمتعت وقت صيفي الميِّت، وأَشهُر صيف عديدة لكثير من المراهقات.

لا تزال "روايات عبير" متواجدة في بعض المكتبات مع تغير طفيف في تصميم الغلاف الذي يعلوه وردة يتغيّر لونها مع كل عدد، وكذلك تغير -ملحوظ جدًا- بعدد النسخ التي تُباع.. يوجد في المقابل منتديات على الإنترنت تجمع المهتمّات بهذه السِّلسة، يتبادلن في ما بينهن أسماء الروايات، وبعضهن يحمِّلها كملف PDF ليتشاركنها ويشعر المتابع لهذه المنتديات بحنين ما يجمع هؤلاء النسوة لِما كُنَّ يقرأنه في سنوات ماضية، لكنني الآن، وفي المكان الذي أمضيت فيه ذلك الصيف، لا أعرف أي مراهقة أو صبيَّة تقرأ هذه الروايات أو سمعت بها، لكني متأكدة من أنني سأجد صندوقًا قديمًا في غرفة أمّهاتهن، صديقات الصيف، يحتوي على أعداد كثيرة لروايات كثيرة وحبّ كثير لبعد ظهر أيام صيف طويلة.. فيما يبدو أنَّ سوق المسلسلات استمرَّت في أخذ مكان روايات "عبير"، خاصة بعد أن تنوّعت المسلسلات المدبلجة لتضم المسلسلات التركية والهندية، وتعدُّد اللهجات المدبلِجة لتضم لهجات سورية وخليجية فيصبح الحب بلغة محكية ويصبح الشوق أقرب.