صانع القبعات المجنون: كل عام وأنت بخير أيها العالم
صانع القبعات المجنون: كل عام وأنت بخير أيها العالم
زوايا
6 أكتوبر 2017

لم يصف كارل لويس صانع القبعات بالجنون أو الخبل ولا مرة طيلة روايته لمغامرات أليس في بلاد العجائب (1865) ولا في كتابه الثاني "أليس عبر الزجاج" -الذي جاء بعد الكتاب الأول بست سنين- بل إن صفة الجنون جاءت من مثل إنكليزي يقول: "مخبول كصانع القبعات"؛  لأن المساكين الذين يعملون بصناعة اللباد الخاص بالقبعات وفراء الحيوانات الصغيرة، يتعاملون بنترات الزئبق والتي أثبتت سميتها بعد وقت طويل من تاريخ المثل، ومن عوارضه الخجل، والخبل، والارتعاش.

صانع القبعات صديق أليس كان مخبولاً بلا شك، لكن لا علاقة للتسمم بالزئبق بذلك، بل إن عوارض خبله لا تشبه عوارض التسمم بالزئبق، بل من صفاته أنه لبق (معظم الوقت)؛ شخصية مثيرة للاهتمام وساحرة، جذاب رغم انه قصير وشبه أصلع. له عين خضراء وأخرى صفراء، وله شعر فليل رمادي (يبدو برتقاليًا في الصور وعند الحديث عنه)، وفراغ بين سنّيه الأماميين.

أصدقاؤه هم: الفأرة؛ ولا تكون مجنونة إلا عندما تستيقظ. أرنب آذار؛ وآذار/مارس الشهر الذي يبدأ به موسم تزاوج الأرانب فيصيب الأرانب خبل يبدأ في هذا الشهر وينتهي في أيلول/سبتمبر، ومن هنا كان المثل الإنكليزي الثاني عن الخبل: "مخبول كأرنب آذار"
وهذا واحد من الخيوط الرابطة بين الأرنب الذي خبله آذار، وصانع القبعات المخبول.

خيط ثان أنهما كلاهما عالقان في حفلة شاي الساعة السادسة: التقليد الإنكليزي من العصر الفيكتوري؛ قصة صانع القبعات وأرنب آذار مع حفلة شاي الساعة السادسة، قصة حزينة رغم كل الفكاهة، كما في نكتة سياسية تنهي المواطن مخبولًا في سجن: حيز مكاني خال من الزمن:

أصل الحكاية أنه -صانع القبعات- والأرنب -ووقعت الحادثة في آذار- وقفا أمام ملكة القلوب بناءً على طلبها -وطلباتها أوامر- (هنا  نحن مضطرون أن نقفز من قصة صانع القبعات لقصة ملكة القلوب، ملكة أرض العجائب: ديكتاتورية مجنونة وسيئة الخلق، لكن السلطة اللامحدودة في دولة مخربة دساتيرها، ومخترقة قوانينها لتلائم مزاج الحاكم، إضافة لوجود حاشية جبانة، كل هذا يصنع خلقًا سيئًا فعلًا).

عودة لقصتنا والأرنب وصانع القبعات واقفين أمام الملكة المجنونة بسلطتها ينفذان رغبتها بأداء أغنية، وكان الأداء من القباحة أن الملكة اتهمتهما بمحاولة قتل الوقت!

لم يكن في نية أحدهما أن يقتل الوقت ولا ارتكاب أي جرم آخر أبدًا!
لكن الوقت صدّق ادعاء الملكة وعاقبهما بأن جمدهما في حفلة أبدية للشاي، معادة ومكررة.

يعرف صانع القبعات الوقت جيدًا؛ فهو ليس مفهومًا مجرّدًا تمثله ساعة -كما تعتقد أليس- بل هو "شخص متقلب متغير الأهواء صاحب نزوات، ولا يعجبه العجب!". يصحح صانع القبعات لأليس معلوماتها  في الرواية الثانية "أليس عبر الزجاج".

الخيط الثالث بين هذين الشخصين المخبولين ونحتفل اليوم بعيد أحدهما: أنهما موجودان في عالم العجائب وربما يزيد من عجبه غرائبهما والخبل:
"على شاكلة العالم الحقيقي: كل شيء في بلاد العجائب مهما بلغت درجة جنونه منطق يدعمه ونظام من القواعد العبثية المتراكبة!". يتحدث ألبرتو مانغويل عن صانع القبعات وعالم أليس في كتابه "فن القراءة".

هل تذكرنا هذه الصفات بنظام سوى بلاد العجائب؟ حيث ملكة القلوب المجنونة بسلطة لا محدودة، وجنود من ورق، وقوانين تابعة لأهواء الحاكم المطلق، وحيث الوقت يغضب من أي كان ليجمده في أبدية مكررة ومعادة كالكابوس، بينما يتابع العالم حياته العبثية؟
أجل: إنها كوريا الشمالية!

لكن صانع القبعات المخبول نتاج السلطة المطلقة لحاكم مجنون، يصبح ديكتاتور حفلة الشاي (ألبرتو مانغويل- فن القراءة)
"الطاولة ليست له، بل يخبرنا لأنها كانت للإسبان. وكلما رغب صانع القبعات بقدح نظيف بدل مكانه لكرسي أمامه قدح نظيف وبالتالي غيروا توزيع الجالسين والمستفيد الوحيد هو صانع القبعات".
ما راعني في هذا المقطع أنا شخصيًا –كاتبة هذا المقال- الذي حدث في هذه الحفلة: إنها المرة الأولى التي نلتقي بها بصانع القبعات في "مغامرات أليس في بلاد العجائب".

الحدة باستقبال أليس: "لا مطرح، لا مطرح لك هنا، تصرخ الفأرة وأرنب آذار بأليس التي تقترب من الطاولة الفسيحة لحفلة الشاي ويرأسها صانع القبعات. بل هناك الكثير من المطارح"، تجيب أليس بعصبية وتختار كرسيًا ذا ذراعين وتجلس مغضبة".

ثم هناك الملاحظات الشخصية التي تكرهها أليس وتعتبرها وقحة تتجاوز الوقاحة لتكون عنفًا لفظيًا وذهنيًا تجاه الآخر، وفي كل مزحة هناك شيء غير لائق يوشك أن يتحول لمعركة لا تنشب في النهاية، لكن العنف والخوف مستمران في جو حفلة الشاي المجنونة.

لاعقلانية الحاضرين وعلى رأسهم صانع القبعات ومحاولة أليس لإرضاخ الجميع لعقلانيتها ومنطقها، وخلال فترة حفلة الشاي، نراها تتحوّل لتكرّر تصرفاتها ما سبق ورفضته واستنكرته: العنف اللفظي والملاحظات الذاتية ورفض وجود الآخر واستنكاره، القليل من الهمجية غير المبررة، والخوف الدائم؛  تذكرنا كلها بصفات الأفراد تحت حكم ديكتاتوري قمعي يشبه الخبل: مثل أفراد كوريا الشمالية... مثلًا!

.. في عيد ميلاده التسعين كتب برتراند راسل "إن الإنسان حيوان عاقل، وخلال هذه السنوات الكثيرة المنصرمة لم أصادف أي دليل على صحة هذا القول، ولو لمرة واحدة".

تحية لصانع القبعات، الذي حولته السلطة مخبولًا وباتهام جائر حوله الزمن مسجونًا. تحية للعبث!

لم هذا اليوم بالذات؟
في روايته الثانية "أليس عبر الزجاج" يسأل الملك صانع القبعات أن يخلع قبعته وهو أمامه. "لكنها ليست لي"؛ يجيب صانع القبعات.
"لقد سرقتها إذًا"؛ يقول الملك ويتطلع إلى هيئة المحلفين الذين يهمون بكتابة ملاحظة بشأن السارق صانع القبعات.

"لم أسرقها، أنا أحمل معي القبعات المعروضة للبيع، والقبعة التي على رأسي هي للبيع كذلك، صانع القبعات لا قبعة خاصة به".
وكانت القبعة على رأس صانع القبعات تحمل بطاقة لثمنها وهو6/10 عشرة شيلينغ وستة سنتات. هذا المبلغ كان يعتبر عال جدًا في إنكلترا في ذلك الوقت. عشرة شيلينغ وستة سنتات تساوي ثروة لا يطلبها سوى الأطباء والمهندسين، يقول تاريخ بريطانيا النقدي!

عام 1986، قام مجموعة من مهندسي الكومبيوتر الأميركيين، المهنيين جدًا، والمحترفين جدًا حد اتهامهم بالخبل، بالاحتفال باليوم الذي تشير إليه تسعيرة قبعة صانع القبعات: السادس من أكتوبر اليوم الوطني لصانع القبعات: عيد السخافة.

ومن التناقضات السخيفة أن مهندسي الكومبيوتر هؤلاء لو لم يكونوا أميركيين؛ أي لو كانوا بريطانيين، لوقع عيد صانع القبعات المجنون في العاشر من حزيران: العاشر من الشهر السادس؛ إذ يقرأ البريطانيون التاريخ عكس ما يقرأه الأميركيون!

 6/10 عيد صانع القبعات المخبول: احتفالًا بسخافة هذا العالم
بعد كل الحرب والفرق المختلفة التي بدأ زعماؤها أحبابًا ثم "زعلوا" وقتلونا كلنا، أو بدؤوا أعداًء ثم أحبوا بعضهم واتفقوا وقتلونا كلنا. بعد سبع سنين عجاف من اللغة والتحاليل والنظريات، ومعبأة حد الطوفان بالمصالح الصغيرة والفردية والبطولات الذاتية، وكما في كل حرب، وكما حدث مع كل جماعة بشرية:

أثبتنا أننا -الشعوب- التجمع الأكثر تكرارًا، وأننا في كل لحظة جمعية أكثر غباءً مما نتخيل أو نحب أن نعترف، وأننا مهزومون أمام الجميع (حكام وفرسان وقادة معارك، أمراء وأمراء حروب ورجال مخابرات وأصحاب رؤوس أموال تهز مياه محيطات هذا الكوكب).
والتاريخ لا يذكر للشعوب سوى الهزائم والمذابح.
الوحيد الذي يستحق الضحك عليه هو "نحن".

"الكارثة أن شعوبنا بدأت تسخر من نفسها ومن مستقبلها. وليس من أحزانها أو حكامها أو حاضرها أو ماضيها... إنها تباشير العدمية الشعبية".. أستعير قول حكيم مرزوقي.
كل عام وأنت بخير أيها العالم!
كا عام ونحن بخير يا صانع القبعات المخبول!