جيوش لها دول
جيوش لها دول
زوايا
3 أكتوبر 2017

الآن أصبحت الصورة أوضح بكثير مما كنا نتصوره. واضحة إلى درجة أننا لم نعد نقيم التمييز بين الدول والجيوش والمنظمات. أشباه جيوش تتوفر على أسلحة متطورة غنمتها من الحروب الصغيرة والكبيرة ومن حصاد الربيع وأشباه دول تتفتت يومًا بعد يوم، وتذوب في بوتقة القبائل ووهم الأعراق الصافية ومنظمات لديها كل مقومات الدول.

لا أحد يعرف بالتحديد أين يبدأ كيان الدولة وأين تنتهي الجيوش؛ بل لا نعرف، في زحمة كل ما يحدث، كيف يمكن أن تتحول جيوش صغيرة إلى قوى عظمى تدق أبواب العواصم وتفرض شروطها في التفاوض، ليس فقط مع دويلات مزقتها الحروب من الداخل، بل صارت قادرة فرض شروطها أيضًا على الدول الكبرى.

داعش تمثل العنوان الأبرز لمرحلة اختفت فيها كل الحدود بين الدول وبين الجيوش والمنظمات الصغيرة: تتحكم في مدن استراتيجية لديها امتدادات عميقة داخل سورية. داعش قبل أن تكون جيشًا أو دولة، هي عقيدة لها حواريوها في كل مكان وتستقطب الآلاف من الأتباع حتى من الدول الأوربية التي تزعم أن عصر النهضة شيد حضارة "الاعتدال". والإيمان بالعقيدة "الداعشية" هو إيمان مبني على"إلغاء" فكرة الدولة والانتقال إلى مرحلة متقدمة، لا هي تشبه جيشًا منظمًا همّه الوحيد البحث عن الغنائم وتحقيق "اللذة"، ولا هي دولة تشبه، ولو في الحد الأدنى، بنية الدول المتعارف عليه، ولا هي منظمة تتوفر على مشروع سياسي أو ديني واضح.

في اليمن، يتكرر نفس السيناريو، وبنفس التفاصيل تقريبًا مع بعض الاختلافات الطفيفة، فجماعة الحوثيين، رغم أنها تجنح كثيرًا إلى الدين، إلا أنها أكثر قربًا من داعش إلى السياسة؛ بمعنى أنها استطاعت أن تطور آلية تفاوضية جعلتها تدخل في صراع مرير مع الحكومة التي تكونت على أنقاض نظام صالح بعد إقرار المبادرة الخليجية.

الحوثيون فعلوا ما شاؤوا في نهاية المطاف. دخلوا إلى صنعاء واحتلوا المدن الكبيرة وهددوا باستعمال السلاح في حال لم ترضخ الحكومة لمطالبهم إلى درجة أن الحكومة لم تعد قادرة أن تجتمع في العاصمة.

المسار الأممي استنزف كل جهده السياسي والدبلوماسي ليكتشف في الأخير أن"القبيلة" لا تسقط بسهولة وما ترسخ في وعي ولا وعي الإنسان العربي عبر قرون مضت لا يمكن أن ينهار بمجرد اللجوء إلى التفاوض. ابن خلدون كان أكثر دقة في وصف ما جرى وما يجري حاليًا: لا أحد يهزم الجغرافيا. والأمم المتحدة بكل وسائلها لم تستطع إلى اليوم أن يحدد الأطراف التي يريد أن يؤلف بين مواقفها: الحوثيون يمتلكون السلاح ويحسنون توظيفه وحكومة بصلاحيات ضعيفة وغير قادرة على جمع وزرائها.

لبنان أيضًا لم يتخلص من وهم الطوائف المتناحرة. بلد صغير كان ينظر إليه الجميع بكونه دولة استطاعت أن تعطي "درسًا رائعًا" في التسامح والتماسك كما كتب أدونيس يوماً، تحول فجأة إلى ثكنة تؤمن بلغة الرصاص والعنف، وتحول حزب الله إلى ما يشبه الجيش العسكري المنظمة مستفيد من دعم إيراني سوري. قد يكون يمثل حزب الله تجربة مختلفة عن "أشباه" الجيوش التي نمت في المنطقة كما ينمو الفطر لسبب وحيد لأنه يتوفر على عقيدة عسكرية، لكنها عقيدة في الأخير ما تزال موضع تساؤل في علاقتها بالدولة.