الإعلام السوري الناشئ.. الإخفاقات والبدائل

أعداد كبيرة من المؤسسات الإعلامية الناشئة انضمت إلى المجال السوري العام على مدى السنوات الست الماضية، لتشكّل حالة باتت تسمى في بعض الأوساط الإعلامية بـ"الإعلام السوري البديل"، أو "الإعلام الثوري"، والأدق أن يوصف بأنه "الإعلام الناشئ"؛ فهو ليس مقتصرًا على المواقع الإلكترونية أو منصات التواصل الاجتماعي، بل يشمل جميع أشكال الصحافة، المرئي منها والمسموع والمقروء، بيد أنه لا يزال في مرحلة التأسيس.

هذا الإعلام الناشئ تُوجه إليه أصابع الاتهام بالقصور والفشل أحيانًا في أداء رسالته التي نشأ لأجلها، والمتمثلة بالتصدي لدعاية نظام الأسد بقضها وقضيضها واستراتيجياتها المعقدة، وذلك يتطلب بالضرورة استراتيجية إعلامية مضادة، فضلًا عن تمثل المعايير المهنية المتعارف عليها والتقيد بأخلاقيات مهنة الصحافة، والعمل على الإعلاء من قيمة الحقيقة وزيادة الوعي الجماهيري العام عبر مواجهته للحقائق وسبل معالجتها لا الاكتفاء بمداعبة أحلامه وإغراقه في الغفلة والضياع.

ثمة محاولات حثيثة لتنظيم هذا المشهد وترتيبه وتوجيه هذه المؤسسات نحو الفعل والتأثير الإيجابي والقيام بدور بناء في واقع شديد التعقيد، وفي ظل صراع اختلطت فيه كل المعايير وتشوشت القيم، ومن ذلك ميثاق شرف الصحافيين السوريين، الذي وقعت عليه معظم المؤسسات الإعلامية الناشئة، والتزمت بما قرره من أخلاقيات للمهنة، إلا أن مستوى الالتزام يبدو ضعيفًا أو متوسطًا في أحسن الأحوال.

ومن ذلك أيضًا إنشاء رابطة الصحافيين السوريين، وهي عبارة عن مؤسسة سعى إلى تأسيسها عدد كبير من الصحافيين المخضرمين، بهدف تشكيل نقابة بديلة عن تلك التي تتبع لنظام الأسد، بيد أنها لم تتمكن حتى الآن من نيل اعتراف الفيدرالية الدولية، فيما تكافح لجمع الصحافيين السوريين في إطارها، وهو ما يبدو أنه يزداد صعوبة وتعقيدًا يومًا بعد يوم.

على أية حال، يبدو أن القصور عن تحقيق الأهداف هو سيد الموقف، حتى الآن على الأقل، ليس على صعيد التنظيم، بل على صعيد الخطاب والاستراتيجية أيضًا؛ إذ تغيب عن مؤسسات الإعلام السوري الناشئ استراتيجية إعلامية موحدة، قادرة على مواجهة الاستراتيجية الإعلامية الخاصة بنظام الأسد، وغياب هذه الاستراتيجية مرده بالدرجة الأولى ليس إلى ندرة الصحافيين السوريين الأكفاء، فهم كثر بطبيعة الحال وينتشرون في معظم هذه المؤسسات، بل إلى مجموعة عوامل، في مقدمتها التمويل الأجنبي بنسبة 100% في العديد منها، وهذا يجعلها رهنًا لأجندة الداعم الذي لا يعبأ عادة بأهداف السوريين وتطلعاتهم إلا بمقدار ما يتقاطع ذلك مع مصالحه، ما يفشل أي محاولة لإنتاج استراتيجية إعلامية متماسكة.

ضرر اعتماد المؤسسات الإعلامية على التمويل الأجنبي بشكل كامل وعدم تنويع مصادر الدعم وتحقيق وارد ذاتي لا يؤثر على سياسة التحرير والاستراتيجية الإعلامية فحسب، بل يجعل هذه المؤسسات في مهب الريح، حيث تكافح لنيل ثقة الداعم قبل أي شيء آخر، وتنشغل بتحقيق إنتاج ملموس في مدة قياسية، وهو ما يعني سوء إدارة شاملاً، وإرهاقاً للصحافيين في أعمال لا تستحق ذلك، ومقداراً يتراوح بين الضعيف والمتوسط من المهنية طلبًا للانتشار السريع.

هكذا، تدخل المؤسسة في دوامة السقوط الحتمي، فالممول لا يلمس النتيجة المرجوة، أو أنه يكتفي بما حققته له خلال عام أو عامين، وينقطع التمويل أو يتقلص إلى حد بعيد، وتعجز إدارتها عن تأمين مورد مالي آخر. وهذا يفسر الصعود السريع النسبي لعدد كبير من المواقع والشبكات والقنوات التلفزيونية ثم الدخول في مسار من الانحدار الذي ينتهي بالإغلاق دون الأمل بأن يفكر مستثمر أو جهة ما باستثمار الصرح المتداعي.

لنكون صادقين مع أنفسنا علينا أن نواجه الحقيقة، فالأرضية والبيئة المناسبة لتأسيس صحافة معمرة وفعالة في أداء دورها المنوط بها تبدأ بالصحافة الحزبية، وهو ما يحتاجه السوريون رغم نبذنا للحزبية المتعصبة، فهذه الصحافة ذات الطابع التعددي والتنافسي تفتح الباب على مصراعية أمام رسم حدود المسار الصحيح لعمل هذه الصحافة، وأيضًا أمام ظهور صحافة مستقلة تمول من رجال أعمال وشركات خاصة متعددة، وهذا ما يؤدي في الواقع إلى "سورنة" الصحافة بشكل أكبر، في تنظيمها واهتماماتها ووظيفتها وديمومتها على حد سواء.