مسحوق الغسيل السحري

(1)
فيديو قصير؛ عبارة عن إعلان لا تزيد مدته عن 20 ثانية، تطل من خلاله فتاة آسيوية، فاتحة البشرة، تقوم بوضع خطيبها، أسمر اللون، داخل غسالة الملابس، ثم تضع فوقه مسحوق الغسيل السحري، وما هي إلا لحظات حتى يخرج خطيبها من الغسالة شخصًا آخر تمامًا ناصع البياض!

في العام الماضي انتشر هذا الإعلان لإحدى ماركات مساحيق الغسيل الشهيرة في الصين خلال 72 ساعة فقط، وأحدث انتشاره دويًّا هائلًا، وعاصفة من الانتقادات الرافضة له، ووصفوه بالأكثر عنصرية في العالم؛ وبناءً عليه قدمت الشركة اعتذارًا لكل المشاهدين الذين ساءهم هذا المشهد، وقررت الحكومة الصينية تغريم الشركة مبلغًا ضخمًا، يتجاوز الـ 5 مليون دولار، مع جملة واحدة تم تكرارها مرتين في أثناء نشر خبر الغرامة في الصحف "عنصرية وعدم احترام اختلاف الآخر".


(2)
 في أثناء دراستي في المرحلة الابتدائية، كنت في إحدى المدارس الخاصة، ولتلك النوعية من المدارس سمت عام، يغلب عليه الرقي إلى حد ما؛ طلبة الفصل كله يعرفون بعضهم بالاسم إلى الآن..

كان معنا زميل قبطي اسمه روماني، وهو الطفل القبطي الوحيد في فصلنا، تُوفي أبوه وأمه في حادثة سيارة في بداية الصف الخامس الابتدائى؛ فتولت جدته تربيته.. زملاؤنا الطلبة في الفصل كانوا يعايرونه من وقت لآخر: "يالا ياللي أبوك وأمك ميتين!". منتهى العنصرية والعُقد الطفولية المخيفة التي تقف أمامها طويلًا؛ لتسأل نفسك: "لحقوا يتعلموا ده إمتى؟".

كان الموضوع مستفزًا لأقصى حد، وكان الطفل بدوره متأثرًا، وتكاد ترى معاناته تطل بأسى من عينيه؛ لم يتحملوا اختلافه، أو لم يتحمل هو اختلافه عنهم، لا أدري.. فرَّقتنا الأيام، ومراحل الصِّبا والشباب، وانتمى كل منّا إلى حياته الجديدة؛ بطبيعة عمله ودائرة معارفه الجديدة.. حاليًا لا أعلم أي شيء عن أي أحد منهم، لكنني علمت بالصدفة البحتة أن روماني نشأت متري أكمل إعداد شهادة الدكتوراة الخاصة به في جامعة هارفارد في أميركا!


(3)
في العام الماضي، أثناء سفر صديقي أحمد الأمير من أميركا إلى مصر، استقل طائرة إحدى شركات الطيران العربية؛ رحلة طويلة وشاقة استغرقت حوالي 12 ساعة على مرتين.. أثناء التحليق، وبعد حسابه للتوقيت والإحداثيات، حان موعد أذان العصر، وأراد أن يصلي؛ ضغط على زر استدعاء المضيف، فأتى شاب وسيم عربي، وأخبره أحمد برغبته في الصلاة في أي ركن من أركان الطائرة.. توجّس المضيف خيفة، ونظر إليه في شك ظهر في عينيه، قبل أن يرد عليه في حسم بابتسامة رسمية: "أنا آسف مش هينفع تقف وتصلي؛ تقدر تصلي مكانك وأنت قاعد على الكرسي".

وقد كان.. وعندما وصل أحمد إلى مصر، حكى لي عن أسفه وضيقه من تصرف الشاب العربي؛ خاصة أنه على الأرجح مسلم، ودخلنا في نقاش طويل حاولتُ أن أثبت له أن الشاب قد يكون معذورًا، وقد يكون رفضه هو إحدى التدابير الأمنية التي يتم تطبيقها.. المهم أنه قضى إجازته، وعاد مرة أخرى إلى أميركا، لكنه في هذه المرة استقل إحدى طائرات شركة "لوفتهانزا" الألمانية في رحلة العودة.

تكرر المشهد السابق نفسه بالتفصيل، باستثناء أنه عندما استدعى المضيفة الألمانية، وطلب منها أن يصلي، استأذنته أن تستشير كابتن الطائرة، وبالفعل عادت واصطحبته بابتسامة أنيقة إلى أحد الأماكن المتاخمة لكابينة القيادة مباشرة؛ شكرها، وقبل أن يهم بخلع حذائه ليبدأ في الصلاة، طلبتْ منه أن ينتظرها دقيقة واحدة، تعجب لكنه وافقها.. لحظات وعادت تحمل بين يديها بطانية نظيفة مغلفة بكيس بلاستيك؛ ليفرشها على الأرض، ويصلي فوقها بدلًا من أن يصلي على الأرض مباشرة!


(4)
عن أبي هريرة، عن النبي محمد، قال: "إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ".

منذ البداية، والاختلاف سنة الحياة؛ في الشكل، واللون، والطباع، والنوع، والثقافة؛ البشر كقطع البازل غير متناسقة ولا متشابهة، لكنها تكمل بعضها بعضًا، ويظل الفيصل دومًا في الحكم على الأشخاص ومهما تباينوا؛ أفعالهم، وما تحويه قلوبهم.. بتلك النظرة التي تتطلب كثيرًا من الاحتواء، نحتاج أن ننظر إلى أنفسنا، وغيرنا، قبل أن تبدأ لحظة الانهيار، كما يحدث دومًا ويتحول الاختلاف إلى خلاف لا يعود بعده شيءٌ كما كان.