هل يتكلّم التابع قبل الموت حرقاً؟
هل يتكلّم التابع قبل الموت حرقاً؟
(بصمات أرامل المهراجا نفذن الساتي، تصوير: دوغلاس بيرسون)
تتناول جايتري سبيفاك، الباحثة الهندية الأميركية في مجال الأدب المقارن والدراسات ما بعد الكولونيالية، نشوء صورة إنسان العالم الثالث في الخطاب الغربي السياسي والعلمي. مركزةً في عملها على مسألة العلاقات بين الغرب و"الآخر" وخصوصًا على سؤال: كيف يصنع الغرب صورة آخَره.

يدور أحد أهم كُتب سبيفاك (Can the subaltern speak?) الصادر سنة 1988، أو "هل يتكلم الإنسان التابع حول مفهوم subaltern؟"، أي الإنسان المستبعد من الحياة العامة، أو العاجز عن تبديل طبقته الاجتماعية والمحروم من الانتماء إلى أي شريحة اجتماعية أو إيديولوجية محددة، غير أن الكاتبة تُركز في هذا الكتاب على واقع المرأة التابعة لأنها – أكثر من الرجل – ضحية عنف الخطاب الابيستيمي (épistémique).

لكي توضّح نظريتها، تستخدم سبيفاك مثال "الساتي"، وهو إلزام المرأة الهندية التي تفقد زوجها بالموت حرقًا في النار نفسها التي تحرق فيها جثة زوجها. وقد مُنع هذا التقليد الساري سابقًا في بعض المناطق الهندية أثناء الاحتلال البريطاني.

تدرس الكاتبة خطابين متناقضين حول "الساتي"؛ الأوّل، وهو الخطاب البريطاني المهيمن، يقول إنه ينقذ المرأة الهندية من "وحشية" الرجل الهندي، بينما هدفه الحقيقي هو محاولة فرض الحضارة البريطانية ونظرة الإنسان الأوروبي على المجتمع الهندي .

أما الخطاب الثاني، وهو الخطاب البطريركي الهندي، فيعتبر أنه يدافع عن التقاليد ضد الإمبريالية وعن إرادة المرأة الهندية نفي الدفاع عن شرفها، يتحّدث الخطابان باسم المرأة وحريتها لكنهما في الحقيقة يتجاهلان صوتها: هكذا يبنيان معًا هوية الإنسان التابع (subaltern)، فما هو دور المثقّف في هذه الحالة وما يُطلب منه؟ هل يستطيع فعلًا أن يساعد هؤلاء الأشخاص؟

تستخدم سبيفاك هذا المثال لكي تهاجم أصحاب النظرية الفرنسية (French theory)، ومن بينهم Foucault وDeleuze تحديدًا (الذين يعتقدون أن للمثقف دورًا نظريًا وتقنيًا في المعركة الاجتماعية ليقدم للأشخاص التابعين أدوات فكرية لكي يدافعوا عن أنفسهم، بما أنهم يعتقدون أن للشخص التابع القدرة على التعبير وعلى تمثيل نفسه سياسيًا كونه يتفهّم واقعه أكثر من أيّ أحدٍ آخر.

بالنسبة للباحثة ليس لهذا الشخص التابع (مثلاً المرأة الهندية التي تتعرّض لتقليد الساتي)، الوسائل الكافية لكي يبني هوية اجتماعية موحدة وثابتة في وجه الخطابات المسيطرة. وتعتبر أنه بمجرد أن يكون للفرد صوت، فهو يملك في الحياة العامة نوعًا من السلطة. لذلك يتكلّم المثقف من مكان ذي سلطة (حتى وإن كانت لديه نظرية مختلفة). وعندما يحاول المثقف أن يدافع عن الشخص التابع يعتقد أن هذا الشخص يشبهه في كل تفاصيل ترتيب هويته: الآخر في الهامش يكون شفافًا ومفهومًا من وجهة نظر السلطة. وتبدو هذه النقطة واضحة جدًا في حوار Foucault و(1)Deleuze عندما يقارنان المهمشين في علاقتهم بالسلطة (في فرنسا) وكأن لديهم هوية وحالة واحدة: السجناء والنساء والأجانب والعمال.

ففي نظرة سبيفاك أن هذا التضامن من قبل المثقف للمظلوم (التابع)، هو تضامن سطحي يمنعه من تفهم عميق لهذا الشخص ولعلاقات السلطة بالهامش (وكذلك علاقات مراكز السلطة الهامشية ببعضها)، حيث يختلف، في حالة الساتي، موقع المرأة التابعة عن الرجل البطريركي، نستطيع أن نذكر مثلًا مواقف بعض المثقفين الغربيين (الرجال) أخيرًا من موضوع الحجاب: يطالبون بمنعه بحجّة حرية المرأة بينما يتكلّمون عنها من موقعهم المختلف تمامًا ويتجاهلون الواقع الذي تعيش فيه.

من الضروري أن نفهم تركيب الذات لكي نستطيع أن نفهم الآخر؛ وعليه تطالبنا الكاتبة أن نقرأ واقع الهند بشكل أعمق: لا توجد علاقة وحيدة بين السلطة والهامش بل هناك تدرّجات كثيرة في السلطة وفي قوة الخطابات (بين بريطانيا المستعمرة والهند وأيضًا في الهند بين الريف والمدن، بين الطبقات الاجتماعية، بين حالة الساتي وحالة رجل الأعمال الهندي... إلخ) - بينما الهند كلها بالنسبة للغرب تقيم في الهامش.

فتطلب سبيفاك أن نكون واعين من محلنا الاجتماعي والثقافي عندما نتحدّث عن السياسة والمجتمع بشكل عام وندافع عن رأي ما، لذلك لا تزال تشكّك وتسأل ما قيمة خطابها كمثقفة وبروفيسور في أميركا عندما تتكلّم عن الهند وعن هذه المرأة التابعة بالذات، صحيح أنها هندية ولكنها تتكلم من محل وواقع مختلفين تمامًا. تقترح مثلًا أن تتعامل مع الموضوع بطريقة مختلفة: لا تتكلم عن هذه المرأة ولا تحاول أن تدافع عنها بل تتكلّم معها.

هذه النظرية مهمة جدًا في مجالات مختلفة وتفيد أولًا الباحثين في الأدب المقارن وفي الدراسات الثقافية.