المُنحرف النّرجسي: اهربوا فحسب
المُنحرف النّرجسي: اهربوا فحسب
(موكب يوم الموتى، تصوير: كايلا سوير)
لا أعتقد أنّ الطبيب والمُحلّل النفسيّ الفرنسيّ، بول كلود راكامييه، كان يتصوّر أنّ تَوصيف "المُنحرف النّرجسي" الذي أطلقه في سبعينيات القرن الماضي لوصف أحد اضطرابات الشخصية المُنحرفة، يُمكن بدوره أن ينحرف عن استعماله العلمي الدقيق، فيتحوّل إلى تُهمة أخلاقيّة تلقّفتها الثقافة الشعبية، قبل أن تستلهِم منه الدراما الفرنسية فيلماً مثيراً عنوانه: (Mon Roi)، أدّى فيه فانسون كاسّيل بشكل رائع شخصية مُنحرف نرجسي.

ولئن شَهِد ذلك التّوصيف مراجعة وإثراءً من قبل العديد من المُختصّين في علم النفس الكلينيكي، إلا أنّه أفلت تمامًا من الحقل المَرَضي والعِيادي، ويكفي أن نُدخِل هذا المصطلح على غوغل حتى ندرك أنّه خرج بلا رجعة من دوائر الاختصاص.

ففي فرنسا مثلًا؛ تكوّنت جمعيات وحَلَقات تُعنَى بضحايا المنحرفين النرجسيين؛ بعض المجلّات النسائية تضعه في مقدمة عناوينها وتقدّمه في شكل مصّاص دماء ودون خوان الأزمنة الحديثة، كما أنّ العديد من الكتب والمواقع على الإنترنت اختصّت في تعريفه والتحذير منه، راسمة بدقة ملامح شخصيّته، عارضة على مستخدميها اختبارات نفسية بسيطة وساذجة لمعرفة "إن كنت منحرفًا نرجسيًا أم لا؟" وصولًا إلى تقديم وصفات ونصائح للخروج من سيطرته وغوايته. فمن هو المنحرف النّرجسي كما عرّفه التحليل النفسي وكما استقرّ في السّيكولوجيا الشّعبيّة؟

تُصوّر الأدبيّات الشّعبية التي قامت بتوصيف "المنحرف النّرجسيّ" على أنّه شخص يتقدّم إلى ضحيّته في هيئة "فارس الأحلام"، أو "توأم الرّوح"، مُتماهيًا بشكل تامّ مع "الشريك المثالي" الذي تتمنّاه الضّحيّة، مقاسمًا إيّاها مبادئها وطموحاتها وتطلّعاتها. ثمّ ما إن يطمئنّ إلى أنّ الضحيّة تعلّقت به وسقطت في حِباله حتّى يُسقط عن وجهه قناع الملاك وينكشف على سجيّته.

فهو مُتلاعب، ومُتحيّل، ومُهينٌ، وكذّاب بشكلٍ مرضيّ واستغلاليّ مخادع، وخائن، وغيرها من المثالب التي تميّز هذا الصّنف من البشر الذين دائمًا ما يقدّمون أنفسهم على أنّهم ضحايا، فوق النّقد، منزّهين من الخطأ لا يستطيعون ولا يقبلون مراجعة أنفسهم البتّة.

أمّا الضحيّة، فيقع تصويرها في شكل إنسان مُنوّم مسلوب الإرادة، فقد تمامًا القدرة على التفكير واتخاذ القرار ولا يستطيع القيام بأي شيء دون الرجوع إلى جلّاده. وعند هذا المستوى يُمكن الحديث عن ضرب من التواطؤ غير الإرادي. تُدمن الضحيّة جلّادها ولا تعود تتمثّل وجودها من دونه، فهي من دونه لا شيء.

ويُمعن "المُنحرف النّرجسي" في ترسيخ تلك القناعة لدى ضحيّته لتخويفها وإحكام السّيطرة عليها والإعلاء من شأنه هو. والمنحرف النّرجسيّ الذي اعتدنا عليه، يَظهر دائمًا في صورة الزّوج أو الشّريك المُخادع، كما يمكن أن يكون رئيسًا في العمل، أو زوجة أو حتّى ابنًا.

ويُعرّف أحد المواقع الفرنسيّة على شبكة الإنترنت "المنحرف النّرجسي"، والموقع بالمناسبة يحمل الاسم نفسه، بطريقة تحذيريّة لا تخلو من "بارانويا"؛ فهو يقول على صفحة الاستقبال: "المنحرف النّرجسي هو آفة البشريّة الجديدة، تعلّموا رصد المتلاعبين وفهم طريقة اشتغالهم واحصلوا على العون للفرار، حتى أصغر المنحرفين النرجسيين يحتوي على خطورة قصوى. في إفلاتك من سطوته إنقاذ لحياتك".

يبدو الأمر وكأنّنا أمام طاعون جديد أو خطر داهم يتهدّد مستقبل البشريّة، فالـ"مُنحرف النّرجسيّ" كما تسوّقه هذه المواقع والأدبيات يلوح كتهديد فعلي لا بدّ من التعامل معه بكل جدّية، غير أنّ هذا "الغول" الذي أنتجته أقلام ومؤسّسات إعلاميّة هدفها الدعاية لعناوينها وصفحاتها، ليس في نهاية الأمر سوى بضاعة تملأ فراغات بعض المجلّات الكاسدة وبرامج التوك-شو البائسة وقاعات انتظار بعض المُعالجين النفسانيين الذين ادّعوا التخصّص في علاج ضحايا المنحرفين النرجسيين.

إنّه إذن منتوج تجاري وثقافي انحرف بشكل تام عن سياقه السيكوباثولوجي الذي ظهر فيه، فراكامييه أوّل ما اجترح مُصطلح "المنحرف النّرجسي" لم يكن يقصد توصيف ملامح مجموعة أفراد أو شخصيّات بقدر ما كان يرمي إلى حصر مجموعة من الاضطرابات العلائقيّة، هي على حد قوله: "تركيبة دائمة تتميّز بقدرتها على النأي بنفسها عن التناقضات الدّاخليّة." ويشدّد على كونه يتحدّث عن شأن جماعي تفاعليّ أبعد ما يكون عن الشأن الفرديّ أو النفسيّ الدّاخليّ. فَهَمُّ راكامييه كان رصد وضبط تمشّياته (الانحراف النرجسي) داخل العائلات والمجموعات، ويقدّم راكامييه في هذا الشأن بعض النماذج والحالات الكلينيكية للانحراف النرجسي، بعضها واضح وقار وبعضها يكتسي هالة هذيانية على غرار بعض الذّهانيين كَمُرشدي وأقطاب بعض النِّحَلِ والمجموعات السرّية ذات المعتقدات الهذيانيّة.

إنّهم أشخاص يدّعون النبّوة والإشراق فيستجلبون الأتباع والمريدين ويستغلونهم ويستعبدونهم بطرق شتّى. وحسب راكامييه فإنّ الانحراف النّرجسيّ يحفظ لهؤلاء الذّهانيين بعض التوازن مُسقطًا قلقهم النّفسي وهواجسهم الاستحواذيّة على الآخرين، ليتبدّى هنا البعد العلائقي للمسألة في علاقته بالعمق النّفسي.

فالانحراف النّرجسي في منطق راكامييه ليس سوى حركة دفاعية نفسيّة وخطّ دفاع أخير، يحول دون الانهيار الذّهانيّ. لكنّ اللّافت هو أنّ أهمّ مراجع الطبّ النّفسي الحديثة على غرار مرجع (DSM) الصادر عن الجمعيّة الأميركيّة للطبّ النفسي، لا يعترف بتشخيص "المنحرف النّرجسي" ولا يُدرجه ضمن تصنيفاته العياديّة. فالجدل حول المُنحرف النّرجسي ظلّ قائماً حتى داخل الأوساط العلميّة ومسألة وجوده من عدمه تبقى هي الأخرى خاضعة للمدارس والنظريات المتنافسة في تفسيرها للظّواهر النفسيّة. لكنّ الثّابت هو أنّ شخصيّة "المنحرف النرجسيّ" اقتحمت الذّهنيّة الشّعبيّة لتتحوّل إلى أسطورة حضريّة تُلهم القصص والمسلسلات.

فتارةً اسمه "هانّيبال ليكتر"، السفّاح آكل لحوم البشر، وطورًا "ديكستير"، قاتل متسلسل، وغيرها من الأسماء والشخصيات السينمائية التي نَهَلَ مبتكروها من أسطورة "المنحرف النّرجسيّ" المغوية، والتي لم يزدها انحراف مفهومها والتباسه سوى مزيدًا من النجاح والبريق والفتنة. ولعلّ راكامييه كان مُخطئًا حين قال: "لا شيء يُرجى من مخالطة المُنحرفين النّرجسيّين، كل ما يمكن أن نأمله هو أن نفلت منهم سالمين".