كاسترو وغيفارا.. حان وقت الرحيل
كاسترو وغيفارا.. حان وقت الرحيل
(الرّفيقان في عام 1963)

"إذا كنا نود أن نفصح عما نريده من رجال الأجيال القادمة أن يكونوا عليه، فعلينا أن نقول: دعهم يكونوا مثل تشي. إذا أردنا أن نقول كيف نريد لأطفالنا أن يتعلموا، فعلينا أن نقول بلا تردد: نريد منهم أن يتعلموا بروح تشي. إذا أردنا نموذجًا للرجل الذي لا ينتمي إلى عصرنا بل إلى المستقبل، فأقول من أعماق قلبي إن هذا النموذج، من دون أي مأخذ على سلوكه ومن دون أي مأخذ على عمله، هو تشي".

كانت هذه كلمات الزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو (1926 – 2016) في خطاب تأبين رفيقه أرنستو تشي غيفارا الذي حضره نحو مليون كوبي، والذي ألقاه في مراسم عزاء رسمية بعد أسبوع على إعدام تشي، وإعلان الحداد عليه في كوبا.

لكن هل سار فيديل على طريق تشي؟ هل حقق ما كان رفيقه الثائر يرغب فيه في كوبا؟ أم غيرته السلطة وغرته الزعامة؟

اشترك تشي مع كاسترو ورفاقه في تحرير كوبا، رغم أنه من أصول أرجنتينية؛ ترك بلاده التي درس فيها الطب وجال في أنحاء أميركا الجنوبية ليستكشف نفسه، وهي الرحلة التي سجلها في مذكراته الشهيرة "يوميات شاب على دراجة نارية"، بعد تجربته في غواتيمالا في مقاومة تسلط رأس المال. بات له نظرية رائجة حول "الثورة العالمية" على الإمبريالية بكافة صورها، وبات للنظرية أتباع. لاحقًا انتقل إلى مدينة مكسيكو، حيث بدأت المرحلة الأهم في حياته، حيث تعرف إلى ثوار كوبا وقرر الانضمام إليهم.

خلال الثورة، بات تشي الرجل الثاني بعد كاسترو، وبعد نجاح الثورة في الإطاحة بالديكتاتور المدعوم أميركيًا فولغينسيو باتيستا، تولى مناصب قيادية عدة في البلاد التي منح جنسيتها، لكنه لم ينس أنه الثائر، ولم يركن للمقاعد الوثيرة والمكاتب الفخمة؛ فأسس قوانين الإصلاح الزراعي عندما كان وزيرًا للصناعة، وسن قوانين مالية تدعم الشعب الفقير عندما عمل كرئيس للبنك الوطني، وجاب العالم كدبلوماسي باسم الاشتراكية؛ يذكر كثير من كبار العرب زيارته الشهيرة إلى القاهرة وغزة.

في عام 1965، وبعد شهور من التفكير، قرر تشي ترك المناصب والمهام الرسمية والعودة إلى ما يحب، قرر العودة إلى الميدان لقيادة الثوار الراغبين في التخلص من الحكام المستبدين. غادر كوبا بهدف التحريض على الثورات.

قبل أن يغادر كوبا، كتب تشي لصديقه فيديل رسالة مؤثرة، جاء فيها "إما أن ينتصر الإنسان أو يموت. لقد قضى كثير من رفاقنا نحبهم في الطريق إلى النصر. إني أشعر أنني أنجزت ذلك الجزء من عملي الذي كان يربطني بالثورة الكوبية، وإن بلادًا أخرى في العالم تحتاج إلى جهودي. وأظن أنني أستطيع القيام بما لا تستطيعه أنت بسبب مسؤولياتك في قيادة كوبا. لقد حان وقت الرحيل، وأريدك أن تعرف أنني أرحل بمزيج من الغبطة والألم. فإذا جاءت ساعتي تحت سماءٍ أخرى، فإنك والشعب الكوبي ستكونان في خاطري قبل أن ألفظ نفسي الأخير. النصر أو الثورة أو الموت". سافر تشي إلى الكونغو وقاد حركة تحرر فيها، لكنها فشلت، عاد إلى بوليفيا ليستكمل الثورة فيها، وهناك تم اعتقاله وإعدامه.

أما كاسترو، كما توقّع تشي، لم تسمح له السلطة بالسير على نهج رفيقه الثائر. ربما كانت الفكرة قائمة لديه، وربما كان يود دعم حركات التحرر والثورات حول العالم، لا يمكن تجاهل آلاف الجنود الكوبيين الذين أرسلهم كاسترو إلى أنغولا وإثيوبيا لدعم الثوار هناك ضمن المظلة السوفيتية، لكنه لاحقًا توقف عن ذلك، على الأقل بشكل علني، وفي ذلك كثير من التفاصيل أبرزها الحصار الاقتصادي الذي فرض على بلاده لأكثر من خمسة عقود متواصلة، وانهيار الاتحاد السوفييتي مطلع التسعينيات، والذي كان ضربة قاصمة لنظرية الاشتراكية الشيوعية التي كانت في مرحلة أفول حقيقي.

انشغل "الكومندانتي" ببقاء بلاده حرة، أو بالأحرى حية. كانت الجزيرة القريبة من سواحل الولايات المتحدة مهددة في كل الأوقات، منذ أزمة الصواريخ الباليستية الشهيرة في 1962، أعلن كاسترو أنه عدو أميركا الأول، وباتت كوبا "عدو على مرمى البصر".

لا شك أن فيديل زعيم في كوبا، وفي أذهان كثيرين حول العالم ممن يؤمنون بمقاومة الإمبريالية والتصدي لتسلط رأس المال، ولا شك أن صموده في مواجهة الولايات المتحدة في ظل محاولاتها المستميتة لكسر إرادته أو احتلال بلاده أو إخضاعها لتبعيتها، وصولًا إلى مئات المحاولات الفاشلة لاغتياله، تجعل منه زعيما متفردًا.

لكن كل هذا لا يمكن بحال أن يمنعنا من انتقاد تحويل كاسترو بلاده إلى ما يشبه المملكة العائلية التي أورثها شقيقه راؤول بعد ما قرر التخلي عن السلطة نظرًا لعدم قدرته على القيام بمهام منصبه. راؤول كاسترو الذي يتولى رئاسة البلاد منذ 2008 كمثال، شارك في الثورة منذ عام 1950، وأصبح وزيرًا للدفاع منذ أن استلم أخوه الحكم عام 1959، ثم أصبح نائبًا لرئيس الوزراء عام 1962، والنائب الأول لرئيس الجمهورية عام 1972.

ورغم التعتيم الإعلامي المفروض على الجزيرة اللاتينية الصغيرة، إلا أن بعض التفاصيل التي رشحت عن سطوة عائلة فيدل؛ شقيقه وأبناؤه، على مقدرات البلاد، تجعل من فكرة الاشتراكية التي قام عليها نظام حكمه وأسست لزعامته أمرًا مشكوكًا فيه.

ربما كان ذلك وغيره، من بين الأسباب التي لن تسمح لكاسترو أن يكون أيقونة مبجلة مثل رفيقه الذي رحل مبكرًا تشي غيفارا، ربما لأن السلطة فرضت عليه كثير من الأمور التي قرر تشي التحرر منها، وربما لأن الموت في الميدان يمنح الشخص مقامًا لا يتوفر لمن يموت على سرير مرضه، وربما لأن الاحتفاظ بالسلطة لفترات طويلة مفسدة لكل أفكار التحرر، وعلى ذلك كثير من الأمثلة تشمل أغلب قواد الثورات الذين قرروا حكم بلادهم مدى الحياة، أمثال جمال عبد الناصر في مصر، وصدام حسين في العراق.