استطلاعات الرأي في تونس: جمهورية الكذب
استطلاعات الرأي في تونس: جمهورية الكذب
(المركز الدولي للصحافة، تصوير: فتحي بلعيد)

"اكذب حتى يصدقك الناس".. هذه المقولة لم تندثر مع غوبلز، بل إنها ظلّت حيّة متنقلة في مكاتب السياسة والتسويق، ويبدو أن تونس الآن إحدى محطّات وجودها الفعلي الذي يفرض ذاته ومشروعه من خلال عمليات سبر الآراء، والتي باتت محلّ تندّر من الرأي العام وحتى من الشخصيات العامة نفسها على غرار الصحافيين والكوميديين، ولكن من يضمن ألا تتحوّل "الزرقونيات" - نسبة إلى حسن الزرقوني، رئيس مؤسسة سبر الآراء الأشهر في تونس "سيغما كونساي" - إلى مسلمات؟ والتي لطالما خضعت للتوظيف السياسي الذي يُشرّع لكل الاستراتيجيات التي من شأنها أن تسيطر على الرأي العام وتوجّه اختياراته ومواقفه عبر التلاعب بالأرقام والإحصاءات.

يقول هشام القرفالي، مدير المركز الدولي للدراسات بتونس، إن عملية سبر الآراء هي صناعة للرأي العام، وبالتالي هي أداة قويّة يستخدمها السياسيون لصناعة رأي عام يتماشى مع انتظاراتهم. من هذا المنطق يمكننا أن نفهم خطورة الدور الذي يمكن أن تلعبه استراتيجية سبر الآراء، خصوصًا إذا تعلّق الأمر بالسياسة من خلال الدفع بشخصيات أو أحزاب بعينها إلى صدارة الأرقام والإحصاءات أو بالنسق التجاري من خلال تضخيم أرقام المستهلكين لمنتوج معين أو وسيلة إعلامية.

يعمد القائمون على مؤسّسات سبر الآراء في تونس كما تظهر لنا إحصاءاتهم، إلى صنع أرقام ضخمة عن نسبة دعم شخصية سياسية من قبل المواطنين، أو مدى ثقتهم بها، وهي أداة تهدف أساسًا إلى إيصال رسالة مشفرة إلى ذهن المتقبّل مفادها أن تلك الشخصية في الصدارة وأنها تحوز على الاهتمام والثقة والرضا من قبل الجميع. وبالتالي فإنها تتحوّل من مجرد معلومة إلى آلة لصنع الآراء والمواقف حيث تُصوب بدقة إلى الهدف الذي يمثل هنا الفرد.

في هذه العملية التي تتمّ وفق نظرية الطلقة أو الرصاصة، باعتبار أن الرسالة موجّهة بطريقة يجد فيها الفرد نفسه مدفوعًا إلى القبول بتلك النتيجة التي قدمتها له مؤسّسة سبر الآراء، وهو ما ينجر عنه تبنٍ لموقف الأغلبية، ذلك أنه من شبه المستحيل على أي كان تقريبًا أن يغرّد خارج السّرب ويقف في مواجهة الحشود والجماهير منعزلًا ووحيدًا مثلما يتصوّر.


تهمة التلاعب بالأرقام
في حزيران/ يونيو الماضي خرج المدير العام لقناة "التاسعة" معز بن غربية بتصريح صادم بخصوص مؤسّسة سبر الآراء الأشهر في تونس "سيغما كونساي"، مفاده أنه كان شاهدًا ذات مرة حين كان يعمل بقناة "التونسية" سابقًا، "الحوار التونسي" حاليًا، على عملية تغيير أرقام إحدى الإحصاءات المتعلقة بنسب المشاهدة للمسلسلات المعروضة في شهر رمضان، بهدف التأثير على اختيارات المستشهرين لصالح القناة المذكورة، وتغيير توجهات المشاهدين بهدف خلق عائدات مالية ونسب مشاهدة ضخمة، إضافة إلى ترسيخ فكرة أساسية في ذهن القارئ تقول بتفوّق قناة "الحوار التونسي" على نظيراتها.

معزّ بن غربية تشبّث بتصريحاته، نظرًا للخسارة الفادحة التي تعرّضت لها المؤسسة التي يديرها "قناة التاسعة"، والتي تواجه حاليًا شبح الإفلاس نتيجة جفاف مصادر تمويلها التي تعدُّ عائدات الإشهار إحدى أساسياتها، إذ أكّد المدير العام أنه سيرفع قضية ضدّ رئيس مؤسّسة "سيغما كونساي" حسن الزرقوني، بسبب نسب المشاهدة المغلوطة والتهم العديدة الأخرى، حسب قوله، بناءً على ملف قال إنه بصدد الإعداد، ويضم "مفاجآت" ستعلن للرأي العام عبر شركات تونسية تعمل بجدية لكشف الأرقام الحقيقية.

في الحقل السياسي، لعل أبرز النتائج التي تدين مؤسّسات سبر الآراء في تونس هو ما حدث في انتخابات 2011 من مغالطة، بخصوص نوايا التصويت للحزب الجمهوري التقدّمي الذي روّج له على أنه سيحصل على نسبة 24% سنة 2011 فيما لم يحصل في النهاية سوى على 4%، من دون أن تتمّ إثر ذلك أية متابعة قضائية. وهو ما يساهم بشكل فعلي في تمادي هذه المؤسّسات في المغالطة وتسييس نتائجها.


محاربة المنطق
المتابع الحريص لعمليات سبر الآراء المنشورة في الصحف اليومية بمساعدة مؤسسة سبر الآراء "سيغما كونساي"، يدرك أن العملية لا تخلو من مغالطة واستخفاف بالمتقبّل من خلال كثير من المؤشرات، أبرزها ما نشرته "سيغما كونساي" في شهر رمضان عن متابعة سبعة ملايين تونسي لمسلسل في قناة الحوار التونسي في ليلة واحدة في بلد تعداد سكانه 10 ملايين نسمة.

وفي الوقت نفسه الذي تقدّم فيه إحصاءات من قبيل: أن 64% من التونسيين يرون أن البلاد تسير في الطريق الخطأ، تصدر النتائج نسبة أخرى تقر بأن 82% من التونسيين أيضًا راضون عن أداء رئيس الحكومة. وهما نسبتان متعارضتان من حيث المبدأ. فكيف يمكن لبلاد تسير في الطريق الخاطئ أن تضم قيادة جيّدة ونحن هنا نعني الحكومة؟

نتائج أخرى تتصادم والمنطق وهي أن في استطلاعات رأي المؤسّسة نفسه، نالت سامية عبّو النائب عن التيار الديمقراطي ثقة 45% من التونسيين، إذ حلّت في المرتبة الأولى مناصفة مع يوسف الشاهد، لكنها غابت لاحقًا وبعد أربعة أيام فقط عن قائمة نوايا التصويت في الانتخابات المقبلة في إحصاءات الشهر نفسه للمؤسسة نفسها، على الرغم من التنصيص على أن العملية تمت تلقائية ومن دون تقديم خيارات للمستجوبين.

الجذاذتان التقنيتان للدراستين تقولان بأن العينة شملت 4733 شخصًا في مجموع الدراستين، تم استجوابهم عن طريق الهاتف في فترة خمسة أيام فقط، أي بمعدل قرابة 1000 شخص يوميًا في الوقت الذي لا نعرف فيه الإمكانات البشرية لهذه المؤسّسة علاوة على الأرقام الضخمة التي تقدّمها حول عدد الأصوات المصرح بها، والتي تصل للشخصية الواحدة إلى قرابة المليون صوت دون أن تقدم إيضاحات حول مفهوم الأصوات المصرّح بها.

من المثير أيضًا في الموضوع ظهور رئيس مؤسّسة "سيغما كونساي" في قناة الحوار التونسي بصفة مستمرّة لتقديم نتائج في مصلحة القناة وتحوّله في الأسابيع الأخيرة من الموسم الماضي إلى "كرونيكور" في أحد برامجها اليومية، وكذلك قربه من حزب "نداء تونس" الذي يضعه دائمًا في صدارة نوايا التصويت وثقة التونسيين.

بين تأكيد المختصّين على أن عملية سبر الآراء ما هي إلا وسيلة لبناء رأي عام وفق مواصفات محدّدة وبمواقف معينة، والأرقام التي تأكّد أنها لا تعكس توجّهات الشارع التونسي ورؤاه تواصل مؤسسّات سبر الآراء نشاطها من دون رقيب أو حسيب في ميدان ليس فيه حكم، مخلفة موجة من الغبار تحجب الحقيقة وتؤسّس لنتائج حسب الطلب.