"تيدكس فلسطين"... قصص ملهمة للحياة
"تيدكس فلسطين"... قصص ملهمة للحياة
المصوّر مؤمن قريقع (فيسبوك)
تحظى منصة تيدكس العالمية التي تهدف لتعريف ونشر الأفكار الجديدة والمميّزة للعالم عبر مؤتمرات باهتمام الدول والمجتمعات، لأنها تعرض أهم القصص الملهمة والتحفيزية بتخصّصات وأشخاص مختلفين عن بعضهم، وهي تعطيهم فرصة لسرد تجاربهم الحياتية على الجمهور وأهم ما يميّزهم في تحدي الظروف الصعبة التي صنعت منهم أشخاصًا ناجحين. وكان لغزّة نصيب باحتضان جامعة فلسطين مؤتمر تيدكس لتعرض الشخصيات الملهمة من القطاع المحاصر ليتعرف إليها العالم.

بدأت القصص الملهمة لجمانة الشوا، وهي مراهقة تبلغ من العمر 17 عامًا، لها تجربة فريدة من نوعها كفتاة أصيبت بمرض السرطان، بعد أن تنقلت لعدة أطباء، صدمت بنهاية رحلة بحثها عن علاج بسبب الكتل السرطانية في الغدة الدرقية، والتي تستدعي إجراء عملية لاستئصال الورم، تنقلت الكتل السرطانية للعضلة وازداد وضعها سوءًا وكانت احتمالية نجاتها منه ضعيفة.

الانتصار على السرطان
جمانة كغيرها من آلاف المرضى في غزة المحرومين من تلقي حقهم في العلاج بشكل سليم إلى جانب حرمانهم من حرّية التنقل بالخارج في ظل الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة منذ أكثر من 11 عامًا، عرضت قصّتها وهي تغني بعض الوصلات الموسيقية التي رافقتها في رحلة علاجها، لتأتي المحاولة التاسعة في الخروج للعلاج بالخارجة وتنجح أخيرًا.

أمضت جمانة أكثر من أسبوع وهي لا تشعر إن كانت حيّة أم لا، وفي منتصف شهر نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي 2016 استيقظت وحمل لها الطاقم الطبي في الأردن يشرى أنها شفيت تمامًا من السرطان، علقت خلالها "مرضى غزّة يموتون وهم ينتظرون المعابر وأنا شعرت في كل يوم يموت فيه مريض بحسرة كبيرة، لكن أتمنى أن ينتصر غيري على المرض ولا نجعله يحتل أجسادنا".

كسبت جمانة قلوب الجميع في الافتتاحية، جاء العرض التالي ليوحّد الموجة العاطفية بآلة العود، وهو أستاذ الموسيقى الفلسطيني إسماعيل داوود، الذي بدأ يقص مشواره ما بين البلدان العربية والعالمية برفقة العود، ويلخص المسيرة الفلسطينية بكل الأغاني التراثية وهو يلحنها ويغنيها ليحيي الفن الفلسطيني التراثي والمقاوم.

تحدي الامراض النادرة
قصّة أخرى كان لها تحدٍّ كبير كأم وفنانة، وهي صفاد حامد، التي واجهت مرضين نادرين أصابا ابنتها التي لا تزال تقاوم المرضين رغم طفولتها، وهما مرض "سيبا" وهو داءٌ خطير يفقد الجسم بالحاسة اللمسية وبأي خطر يتعرّض له، ومرض عدم التعرق وهو الآخر خطير لأنه يحفظ أي سموم ومخاطر يفرزها الجسم الطبيعي ويبقيه في الجسد.

صدمت حامد منذ بداية معرفتها بمرض ابنتها عندما كانت تبلغ عامين أنها لن تعيش لأكثر من ثلاث سنوات كما أخبرها الطبيب، استمرّ بحثها عن علاج لتجد الأطباء عاجزين عن علاج ابنتها، واصلت بحثها عبر المواقع الإلكترونية وعثرت على مصابين بالمرض نفسه لتتبادل معهم الحديث عن المرض وخبرتهم في علاجه.

اليوم صفاء استطاعت التأقلم مع مرض ابنتها، وأنشأت صفحة على فسيبوك لمحاولة ربط كل الأسر من حول العالم التي يعاني أطفالها من هذا المرض، بهدف تحسيسهم بأنهم ليسوا وحدهم من يواجه الأمراض النادرة التي تصيب واحدا من مليون شخص في العالم، أما اليوم فقد أصبحت صفاء تتواصل مع أكثر من 100 عائلة حيث خلقت عبر صفحتها مجتمعًا تحفيزيًا لكي لا يشعر صاحب المرض النادر بالوحدة.

دافع عن الإسلام في أميركا
من بين القصص التي أخذت طابعًا عالميًا كان السياسي أحمد يوسف، لكنه هذه المرّة كان شخصًا يقص تجربة علمية إنسانية ولم يتحدث عن السياسة على المنصّة، أبرز فيها أهم الكتب التي كتبها للدفاع عن القضية الفلسطينية والدين الإسلامي، خصوصًا التاريخ الإسلامي في أميركا، أصدر خلال رحلته ثلاثين كتابًا باللغة الإنكليزية والعربية، سعى من خلالها إلى تعزيز مبدأ التعايش وتغير التفكير النمطي عن الإسلام وعن فلسطين في الغرب.

خلال هذه التجربة قابل يوسف عددًا من السياسيين في الولايات المتحدة والشخصيات المهمّة في المجتمع الأميركي، واستطاع خلق جسر تواصل لينصر فكر قضيته الفلسطينية والإسلامية، رغم أنه واجه في بداية مسيرته معوقات كثيرة، أهمها أن فلسطين غائبة عن خريطة العالم في الدول الغربية، وهي ما زادت من إصراره للتعريف بالقضية الإنسانية الوطنية، وقدم نجاحات كبيرة لتقريب المجتمع الأميركي من المجتمع الفلسطيني أنه واجه التشتيت بعد أحداث 11 من سبتمبر/ أيلول 2001، حيث عاد إلى غزّة بعد الانسحاب الإسرائيلي من مستوطنات غزّة عام 2005.

صور بنصف جسد
من جانب إعلامي، صعد المصوّر مؤمن قريقع بنصف جسد على المنصة، لان قدميه بترتا على إثر قصف إسرائيلي عام 2007 عندما كان يعد تقريرًا مصوّرًا عن احتجاز البضائع على معبر كارني الفاصل بين غزة والأراضي المحتلة، لتنقلب حياته عند تلك اللحظة التي استيقظ منها وهو بنصف جسد، وينتقل للعلاج في السعودية، وهو يعاني من فراق الوطن والقدمين ويلتقي بزوجته الحالية من أصول فلسطينية مقيمة في السعودية.

لكن مؤمن أصر على مواصلة حياته وهو برفقة صديقته الكاميرًا التي لم تتركه في مسيرته، وغطى العدوان الإسرائيلي على غزّة عام 2012 و2014، واستطاعت عدسته أن تنقل أفضل اللقطات المصوّرة عن غزة ما بين إنسانية وجمالية، وحصد عددًا من الجوائز العالمية وبات من أكثر المصوّرين الفلسطينيين شهرة وحضورًا في ميادين الأحداث والقصص.

عقار للسرطان وأول فارسة بقدم مبتورة
من القصة العلمية البارزة كانت خلال صعود صائب العويني وهو رئيس قسم الأحياء في الجامعة الإسلامية بغزة، يسرد فيها أهم الثقافات المنتشرة في العالم وهي الخطأ عن الوقاية من أمراض السرطان، وأهم ما استطاع تحقيقه في رحلته بالبحث العلمي.

استطاع العويني اليوم عمل فريق خاص فيه لتطوير عقار لسرطان الثدي في غزة باعتباره مرضًا منتشرًا في غزة بين النساء ومحاولة الاعتماد على الابتكارات المحلية في ظل أن مجتمع غزة محروم بسبب الحصار من دخول أنواع كثيرة من الأدوية، أهمها أدوية لمرضى السرطان.

من جانب آخر، برزت قصّة التحدي التي خاضتها هبة الله شاهين 17 عامًا على منصة تيدكس، عندما ولدت وهي مبتورة القدم، وعانت من النظرة المجتمعية التي كانت تهاجمها أينما تواجدت للتقليل من طاقتها وطموحها منذ أن كانت طفلة وحتى مقاعد الدراسة، لتصر على حلم ممارسة رياضة الفروسية وتقفز الحواجز على حصانها، وتصبح اليوم أول فارسة في الشرق الأوسط تقفز الحواجز وهي ترتدي طرفًا صناعيًا.