مهدي عاكف... قتيلا بالإهمال الطبي
مهدي عاكف... قتيلا بالإهمال الطبي
محمد مهدي عاكف (فرانس برس)
"أي قدر من الرعاية يحتاجه مريض سرطان الكبد؟ أو سرطان القنوات المرارية؟ أو سرطان الرئة؟ أي قدر من الرعاية يحتاجه مريض مصاب بكسر في الحوض؟ أو كسر في مفصل الفخذ؟ وماذا لو كان عمر هذا الإنسان قد قارب التسعين عامًا".

نداءات متكررة انطلقت مرات عديدة من أجل محمد مهدي عاكف (1928 - 2017)، المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين (2004 -2010)، لكن لم يكن هناك استجابة لها إلى أن أعلنت علياء ابنته، مساء أمس، 22 سبتمبر/أيلول 2017 وفاته داخل مستشفى القصر العيني التي نقل إليها بعد تدهور حالته الصحية.

"يعاني سرطان القنوات المرارية، يبدو عليه الهزال، وسط وجود قسطرة متصلة بجسده" كان ذلك تقرير الطب الشرعي الخاص بحالته الصحية المقدم للمحكمة منذ مايو/أيار 2017، لينتهي التقرير بأنه لا يمكنه الانتقال إلى المحاكمة، وانتقاله يهدد حياته، ويحتاج للرعاية الصحية، إلا أن قرار المحكمة كان استمرار حبس المتهمين وتكليف النيابة بإصدار توكيل لمحامي "عاكف" للحضور عنه في الجلسات الأخرى، رافضة طلب الإفراج الصحي عنه.


4 سنوات من التنكيل
4 سنوات من الحبس الانفرادي تنقل خلالها مهدي عاكف داخل عدد من السجون كان بدايتها سجن العقرب، وانتهى الأمر به داخل سجن طرة قبل أن تتدهور حالته الصحية ويخضع لعملية جراحية في يناير/كانون الثاني 2017 إلا أن إدارة السجن لم تتركه داخل المستشفى ونقلته للزنزانة في نفس اليوم.

لم تملك أسرته في البداية معلومات كافية حول حالته الصحية نتيجة عدم حصولهم على تقرير طبي بحالته الصحية من مستشفى السجن أو موافقة مصلحة السجون على طلبات أسرته بنقله للعلاج.

محاولات عديدة خاضتها أسرة مهدي عاكف طوال فترة سجنه لنقله للعلاج، إلا أنهم لم يتمكنوا من ذلك إلا قبل 8 أشهر فقط، رغم قبول الطعن في القضية المتهم فيها والمعروفة بـ"أحداث مكتب الإرشاد" وعدم وجود حكم قضائي ضده إلا أنه بقي محبوسا احتياطيا.

"أنقذوا_مهدي_عاكف" تلك الحملة التي انطلقت بحلول مارس/آذار 2017 بعد سقوطه في المستشفى وحدوث كسر في فخذه الأيسر والحوض، لم تنجح في الحصول له على العفو الصحي رغم سوء وضعه.

بدون مشيعين
"ثكنة عسكرية" هكذا تحول عنبر المستشفى بعد وفاة مهدي عاكف لا يسمح لأحد بالتحرك فيه إلا بإذن الأمن، يوضح فيصل السيد، المحامي.

يروي فيصل ما حدث قائلا إنه ذهب بالتنسيق مع ابنة مهدي عاكف لفتح المقبرة ليجدها محاصرة وثكنة أمنية، وتلقى تعليمات بعدم التصوير.

"5 رجال و4 سيدات من سمح لهم بحضور صلاة الجنازة" يكمل حديثه، موضحا أنهم انتهوا من الدفن في الثانية صباحا، تاركين قوات الأمن تحاصر المكان.

"دفن في صمت بدون مشيعين" كانت تلك جنازته بعد أن منعت قوات الأمن صلاة الجنازة وأمرت بدفنه فوراً، وفقاً لما جاء في وكالة الأنباء الفرنسية، لينتهي ما يقرب من 26 عامًا قضاها مهدي من حياته في السجون.

لم تكن تلك المرة الأولى التي يتعرض فيها عاكف للسجن، فالبداية كانت في 1954 وحكم عليه بالإعدام الذي خفف للمؤبد ليخرج في 1974، ليتكرر الأمر مرة أخرى في قضية سلسبيل عام 1996 خاضعًا للمحاكمة العسكرية ويقضي حكمًا بالسجن 3 سنوات.

لكن تجربة السجن الأخيرة كانت الأكثر إرهاقًا له وتأثيرًا على صحته، لكونه يقف على حافة عامه التسعين تهاجمه أمراض الشيخوخة والسرطان الذي أصيب به بداخل الزنزانة.

قتيل الإهمال الطبي
حالة من الإهمال الطبي تعرض لها مهدي عاكف طوال فترة سجنه، أعلنت عنها أسرته طول 4 سنوات مطالبين بالإفراج الصحي عنه وفقا للمادة 36 من قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956 تنص على "كل محكوم عليه يتبين لطبيب أنه مصاب بمرض يهدد حياته بالخطر أو يعجزه عجزا كليا يُعرض أمره على مدير القسم الطبي للسجون لفحصه بالاشتراك مع الطبيب الشرعي للنظر في الإفراج عنه، ويُنفذ قرار الإفراج بعد اعتماده من مدير عام السجون وموافقة النائب العام وتُخطر بذلك جهة الإدارة والنيابة المختصة".

"القتل بالامتناع"
ولقد اعتبرت منظمات حقوقية أن ما حدث مع مهدي عاكف هو "القتل بالامتناع"، مؤكدين أن تلك إحدى الطرق التي تتبعها وزارة الداخلية ومصلحة السجون باعتبارها جريمة تتم دون استخدام السلاح، بمنع تقديم العلاج للسجناء أو الإفراج الصحي عنهم.