هل ينتصر "الفساد" في فلسطين على الصحافية هاجر حرب؟
هل ينتصر "الفساد" في فلسطين على الصحافية هاجر حرب؟
الصحافية هاجر حرب (تصوير: أمجد ياغي)
صدم قرار محكمة صلح غزة الأسبوع الماضي بالحكم على الصحافية هاجر حرب بالسجن ستة أشهر وغرامة بقيمة ألف شيكل عددًا من الأوساط الصحافية الفلسطينية، واعتبروها قضية تمس بحرّية الرأي والتعبير، وسابقة خطيرة في الإعلام الفلسطيني على خلفية كشف قضايا فساد، كما أشاروا إلى أنها تنبئ بخطورة مستقبل الإعلام الفلسطيني والصحافيين الذين يخوضون غمار الكشف عن الفساد في غزّة.

عرضت شبكة التلفزيون العربي في شهر يونيو/ حزيران العام الماضي تحقيقًا استقصائيًا أعدّته الصحافية حرب، يكشف فسادًا إداريًا وتجاوزات داخل ملف التحويلات بالخارج التابع لوزارة الصحّة في رام الله، خصوصًا أنها عرضت تلقي بعض الأطباء رشاوى لتسهيل مهمّة المرضى ومنحهم تقرير نموذج رقم 1، الذي يعدّ أساس التحويلات الطبية للخارج، وعرضت فيه الجوانب الإنسانية التي تحرم المرضى من تلقي العلاج بالخارج في ظل اتباعهم الروتين العادي في إجراءات التحويلات.


لكن داخل التحقيق تقمصت حرب دور امرأة منقبة تحاول الحصول على تحويلة للخارج، وبالفعل وصلت إلى عامل داخل أحد المستشفيات الحكومية، والذي كان يشتغل سمسارًا لدى أحد الأطباء وأوصلها للطبيب الذي استعد لعمل التحويل لها مقابل مبلغ مالي، قامت بتوثيق الحادث بكاميرا سرّية، لكن الطبيب كشف عن نفسه بعد عرض التحقيق، واتهم حرب بالتزوير والكذب بعد أن تعرّف مقربون له عليه من خلال صوته الظاهر في التحقيق وهيأته التي عُرضت بشكل مشوّش، ويقوم بعدها بمشاركة أطباء بإطلاق حملة ضد الصحافية حرب على مواقع التواصل الاجتماعي، ويقدّم شكوى ضدّها في النيابة العامة.

أصيبت حرب في شهر أبريل/ نيسان العام الحالي بمرض السرطان، وعليه تحوّلت حياتها إلى مسار آخر، بعد أن كانت تجري لقاءات تلفزيونية عن مرضى السرطان والحالات الإنسانية ضمن عملها كمراسلة لقناة "المسيرة اليمنية"، وبدأت منذ إصابتها تشاركهم همّ العلاج، إلى أن صدر ضدّها قرار حبسها وهي في دولة الأردن تتلقى العلاج الكيميائي.

نقابة الصحافيين الفلسطينيين استنكرت قرار الحكم الغيابي الجائر الذي أصدره القضاء في غزة في حق زميلتهم، على خلفية عملها الصحافي ونشر تحقيق استقصائي حول الفساد، وقالت إنها تنظر بخطورة بالغة إلى هذا الحكم الذي تعتبره سابقة خطيرة، مطالبة حركة حماس بالتراجع عنه ووقفه وكأنه لم يكن، باعتباره يشكل انتهاكًا واضحًا لحرية الرأي والتعبير وحرية الحصول على المعلومات ونشرها.

المشكلة في قضية حرب أخذت أبعادًا كبيرة، في ظل أن عددًا قليلًا من دول في العالم تتضمّن قوانينها حبس الصحافيين، ومن بينها فلسطين التي لا تزال قوانينها تجرّم العمل الصحافي عند بعض جرائم القذف والتشهير، وتكيف حسب نظرة النيابة العامة ضمن قانون المنشورات والطبع لعام 1995، الذي لم يتم تحديثه لغاية اليوم. في مقابل ذلك تقوم الصحف الحزبية بالقذف والتشهير في حق القيادات والخصوم، ولم تتحرّك القوانين عندها على اعتبارات سياسية.

أدينت حرب بعدة تهم، وهي، قدح وزارة الصحّة، ونشر أخبار غير صحيحة عن الوزارة، ونشر أخبار عن الوزارة من دون توخي الموضوعية ما أثار البغضاء في المجتمع، على أثرها لم يعلق إعلاميون على قرار المحكمة بأن القانون يعاقب من يفعل ذلك، لكن رئيس المعهد الفلسطيني للاتصال والتنمية الصحافي فتحي صباح، اعتبر أن قانون الإجراءات الجزائية يمنع حبس أي مواطن مصاب بمرض يهدّد حياته.

ويضيف "أن الشكوى الوحيدة المقدّمة ضد هاجر هي من طبيب اتهمها بأنها شهّرت به وليس من وزارة الصحّة وفي مثل هذه القضايا؛ أي القدح والذم لا تُحرك الدعوى من دون شكوى، علمًا أن الإدانة تمت على ثلاث تهم ضدّ الوزارة التي لم تحرّك الدعوى، ولم تحكم المحكمة لصالح المشتكي الفعلي أي الطبيب، أي لم تأخذ شكواه في الاعتبار علمًا أنه المشتكي الوحيد".

وتعجّب صباح في قضية الصحافية حرب، من أن تعتبر النيابة العامة تحقيقها الاستقصائي بمثابة بلاغ لها للتحقيق في هذه الشبهات المحتملة، وليس التحقيق معها وتوجيه لائحة اتهام في حقهّا ومن ثم إدانتها.

وصلت قضية الصحافية حرب إلى رئيس المكتب السياسي لـ حركة حماس في غزة يحيى السنوار، في ظل أنه دعم توجه الصحافيين للخوض في التحقيقات الاستقصائية وإيمانه الراسخ بها، كما أكده خلال جلسة جمعته مع صحافيين وكتاب الشهر الماضي، وعليه، أوضح مصدر من داخل مكتبه أن الوحدة القانونية تتابع إمكانية الاستئناف على الحكم الصادر في حق الصحافية حرب، مع حفظ الحقوق العامة لجهات الادعاء، وحماية الحرّيات الصحافية بما لا يتعارض مع الأصول القانونية والمسؤولية المجتمعية والوطنية.

في ضوء ذلك، أوقفت محكمة صلح غزة الأحد الماضي، الحكم الصادر في حق الصحافية هاجر حرب بشكل مؤقّت إلى حين الفصل في الاعتراض على الحكم الغيابي الذي قدّمته الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، وكانت الأخيرة قد قدّمت اعتراضًا لإلغاء الحكم الغيابي استنادًا إلى أن المستدعية لم تبلغ في الجلسة وأنها أنكرت كل التهم المسندة إليها، وتنتظر العودة إلى غزة والمثول أمام القضاء.

بينما سببت قضية هاجر قلقًا في الوسط الصحافي في غزة، يرى البعض منهم أن محاكمة هاجر تعطي إشارة لمحاسبة أي صحافي من منظور حكومي ويقدّم للقضاء على اعتبارات قد تكون انتقامية من الصحافيين لإجبارهم على الخوض في تجارب التحقيقات الاستقصائية.