الجزائر: كتب مدرسية بلا "بسملة"... وماذا بعد؟
الجزائر: كتب مدرسية بلا "بسملة"... وماذا بعد؟
مدرسة في بوفاريك، الجزائر العاصمة (فرانس برس)

هل سيصدق بعضكم أنّ "البسملة" مازالت تثير جدلًا في الجزائر داخل الأوساط الرسمية والشعبية؟ قد تكون الإجابة بـ"لا" وهي منطقية. لكن هذا يحدث في بلاد أمازيغية وعربية ينص دستورها على أنّ الإسلام دين الدولة.

ارتبطت قضية "البسملة" في الجزائر بوزيرة التربية الجزائرية نورية بن غبريط، والتي منذ تقلّدها حقيبتها الوزارية في البلاد في الـ 5 مايو/ أيار 2014، مازالت تثير موجات جدل مسّت قضايا كثيرة أفضت النتائج حولها إلى عدول الوزارة عن القرارات التي اتخذتها في كثير من المرّات.

بن غبريط وزيرة جدل بامتياز
أبرز الأحداث التي شهدتها وزارة التربية في عهد بن غبريط "تدريس العامية في الطورين التحضيري والابتدائي". إدراج اسم "إسرائيل" على الخريطة بدل فلسطين في كتاب مادة الجغرافيا الموجّه للطور الإعدادي، "الاكتظاظ داخل الأقسام"، "جلب خبراء فرنسيين بهدف إصلاح قطاع التربية".. وغيرها من القضايا التي طرحت تساؤلات بشأن هدف الوزيرة بن غبريط في هذا المجال الحسّاس، كما خلّفت قراراتها انتقادات واسعة وجهها لها علماء دين وأولياء تلاميذ ومختصّون وجمعيات دينية على رأسها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، لكن يبدو أنّ مشروع الوزارة الحالية متواصل تحت ذريعة الإصلاحات التربوية وتحديث المناهج التعليمية.


سابقة تاريخية منذ الاستقلال في 1962
حذف "البسملة" من مقدّمات الكتب المدرسية يعد سابقة تاريخية في المدرسة الجزائرية التي ومنذ الاستقلال في العام 1962 لم تشهد مثل هذا الإجراء، والذي قالت عنه الوزيرة أنّه "مفتعل" وبرّرت قولها أنّ البسملة تتضمّنها كتب التربية الإسلامية المواجهة للأطوار التعليمية الثلاثة: الابتدائي والمتوسط والثانوي، كما شدّدت على أنّ حذفها من بقية الكتب الأخرى يتحمّله المصمّمون والمشرفون على طباعة الكتب المدرسية.

بعض الأحزاب السياسية المعارضة والمؤسّسات الدينية وأولياء التلاميذ طالبوا برحيل الوزيرة، غير أنّهم مهما ارتفعت أصواتهم لا يمكنهم "ترحيل" بن غبريط التي أثبتت بتوالي الأحداث والأزمات التي ارتبطت بها، أنّها باقية مادام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الحكم، خاصّة مع الدعم الإعلامي والسياسي الذي تتلقاه.

معارضون بلا تأثير
ومن بين الأصوات الرافضة لإجراء وزارة التربية الوطنية، أكبر جمعية دينية في الجزائر "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" التي أصدرت بيانا وصفت هذه الخطوة بـ "العدوان" على عقول الأطفال وجاء فيه أنّ: "خطابات رؤساء الجمهورية الذين تعاقبوا على حكم الجزائر تتضمن البسملة، كما أنّ المؤلفات الدراسية بمختلف تخصّصاتها منذ أربعة قرون لم تخل يومًا من البسملة". وأضافت "أن السلطة تسعى بهذا الإجراء إلى تنشئة الأجيال الصاعدة على العلمانية واللائكية وتهديم تماسك الأسرة الجزائرية بعيدًا عن تعاليم الإسلام الحنيف".

حذف البسملة وإدراج اللهجة الدارجة في الطورين التحضيري والابتدائي وتقليص الحجم الساعي لمادة التربية الإسلامية، هدفه كما يرى البعض هو إفراغ البرامج الدراسية من المضمون الديني والتقاليد والعادات والهوية رويدًا رويدًا لاسيما بعد عديد المحطّات التي ميزت مسيرة نورية بن غبريط على رأس وزارة التربية الوطنية بغض النظر عن إضرابات الأستاذة والتلاميذ ومشاكل المحافظ الثقيلة والمناهج التعليمية الجديدة المليئة بالأخطاء بحسب مختصّين.

"البسملة" تزلزل مواقع التواصل الاجتماعي
الجدل حول "البسملة" خرج إلى الفضاء الأزرق وأثار النقاش في وسط النشطاء فظهر معارضون للقرار ولا مبالون به وحجتهم في ذلك أنّ مشاكل الجزائر لا تتعلّق في "حذف البسملة" فقط بل الأولى للحكومة وللشعب أن يلتفت لتطوير الاقتصاد في ظلّ الأزمة المالية التي تعاني منها البلاد جراء انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية، بل إنّ آخرين اعتبروا أنّ القضية مجرّد إلهاء للشعب، حتى ينسى همومه وأزماته من البطالة وتدهور القدرة الشرائية وغيرها.

يقول مراد، أحد النشطاء على صفحته على فيسبوك إنّ " الشعب يُعلن حربًا خاسرة من أجل البسملة ولا يستطيع تنظيف شوارعه ولا حتى سلوكاته". ويعلّق آخر، أن الذين جعلوا هذه القضية أولوية ومحلّ اهتمام بالغوا باختزالهم هذا الصراع في البسملة، ملمحًا إلى وجود قضايا أخرى مصيرية تهمّ المجتمع وتستحق معالجتها".

من جهته، ينظر ياسين إلى "حذف البسملة" من زاوية أخرى؛ عندما يرى أنّ حذفها لا يشكّل خطرًا وليس بالأمر المهم، متسائلًا بالقول: "حذفت البسملة وماذا بعد؟ لنفرض قلنا البسملة، هل هناك تطوير لكفاءات المعلّم وتكنولوجيا التعليم مثلًا؟ وهل توجد سبورة تفاعلية؟ يوجد فقط جهاز عرض ضوئي واحد في الثانوية، فقط فوضى ومناهج وبرامج عقيمة، ومجموعة من المسلّمات المنمطة المتوارثة".