الشرطة المصرية... الدرس الأوّل في التعذيب
الشرطة المصرية... الدرس الأوّل في التعذيب
(شرطة مكافحة الشغب في القاهرة، تصوير: محمد الشامي)
متابعات
11 سبتمبر 2017

تمارس السلطة عبر أدوات العقاب وآليات التعذيب المختلفة داخل السجون هيمنتها، التي تستثمر فيها من خلال القمع والتصفية سلطويتها، وإثبات تسيّدها التام في مقابل خضوع جسد "المتمرّد" و"الثائر" الذي يحل مكانه جسد "انضباطي"، يرتد خادمًا للسلطان. وفي ثنائية النفي والإثبات، يظلّ ثمّة جسد متهالك وآخر منتصر، أحدهما جسد يفرض حضوره بقوّة، وآخر يعلن انسحابه وينزاح مهزومًا، وذلك رد لهيبة السلطة وتثبيت لمكانتها وقوّتها المطلقة، في ظل محدودية الأجساد الأخرى وتناهيها. وبالتالي يتمّ تحويل الإنسان إلى دمية سياسية، يجري تطويعه ونفي حضوره، بحيث يبقى مجرّد جثة في قبضة الجلاد.

يُعنى كتاب الدكتورة بسمة عبد العزيز، الطبيبة النفسية والفنانة التشكيلية، بإغراء السلطة المطلقة بمسار العنف في علاقة الشرطة بالمواطن عبر التاريخ، حيث قدّمت دراسة جادة وشاملة حول تاريخ العنف من قبل الأجهزة الأمنية، تجاه المواطن غير المسيس والذي لا ينتمي للجماعات السياسية والدينية، وبداية تصاعد العنف تجاه المواطن العادي.

يتكوّن الكتاب من خمسة فصول وخاتمة؛ يتناول تاريخ جهاز الشرطة والعنف الذي مارسته القوى الأمنية، وتناميها في ظل السياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ومتغيّراتها التي رافقتها تحوّلات في العلاقة بين القوى الأمنية والمواطنين، بالإضافة إلى رد فعل المواطن ونظرته لجهاز الشرطة.

تتأتّى أهميّة الكتابة في كونها أوّل مرجع يوثق هذا التاريخ المهمّ، لمن أسندت لهم الأنظمة السياسية المتلاحقة على حكم مصر تثبيت أركان حكمها، وصد العدوان على شرعيتها القسرية، وحكم المصريين بالقمع والسجن والتعذيب وسحق أي محاولات للتمرّد والتغيير والمعارضة. فلم تكن ثورات الربيع العربي إلا رد فعل ضد ممارسات المنظومة الأمنية التي توغلت في حياة المواطن وبناء إمبراطورية الخوف من الشرطي والإذعان له.

في الفصل الأول تستعرض الناشطة الحقوقية، نشأة وتطوّر وأداء جهاز الشرطة الذي كان عبارة عن مؤسّسة الأمن الداخلي من عهد الأسرة الأولى في مصر القديمة، إلى نشأة ديوان الوالي في عهد محمد علي، ثم نظارة الداخلية، التي تحوّلت إلى "وزارة الداخلية" بعد إعلان الحماية البريطانية.

ثمّة إصلاحات طاولت هيكل ومسمى ودور الجهاز الأمني في مصر، فضلًا عن المناهج الدراسية، مع دخول مرحلة تاريخية جديدة عقب 23 يوليو/تموز 1952، لكنّها ظلت تنهل من الأساليب نفسها والمنطلقات التي تقوم على تدشين ذراع أمني قوي، بفرض سيطرته وخضوع الآخرين له ومنع المتمرّدين وحماية شرعية السلطة بالقوة، باعتبارها فلسفة عقابية ينبغي أن تكون ذات فعالية قوية ومسيطرة، وإحدى آليات الضبط الاجتماعي.

ففي عهد عبد الناصر، شهدت سجونه وافدين من كافة التيّارات السياسية، شيوعيين وإسلاميين، فضلًا عن قمع أصحاب الرأي وحالات تعذيب شديدة القسوة أفضت بعضها إلى القتل، مثل شهدي عطية الشافعي، أحد رموز الحركة اليسارية، وقمع الحركة العمالية ممثلة في إعدام عاملين من كفر الدوار في محاكمة صورية، هما خميس والبقري، بعد شهور من حركة الضباط الأحرار، فضلًا عن الإعدامات التي تعرّض لها المعتقلون السياسيون، مثل سيد قطب، أحد أهم مفكري جماعة الإخوان المسلمين.

نشأ لأوّل مرة في عام 1968 جهاز "مباحث أمن الدولة" بديلًا عن "قلم البوليس السياسي" المنحل منذ أغسطس/آب 1952. وتشير صاحبة "الطابور" إلى تراجع العنف ضد الخصوم السياسيين في عصر السادات الذي عمد إلى تغيير الانطباع عن حكمه، بعكس سلفه الذي شهد قبضة أمنية على الحريات، لكنه استحدث مجموعة من القوانين التي ساهمت في تقييد المعارضين وإمكانية حبسهم الاستثنائي وسجنهم، وإن لم يعد التعذيب أمرًا واقعًا كما الحال سابقًا.

في عهد مبارك باتت فلسفة الأجهزة الأمنية هي ردع المواطنين وإذلالهم، وأصبحت حوادث منهجية وليست فردية واستثنائية، وبدأت ممارسات التعذيب للحصول على الاعترافات من المواطنين تتكشف وتظهر الأدلةّ الملفقة؛ مثل الإفراج عن 190 متهمًا، تم الحكم ببراءتهم في قضية "الجهاد الكبرى"، وإحالة عدد من الضباط المتورّطين بالتعذيب للمحاكمة.

تصاعدت بلاغات التعذيب داخل أقسام الشرطة، بحسب المؤلفة، من 38 بلاغًا سنة 2002 إلى 88 بلاغًا في 2006، وتضاعف القتل بالتعذيب ثلاثة أضعاف في الفترة نفسها، كما رصدت تطورًا كيفيًا وكميًا للعنف، حيث انتقل خارج أقسام الشرطة إلى البيوت والأعمال والشوارع، واتسعت دائرة العنف لتشمل المحيطين بالمطلوبين وإتلاف ممتلكاتهم أو نهبها.

استخدمت الشرطة البلطجية في التحرّش الجنسي الجماعي للمتظاهرات بدءًا من 2005، وهو ما أعطى مبررًا لارتكاب جرائم التحرّش الجنسي الجماعي، منذ أعياد 2008-2009، وهو الأمر نفسه الذي وقع في الأربعاء الأسود يوم 25 مايو/أيّار أمام نقابة الصحافيين المصرية، حيث تم سحل عدد من الصحافيات وتمزيق ملابسهن والتحرّش بهن من قبل مجموعة من البلطجية التي استعانت بهم قوات الشرطة.

ويشير تصريح وزير العدل بعد ثورة 25 يناير 2011، المستشار محمد عبد العزيز الجندي، أنه يوجد 450 ألف بلطجي مرتبطين بمختلف أجهزة وزارة الداخلية، منهم 69 ألفا مرتبطين بجهاز مباحث أمن الدولة وحده.

تفحص الباحثة دور إعداد ضابط الشرطة وطريقة الدراسة، باعتبارها العتبة الأولى التي يتمّ حشو رأسه بطبيعة مهامه وكيفية تنفيذها وتحقيقها ومكانته في المجتمع. ففي كلية الشرطة لا يتوقّف القبول في الكلية على الوساطة أو الرشوة، لكن يتمّ توجيه الطالب إلى أنه فوق الجميع لأنه ينتمي للشرطة، وتتم إهانة الطلبة وإذلالهم من أعلى لأسفل، والذي يرتد إلى قهر يمارسه الطالب بعد ذلك ضد من هم أدنى، مما يرسي قاعدة استخدام العنف.

ويكون أوّل تدريب عند وصول ضابط حديث إلى قسم الشرطة، أن يأخذه الضابط الأقدم إلى الحجز ويبدأ بضرب المحتجزين، ويطلب منه المشاركة الفورية. ويكون أمام الضابط الصغير إما عدم المشاركة فيصبح سخرية ومتهمًا بالضعف، أو يشارك لينال احترام وثقة المحيطين به.

مختارات