الطلاب الجزائريون.. وظائف "موقوتة" في الصيف
الطلاب الجزائريون.. وظائف "موقوتة" في الصيف
(جامعة هواري بومدين بالعاصمة، تصوير: توماس تروتشيل)

بعد انتهاء المواسم الدراسية، وفي وقت يفكّر فيه كثير من الطلاب الجامعيين في قضاء موسم الصيف في السفر والتخييم، يجد البعض أنفسهم أمام مهمّة البحث عن وظيفة مؤقتّة لتأمين تكاليف موسم دراسي جديد، هنا، قائمة الوظائف المحدودة التي بوسعهم العمل بها صيفًا، والتي لا ترتبط بتخصّصاتهم الجامعية ولا ينظّمها قانون رسمي؛ وإنّما تخضع للحظ أحيانًا وللظروف أحيانًا أخرى.

يبدأ كثير من الطلاب الجزائريين في البحث عن وظيفة للعمل في فصل الصيف، بمجرّد نهاية امتحانات السنة الدراسية مباشرة، وذلك حسب ظروفهم الاجتماعية وحظوظهم، فالذين يسكنون في المدن الساحلية يملكون فرص عمل أكبر في مجال السياحة وحراسة الشواطئ بينما أولئك الذين يسكنون في المناطق الداخلية يتوجّهون للعمل لدى أصحاب المحلّات التجارية، وبين ذكور وإناث من طلاب الجامعات تختلف الوظائف ويختلف معها عدد ساعات العمل والمقابل المالي.


وظائف للمحظوظين فقط
حصول طالب جزائري على وظيفة مؤقّتة بشكل قانوني، يُعتبر حلمًا حقيقًيا في ظلّ غياب قانون عام ينظّم عمل الطلاب من حيث نوعية وساعات العمل والحد الأدنى للأجور. وتوجد في الجزائر قائمة محدودة جدًا من الوظائف التي بإمكان الطلاب العمل بها بشكل قانوني وبأجر محدّد، في إطار عقد عمل مؤقّت، إلا أن هذه الوظائف لا تكون عادة من نصيب الجميع وإنّما للمحظوظين فقط نظرًا لارتفاع معدّلات البطالة وقلّة الفرص.

ومن بين الوظائف التي يسمح للطلاب الالتحاق بها بشكل قانوني، تلك المتعلّقة بـ"الحماية المدنية"، حيث تقوم مصالح القطاع، سنويًا، بفتح مسابقة توظيف لفائدة الشباب وطلاب الجامعات خلال العطلة الصيفية، كـ"أعوان الحراسة الموسمية"، والعمل في مجال حراسة الشواطئ، حراسة الغابات، أعوان أمن، رجال إنقاذ، ومرافقة ومراقبة المصطافين خاصّة فئة الأطفال. وتقوم مسابقة التوظيف على إخضاع الطلاب إلى اختبار قدراتهم في السباحة وإنقاذ الغرقى بشكلٍ كبير. وهنا يقول محمد، طالب جامعي يعمل كعون حراسة الشواطئ في حديث إلى "جيل": "نجحت في المسابقة بصعوبة، إنهم يقومون برمي تمثال يزن 150 كيلوغراما في البحر ويطلبون من المتسابقين إخراجه للالتحاق بفريق العمل".

ويتوجّه الطلاب الذين يقطنون في المدن الساحلية إلى هذه الوظائف نظرًا للامتيازات التي توفّرها لهم، حيث يحصل الطالب على عقد عمل لمدّة أربعة أشهر، وتأمين اجتماعي خلال فترة الدوام، وأجر شهري يقدر بحوالي 22 ألف دينار جزائري، أي ما يعادل 200 دولار. بالإضافة إلى هذه المميزات، تفرض وظائف "أعوان الحراسة الموسمية" جملة من التحديات على الطلاب، أولها تزامن المسابقة التي تنظّم في بداية شهر يونيو/ حزيران، مع امتحانات نهاية السنة، واستمرار عقد العمل إلى غاية نهاية شهر أيلول/ سبتمبر، أي إلى ما بعد الدخول الجامعي.

أما التحدي الأكبر الذي يواجه الطلاب فيتمثّل في ضغط العمل، حيث يعملون ثلاثة أشهر كاملة بدوام يومي من الساعة الثامنة صباحًا إلى الثامنة مساءً ما عدا يوم الجمعة، وفي شهر أغسطس/ آب، يُصبح دوام العمل من الساعة السابعة صباحًا إلى غاية التاسعة ليلًا، علمًا أن الراتب أو المقابل المالي الذي يتلقّاه الطلاب محدّد مسبقًا ولا يخضع لعدد ساعات العمل.

هنا، يتحدّث رضا (19 سنة) لـ "جيل": "ضغط العمل كبير جدًا ومرهق، استهلك كل طاقتي، لا أظن أني سأعمل في هذا المجال مرّة أخرى حتى لو حصلت على فرصة". ويضيف المتحدّث: "لو يتمّ تقليص مدّة وساعات العمل لثلاثة أشهر مثلًا بمعدل 6 أو 7 ساعات يوميًا يصبح الأمر مقبولًا نسبيًا".


الطلاب الأكثر حظًا
الطلاب الأكثر حظًا، هم أولئك الذين يحصلون على فرصة للعمل في محطّات توزيع الوقود والبنزين، التي تفتح سنويًا مناصب عمل مؤقتة لفائدة الطلاب بشكل قانوني، في موسم الصيف، لتعويض النقص الذي تسجّله هذه الأخيرة في اليد العاملة خلال هذه الفترة، التي تشهد خروج معظم العمال في عطلة سنوية لمدّة شهر كامل.

ويستند العمل في محطات توزيع الوقود على عقد عمل لمدة ثلاثة أشهر، مقابل راتب شهري يقدر بـ20 ألف دينار جزائري، أي ما يعادل 180 دولارًا. ويتميّز العمل في المحطّات بضغط أقل من العمل في قطاع "الحماية المدنية"، من حيث عدد ساعات العمل، إد يمتدّ دوام عمل الطلاب في محطات الوقود والبنزين من الساعة السادسة صباحًا إلى الواحدة زوالًا، أو من الواحدة زوالًا إلى الثامنة ليلًا أي بمعدل 7 ساعات في اليوم مع إمكانية العمل بدوام ليلي أحيانًا. ولكن الحصول على هذه الوظيفة يتطلّب وساطة ولا يخضع لمسابقة محدّدة. وفي هذا السياق يقول منير في حديث إلى "جيل": "الوظائف في هذا المجال جد محدودة، وعادة من يخرج في عطلة، يعيّن مكانه أحد معارفه من الطلاب أو الشباب ".

وإلى جانب الوظائف التي يوفّرها قطاع الحماية المدنية ومحطّات الوقود للطلاب بشكل قانوني في فصل الصيف، كانت مؤسّسة تسيير مطارات الجزائر، قد أطلقت تجربة سنة 2012، من أجل توفير وظائف مؤقّتة للطلاب في موسم الاصطياف للعمل بشكل قانوني في المطارات والقيام باستقبال وتوجيه ومراقبة الأشخاص والأمتعة، من جهتها فتحت وزارة الشباب في سنة 2015، مناصب عمل مؤقّتة للطلاب الجامعيين في الصيف وتكليفهم بشكل قانوني بوظائف متعلّقة بتنظيم برامج التسلية والأنشطة الترفيهية ومرافقة الشباب والأطفال في الرحلات والمخيّمات الصيفية. باستثناء هذه الحالات يبقى عمل الطلاب في وظائف مبعثرة، بدون عقود عمل ولا تأمين اجتماعي.


للفتيات خيارات أخرى
حضور الطالبات في جميع الوظائف القانونية السابقة شبه منعدم؛ بسبب طبيعة العمل في حدّ ذاته. وتتجه الفتيات في العطلة الصيفية للعمل لدى أرباب العمل الخواص مثل محلّات بيع الملابس، الحلويات، المطاعم، المراكز التجارية. ولا يخضع هذا العمل إلى أي عقود قانونية، ويكون عادة بأجور زهيدة، تقدّر بحوالي 9 آلاف دينار جزائري، وبدوام كامل ما بين 8 و9 ساعات يوميًا. تتحدّث أمينة طالبة علم آثار بمركز تجاري، إلى "جيل": "للأسف نحن مطالبات بقبول شروط صاحب العمل".

تلجأ بعض الطالبات أيضًا للعمل بشكل واسع في قاعات الحفلات التي يزيد نشاطها مع فصل الصيف، خاصّة أن هذه الوظائف يكون من السهل الحصول عليها لأنها لا تكون محجوزة عكس العمل في محلّات أخرى. تقدّم الإناث أيضًا خدماتهن لصالونات الحلاقة والخياطة والتطريز والقيام بمختلف الأنشطة اليدوية مقابل مبلغ مالي يتقاضينه شهريًا.

وتميل الطالبات أيضًا للعمل في وظائف السكريتاريا والاستقبال والتوجيه بالمكاتب والمؤسّسات الخاصّة مثل مكاتب المحاماة، مكاتب الأطباء والعيادات، ولكن العمل هنا صعب جدًا في ظل غياب قانون خاص ينظّم عمل الطلاب خلال فترة العطل، حيث يرفض أصحاب المكاتب المغامرة بتوظيف طالب بشكل مؤقّت، وهذا لكون مفتشيّات العمل تفرض عليهم التصريح بالموظفين وتوقيع عقد عمل وتأمينهم اجتماعيًا، أي مثله مثل موظف عادي في وظيفة دائمة، وفي حال مخالفة الأمر يتم فرض ضريبة مرتفعة على ربّ العمل. سلمى، طالبة في العلوم السياسية، تقول في حديث إلى"جيل": "عملت مدّة شهر في مكتب محام وهو أحد أقاربي، كان يذكّرني باستمرار، أن أتظاهر بأني زبونة في حال حضور أعضاء من مفتشية العمل إلى مكتبه".


التجارة والمهن الحرّة للشباب
يرفض كثير من الطلاب الذكور العمل لدى الخواص بأسعار زهيدة ودوام كامل، ويفضلون التوجّه بدل ذلك نحو التجارة بمفهومها البسيط، من خلال استثمارات صغيرة ومشاريع موسمية كشراء لوازم الديكور ومكبّرات صوت وأجهزة موسيقية والعمل في مجال تنظيم الحفلات الموسيقية والأعراس، أو فتح أكشاك صغيرة لبيع الحلويات، المثلّجات والمأكولات الخفيفة والشاي على شواطئ البحر أو في الساحات والحدائق العامة التي يتجمّع فيها الناس للراحة والاستجمام. هنا يتحدّث أمين، طالب في الاقتصاد: "أفضّل التجارة من خلالها أكسب أكثر وأكون حرًا". ومن الطلاب أيضًا من يقوم بشراء شمسيات وكراس وطاولات أو نصب خيمات من أجل تأجيرها للمصطافين.

عدا ذلك، يعتمد بعض الطلاب على العمل بشكل يومي في قطاع المقاولات والبناء، وفي قطاع الفلاحة وجنبي المحاصيل الزراعية، ويسمح لهم هذا العمل بالحصول على أجرتهم بشكل يومي، والحفاظ على حرّيتهم والتمتع بعطلتهم بشكل نسبي. ويختار طلاب الإعلام الآلي وبرمجة الكمبيوتر خاصّة تقديم خدمات في التكنولوجيا مثل برمجة وتصليح الحواسيب والأجهزة الإلكترونية، والقيام بمونتاج الفيديوهات لأشرطة الحفلات والأعراس مقابل كسب المال.

في النهاية ما يهمّ الطلاب هو استغلال العطلة الصيفية للعمل والحصول على مبلغ مالي مهما كانت تلك المهن المرتبطة بها، طالما أنه لا يوجد قانون ينظّم عملهم.