مصارعة الكباش في الجزائر.. حفلات "تعذيب" الأضاحي

مع حلول عيد الأضحى، يحتفل الجزائريون بهذه المناسبة الدينية في أجواء لا تكاد تختلف عن باقي الدول العربية، لكن ما يعكّر صفو المناسبة أحيانًا في كثير من مناطق البلاد، هو انتهاج طقوس غريبة تتضارب دينيا وثقافيًا مع عادات المجتمع الجزائري وشعائر المناسبة.

"مصارعة الكباش" أو "مناطحة الكباش"، ربما تُحيل إلى مخيّلة القارئ شيئًا شبيهًا بـ مصارعة الثيران في إسبانيا؛ ولكن الحقيقة أنّ مصارعة الشوارع الجزائرية ولها جمهورها ومتابعوها، تجري عادة قبيل عيد الأضحى ببضعة أيّام أو في مناسبات أخرى بعد رواجها في كثير من مناطق البلاد.


أبطال الحلبة
يجتمع الشباب في أماكن معينة تسمّى "الحلبة"، وتمثلها الساحات العمومية أو ساحات الأحياء أو حتى في ملاعب كرة القدم، ليس بهدف التحضير للعيد وإنما بالاحتفال بـ مصارعة الكباش، التي تنتهي المواجهات فيها بين كبشين بموت أحدهما أو جرحه أو تعرّضه لكسر، بغض النظر عن الضرر الذي يلحق صاحب الكبش النافق، الذي اشتراه بمبلغ مالي كبير يتراوح أحيانًا بين 5000 إلى 8000 دولار.

رغم أن مصارعة الكباش هواية تثير فضول وشغف الشباب على وجه الخصوص، وتمارس سرّا وعلنًا في الشوارع والأحياء، لا سيما في السنوات الخمس الأخيرة، ولها سلبياتها التي تجرّدها من صفة الطقوس والتقاليد، إلا أنّها تبقى حسب مختصين عادة وتقليدًا جزائريًا يمتد إلى الموروث الثقافي الأمازيغي المتنوّع.


"الدقّة.. وقانون اللعبة
تتحوّل حلبة "المبارزة" بالكباش أو كما تسمىّ عند الجزائريين "الدقة" بمعنى "التناطح"، من فضاء للتنافس إلى فضاء للموت في بعض الأحيان، والذي لا يحبّذه كثير من المتفرّجين والمتنافسين معًا، ولكن لا أحد فوق قانون اللعبة، كما في الأفلام السينمائية الأميركية التي تتناول عدّة مضامين حول منافسات تجري داخل حلبة مغلقة أو داخل السجون والنتيجة يحسمها الموت فقط، موت المنهزم، وبالتالي ما يحدث في الجزائر مع اقتراب موعد عيد الأضحى يدعو إلى القلق بحسب مختصين ولو أنّ الأمر يتعلّق بمنافسات ومسابقات موسمية، غير أن النظر إلى الضرر والعواقب الوخيمة التي تنجرّ عنها، يدفع إلى ضرورة معالجة هذه الظاهرة بعيدًا عن كونها طقسًا أو عادة أو هواية.


"الوحشي" و"تسونامي"..و"بوكو حرام"
ينظم شباب الأحياء مع اقتراب كل عيد أضحى، مثل هذه المنازلات التي تلقى رواجًا كبيرًا في مناطق البلاد، فتقسّم المنافسة إلى أدوار وتصفيات ونهائيات، ليعلن عن الكبش الفائز بالدورة، وعادة ما يكون للكبش لقب معين مشتق من اسم لاعب كرة قدم شهير سواء كان جزائريًا أو أجنبيًا مثل زلاتان إبراهيموفيتش، هلال سوادني، ولويس سواريز المشهور بعضه للاعبين و"زيزو" في إشارة إلى زين الدين زيدان الشهير بنطحته ضدّ ماتيرازي.

السينما أيضًا تحضر بقوّة في مثل هذه المناسبات، فتطلق أسماء نجوم هوليود على كباش المناطحة، فهناك كباش اشتهرت باسم: ( فوندام وروكي وأرنولد وتوم كروز وآخرين)، أو حتى تلبس الكباش ثوب "الإرهابيين" كما حصل في السنتين الأخيرتين تزامنا مع انتشار "داعش" في العالم، فأطلق المتنافسون بالكباش على أبطالهم اسم "داعش" و"البغدادي" و"بوكو حرام" وقبلها حملوا أسماء رؤساء مثل "صدام" و"القذافي" وغيرها. كما توصف هذه الكباش بألقاب مختلفة تمثل أحداثًا سياسية وعالمية، كوارث طبيعية، أمراضا فتاكة شهدها العالم وغيرها، مثل "كوبرا" و"الفرعون" و"بيلي" و"بن لادن" و"سيزار" و"كاستر" و"تسونامي" و"الوحشي" و"إيبولا"، وأخرى من التسميات التي تدلّ على القوة تارة والعنف والسيطرة تارة أخرى.


حفلات تعذيب
تشبه المنازلات المقامة بين الكباش، "حفلات التعذيب" على حدّ تعبير أحد الصحافيين الجزائريين في صفحته بالفايسبوك بقوله: "حفلات تعذيب الكباش تنطلق قريبًا". ويضيف: "إلى متى هذا الإجرام أو تظنون أن ما تقترفونه له صلة بسنة سيّدنا إبراهيم الخليل عليه السلام؟ أبدا إنها الرعونة والفراغ والصبيانية في أرذل العمر".

وقال آخر معلّقًا على المنشور ذاته: "الجهل يؤدي بصاحبه إلى فعل أشياء غبية وتافهة ويندى لها الجبين"، أمّا ناشطة فقالت إنّ هؤلاء الشباب الذين يجعلون من الكباش أبطالًا لا يستحون، فتراهم سنة بعد أخرى. وتابعت في معرض حديثها: "يستعملون الكباش، للحرب والمناطحة والذبيحة..حتى الصدقة قليلة".

ومما يحرص عليه مروّضو الكباش، أنهم يعملون جاهدين طوال أشهر لتقديم نوعية جيّدة من الشعير والتبن والعلف لـ كباش المصارعة، حتى تكون قويّة، كما يعرضونها بصفات منتظمة على الطبيب البيطري وتلقيحها كلما استدعت الحاجة إلى ذلك، حماية لها من الأمراض، كما يولي أصحابها، عناية خاصّة بها تمس المظهر الخارجي من خلال جز صوفها وترك "لبدة" حول عنقها لتبدو كالأسود، كما أنّ بعضهم يخضب كبشه بالحناء وآخر يرسم على ظهر الكبش نسرًا أو صقرًا.. أو حيوانًا يُعرف بالقوّة.

وتبقى مصارعة الكباش، ظاهرة جزائرية ومغاربية بصفة عامة، يؤيّدها البعض ويستنكرها آخرون، فهناك من يرى أنّها هواية ورياضة هدفها الفرجة والتنافس الشريف، في حين يعتقد البعض الأخر أنّها بدعة تسيء للإسلام والمسلمين.