مهرجاناتٌ عالمية ولكنّها خطرة.. ما الفائدة من الموت؟
مهرجاناتٌ عالمية ولكنّها خطرة.. ما الفائدة من الموت؟
(مهرجان تاكاناكوي/ البيرو، الصورة: وكالة الأناضول)

يحظى الناس بكثير من المتعة عن طريق المهرجانات والاحتفالات، فهي وسيلة رائعة لإغناء الحياة ببعض المرح، أو التقرّب من الآلهة وإظهار الشجاعة والإيمان، لكن يفضّل الناس في بعض الأماكن من العالم المهرجانات المحفوفة بالمخاطر. وقد سمعنا كثيرًا عن أشخاص يقومون بأعمالٍ خطرة لدرجة الغباء، لكننا لم نتخيّل وجود مهرجانات عالمية تظهر فيها حماقة البشر بأوضح صورة.

نربط عادةً عيد الميلاد مع بابا نويل، تحقيق العدل والسلام على الأرض، أو النية الصالحة في التعامل مع البشر، لكن يحتفل الناس في بعض مناطق بيرو عن طريق فوضى عارمة من النزال بالأيدي. يقام مهرجان "Takanakuy" في الخامس والعشرين من شهر ديسمبر/ كانون الأول هناك حيث يسوي المشاركون نزاعاتهم ومظالمهم عبر تحدّي بعضهم بالضرب بالأيدي. يرتدي المقاتلون والجمهور على حدٍ سواء ثيابًا فلكلورية بحسب مناطقهم. لا تقلق، فالأمر تحت السيطرة مع السياط التي يحملها الحكّام ليحافظوا على استتباب الأمن خلال "المعركة". تعود أصول مهرجان "Takanakuy" إلى التقاليد المحليّة في الفترة ما قبل المسيحية، لكنّها بدأت تنتشر في السنوات الأخيرة على نطاقٍ واسع.

تقيم بلدة Vrontados اليونانية كل سنة تقليدًا خطيرًا وغير اعتيادي؛ حربٌ بالصواريخ بين كنيستين متناحرتين، كنيسة Agios Markos وكنيسة Panagia Erithiani لكن لحسن الحظ فإنّ هذه الحرب التي تتضمن إطلاق أكثر من 60,000 صاروخٍ صغير على أجراس الكنيستين هي حرب وهمية. تحدث هذه "الحرب" أو ما يعرف بمهرجان "Rouketopolemos" في الوقت الذي يُعقد فيه القدّاس في كلا الكنيستين، وتتلوّن السماء بالصواريخ لتعطيها منظرًا مميزًا، لكن للأسف تنحرف بعض تلك الصواريخ الصغيرة عن مسارها مسببةً بعض الإصابات، والأضرار المادية للأبنية، وفي أحيانٍ نادرة الموت. لا ندري صراحةً كيف بدأ هذا التقليد في تلك القرية لكنّ هناك كثيراً من الأساطير التي تفسّرها لعل أسطورة استخدام الصواريخ لإبعاد القراصنة عن شاطئها هي الأكثر قبولًا.

يفضّل بعضهم قضاء إجازاتهم في زيارة المتاحف والمطاعم بينما يفضّل بعض آخر قضاء عطلتهم فارّين من الثيران الغاضبة في شوارع مدينتهم. توجّه إلى مهرجان "Fiesta de San Fermín" في إسبانيا في شهر يوليو/ تموز إذا كنت من النوع الثاني لتجد أكثر من 2,000 شخص شجاع مصطفين في بداية مضمار يصل طوله إلى نصف ميل عبر شوارع المدينة. يبدأ "المرح" نحو الثامنة صباحًا بهروب الناس من ستة ثيران غاضبة تطاردهم.

لا تبلغ الإصابات ذلك الحد الذي تتوقّعه، لكنّ حوادث الدعس والنطح تحدث صراحةً. وما يدعو للاستغراب هو أنّ نصف المشاركين في هذا السباق هم من السيّاح ويمكن أن يعزى ذلك إلى وصف الكاتب العظيم إيرنست هيمنغواي في كتبه المختلفة لهذا المهرجان مثل "ثم تشرق الشمس" و"موت في الظهيرة".

ولا نستطيع مغادرة إسبانيا إلى بلدٍ آخر قبل الحديث عن مهرجان El Colacho. تمتلك بلدة Castrillo de Murcia أفكارًا مميزة في ما يتعلّق بالاعتناء بالأطفال وتربيتهم. تُعقد في هذه القرية منذ القرن السابع عشر مهرجانات سنوية يتمّ فيها وضع الأطفال الرضّع في الشوارع على قماشٍ كالفراش ليقوم أشخاصٌ يرتدون زيّ الشيطان بالقفز فوقهم. ليس الهدف من هذا المهرجان التسلية كما المهرجانات السابقة أو الإثارة حتى بل تطهير الأطفال من خطاياهم. لن تُلام إذا حبست أنفاسك حتى ينتهي "الشيطان" من القفز فوق الأطفال عند مشاهدة ذلك الأمر العجيب.

هل ترغب بمزيد من الحماسة والحرارة؟ توجّه إلى الهند، سيريلانكا، أو حتى سنغافورة في الفترة الممتدة بين شهري أكتوبر/ تشرين الأول ونوفمبر/ تشرين الثاني، لتشاهد مهرجان Theemithi.

يُعتبر هذا المهرجان مهرجانًا روحيًا للهندوس حيث يقوم فيه المؤمنون بالمشي على الجمر المشتعل للحصول على بركة الآلهة Draupadi. وبحسب الفكرة السائدة فإنّه لا تُحرق سوى أقدام الأشخاص غير الطاهرين. يلتزم المتّبعون والمشاركون بهذا المهرجانات حمية نباتية صارمة بالإضافة إلى طقوس معينة من الصيام قبل الحادثة وعلى حسب ما نراه فإنّهم ينجون حقًا دون أن يلحق بهم أي أذى.

إذا كنت ترى البرتقال من الأشياء المفيدة لجسمك ولصحتك فإنّ ذلك على الأغلب لأنّك لم تتعرّض لضربةٍ مباشرةٍ ببرتقالة على وجهك من قبل. تستضيف مدينة Ivrea الإيطالية في شهر فبراير/ شباط من كل عام معركة هائلة لتحاكي فيها الثورة الأسطورية التي حدثت في العصور الوسطى التي استطاعت فيها البلدة أن تطيح طاغية كان يعيث فيها فسادًا. تجرّ الأحصنة عرباتٍ مليئة بالبرتقال والممثلين الذي يمثّلون دور أتباع الطاغية الشرير إلى الساحة المحتشدة بجماهير من سكان القرية النبلاء الجاهزين لرمي البرتقال بشراسة، فيما يرتدي الأشخاص "الشريرون" زيًا واقيًا شبيهًا بزيّ لعبة الهوكي فإنّ النبلاء الواقفين على أقدامهم يرتدون ثيابًا معينة تقسّمهم إلى 9 فرق لكنّها لا تؤمّن لهم أي حماية من الضربات القوية. يحصل كثير من الإصابات بالجروح والكدمات، وما أصعب ذلك الشعور بسيلان عصير البرتقال على جرحٍ جديد. انتبه فإنّ هذا المهرجان ليس فوضى أبدًا ويراعي حقوق الحيوان، فهناك قواعد صارمة تمنع رمي البرتقال على الأحصنة منعًا باتًا.

يُعقد مهرجان Onbashira كلّ ست سنوات، وتعود أصوله إلى أكثر من ألف عام في منطقة Lake Suwa في اليابان. ويهدف هذا المهرجان إلى استبدال الأعمدة الخشبية الستة عشر الموجودة عند زوايا أبنية الضريح المقدّس Suwa Grand Shrine.

تُقطع أشجار التنوب المختارة بعناية في الجبال باستخدام أدوات تقليدية لقطع الأشجار ثم تنقل هذه الأشجار التي يبلغ طولها نحو 20 مترًا ويصل وزن الواحدة منها إلى 12 طنًا إلى المعبد دون استخدام الوسائل الآلية الحديثة.

يجب على الأشخاص أن يعملوا في فرقٍ كبيرة ليستطيعوا نقل هذه الأشجار عبر الجبال والأنهار. تكمن خطورة هذا المهرجان في طبيعته المخاتلة، يجب على المشاركين فيه نقل الأشجار مسافةً لا تزيد عن 10 كيلومترات. لكنّ الجزء الأكثر خطرًا هو نقل الأشجار عبر المنحدر إلى الأسفل، حيث يقوم المشاركون بإثبات شجاعتهم عن طريق امتطاء الأشجار بينما تندفع إلى الأسفل بسرعةٍ على الجرف المنحدر، مما يقود أحيانًا إلى إصاباتٍ قويةٍ أو حتى إلى الموت.

قد تعكس هذه المهرجانات حماقة الإنسان ومدى ضحالة فكره، وقد يراها بعضهم على أنّها إثبات عملي على قدرة الإنسان غير المحدودة عندما يؤمن بشيءٍ ويستميت من أجله. لكن ما الفائدة المرجوّة من الموت بينما تهرب من ثورٍ هائج أو تمطي شجرةً هائلة تقذف بك عبر المنحدر؟