الأعياد الوطنية في الجزائر.. محاكمة تاريخية أم "بروتوكول" إجباري؟
الأعياد الوطنية في الجزائر.. محاكمة تاريخية أم "بروتوكول" إجباري؟
(عشية الاستقلال/ الجزائر العاصمة، تصوير: ريبورترز أسوسيز)

تحيي الجزائر سنويًا عشرات المناسبات والأعياد الوطنية التي تخلد مسار ثورة التحرير الكبرى، يمرّ معظمها في صمت ودون انتباه يُذكر من قبل الشباب الجزائري الذي ينحصر تفاعله مع ذكرى اندلاع الثورة وعيد الاستقلال في أغلب الأحيان.


احتفالات في صمت
لم يسجّل الشباب الجزائري أي تفاعل يذكر بمناسبة الذكرى المزدوجة لأحداث الهجوم على الشمال القسنطيني في 20 أغسطس/آب 1955 ومؤتمر الصمام في اليوم نفسه، من سنة 1965، وهي إحدى أهمّ المناسبات الوطنية التي تخلّد مرحلة مهمّة في الثورة التحريرية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي الذي دام في الجزائر مدة قرن و32 سنة.

رغم تنظيم احتفالات على مستوى مختلف مناطق الوطن من قبل الجمعيات الثقافية والاجتماعية والمديريات والمؤسّسات العمومية، وتكريم المجاهدين المعروفين في كل ناحية، وزيارة مقابر الشهداء والترحّم على أرواحهم، إلا أن تفاعل الشباب ومشاركته في هذه المناسبات يبقى محدودًا جدًا ولا يسجّل أي حضور، وأحيانًا لا يتذكرون حتى المناسبة، بما في ذلك عيد النصر المصادف ليوم 19 مارس/آذار، ذكرى إعلان وقف إطلاق النار في سنة 1962، ومظاهرات 11 ديسمبر/كانون الأول 1960 التي تعد حدثًا تاريخيًا بارزًا في مسار ثورة التحرير. ويثير هذا الصمت التساؤل حول مدى ارتباط الشباب الجزائري بذاكرة ثورة التحرير وأهمّ محطاتها وأسباب عزوفه عن المشاركة في مثل هذه المناسبات التي تلقاها في المدرسة منذ المرحلة الابتدائية عن ظهر قلب. هنا يقول الشاب صهيب حجاب، (24 سنة) في حديث إلى موقع "جيل": "أرى أن طريقة الاحتفال بالأعياد الوطنية غير مجدية، الاحتفال الحقيقي يكون بترسيخ الثقافة التاريخية للأجيال والشباب وتعليمهم تاريخ أجدادهم لبناء نهضة الوطن، لكن للأسف في الجزائر المناسبات كثيرة وطريقة الاحتفال تكاد تكون بروتوكولية أكثر منها تخليدًا لذكرى تلك الأحداث المرتبطة بتاريخ بلادنا".


عطل رسمية
تبقى المناسبات الوطنية التي يتذكّرها الشباب الجزائري وينتظرها أيضًا، تلك التي تصادف عطلة رسمية مدفوعة الأجر في القطاعات العمومية بما فيها قطاع التعليم، على غرار عطلة أوّل نوفمبر/ تشرين الثاني، بمناسبة الاحتفال بإندلاع الثورة التحريرية سنة 1954، حيث ينصب الاهتمام بالعطلة أكثر منه بالحدث في العادة، الأمر نفسه يتعلق بمناسبة 5 يوليو/ تموز، عيد استقلال الجزائر سنة 1962، التي ترتبط بالعطلة في قطاع التربية وقطاع التعليم العالي أيضًا. وفي هذا الشأن تقول مريم الهادف، معلمة، (26 سنة) في حديث إلى "جيل": "المناسبة الوطنية التي أنتظرها عطلة الفاتح من نوفمبر وعطلة 5 جويلية، أما باقي المناسبات فلا أتذكرها إلا نادرًا".

من جهته يرجع الشاب عبد الرحمن مراد، عدم اهتمامه بالأحداث والمناسبات الوطنية إلى الخيبات التي يعيشها مثل أمثاله من الشباب والظروف الاجتماعية التي تحاصرهم، وينصب اهتمامه في قضايا السكن والعمل وغيرها، ويضيف: "أعتقد أنه في حال تخلصنا من خيبة الوطنية وتحسنت الظروف الاجتماعية والسياسية للبلاد سيعود اهتمام الشباب بالثورة وتمجيدها والاعتزاز برموزها".


تفاعل مرهون بقضية أخرى
في حالات نادرة يتفاعل الشباب مع المناسبات والأعياد الوطنية، ويحدث هذا التفاعل عندما تتزامن المناسبة مع قضية معينة تشعل مواقع التواصل الاجتماعي، كأن يتزامن تاريخ أوّل نوفمبر/ تشرين الثاني، اندلاع الثورة، مع زيارة مسؤول فرنسي للجزائر أو العكس، أو حتى انتقال الرئيس للعلاج في فرنسا، ما يدفع بمستخدمي الشبكات الاجتماعية إلى إطلاق حملة تنديد وتحسّر على تضحيات الشهداء من خلال تداول منشورات وتغريدات تعبر عن الخيبة والسخرية من الأقدار التي تضع مسؤولين يوصفون عادة بـ"غير الوطنيين" للتحكمّ في مصير الوطن الذي قدم تضحيات عظيمة لتحقيق الاستقلال.

ومن المناسبات التي تثير الكثير من الجدل، تزامن عيد الاستقلال، 5 جويلية، مع فترة حديث وزارة التربية عن إصلاحات بشأن استبدال اللغة العربية بالعامية في تدريس تلاميذ الأقسام التحضيرية، أو بخصوص زيادة عدد ساعات تدريس اللغة الفرنسية. وهنا ينفجر الشباب باستنكارهم للإصلاحات التي يصفونها بأنها تبعية للاستعمار ويربطونها مباشرة بعيد الاستقلال.


أنا لم أنسَ
ولعل من أبرز المناسبات التي سجّلت تفاعلًا قياسيًا كانت ذكرى الاحتفال باندلاع الثورة في سنة 2015، الذي شهد إطلاق حملة واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحت شعار "أنا منسيتش" بمعنى "أنا لم أنسَ"، من قبل الإعلامي والصحافي الجزائري المغترب حمزة دباح، وحققت الحملة تفاعلًا كبيرًا من قبل الشباب وتناقلتها وسائل إعلام وطنية وأجنبية، حيث تداول مستخدمو الشبكات الاجتماعية الشعار مرفوقًا بصور وقصص وحقائق عن الجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في حقّ الجزائريين، من تعذيب، إعدام، تجويع وحرق الأراضي، تدمير القرى واستهدافها بالقنابل.

وتزامن الاحتفال بالذكرى والحملة مع طرح "مطالبة فرنسا بالإعتذار عن جرائمها ضدّ الجزائريين"، حيث حاول النشطاء الشباب التذكير بالماضي الاستعماري الوحشي لفرنسا التي ترفض مطلب الاعتذار. وتحوّل شعار "أنا منسيتش" إلى رمز للوطنية والتذكير بجرائم فرنسا يتداوله الشباب الجزائري في الأعياد الوطنية بشكل متفاوت.

يمكن القول إن تفاعل الشباب مع المناسبات والأعياد الوطنية مرهون بحجم الخيبات التي يتعرّض لها بشكل متكرّر بسبب القرارات الوطنية التي تتخذها السلطات المسؤولة في البلاد، فتثير حفيظة الشعب وشعوره بالوطنية.



دلالات