'البودكاست" في الجزائر.. السخرية "عملة صعبة" على اليوتيوب
'البودكاست" في الجزائر.. السخرية "عملة صعبة" على اليوتيوب
(البودكاستر الجزائري دي زاد جوكر)


تحوّل عشرات الشباب الجزائريين من مختلف ولايات الوطن إلى نجوم بفضل الفيديوهات الساخرة التي يقومون بنشرها عبر اليوتيوب، حيث تسجل نسبًا عالية من المشاهدة والمتابعة.

تبدأ رحلة المدوّنين عبر الفيديو أو من يطلق عليهم اسم "بودكاستر" مع الشهرة، عن طريق المغامرة بفتح قناة على اليوتيوب مجانًا ونشر فيديو ساخر حول قضية من قلب الواقع الاجتماعي، ومن ثم رصد ردود أفعال المشاهدين وتفاعلهم مع المنشور.

ويستمرّ بعدها المدوّن بنشر الفيديوهات الفكاهية التي قام بتسجيلها وحصد عدد أكبر من المتابعين والمشاهدين ليتحوّل بعد ذلك إلى نجم مبدع تحظى منشوراته بنسب متابعة عالية تتعدّى ربع مليون متفاعل ومشترك في قناته ينتظرون آخر ما أبدع من فيديوهات والاستمتاع بمشاهدتها.


شباب بأسماء مستعارة
ويشترك من يعرفون باسم "البودكاستر" في مجموعة من الصفات، حيث إن أغلبهم من الشباب والمراهقين ومنهم الأطفال الذين لا يتجاوز عمرهم 12 سنة، بالإضافة إلى اشتراكهم في اختيار أسماء شهرة مستعارة تتميّز لدى الغالبية بالغرابة بحيث تكون مركبة وتحتوي على كلمات بأكثر من لغة، مثل "طوني منير"، "حبيبو الميزاجي"، "مستر أكس"، بينما يختار آخرون ألقاب شهرة مثل المدون شمس الدين عمراني المعروف باسم "ديزاد جوكر"، وأنس بوزغب المعروف باسم "أنس تينا". لكن هذا لا ينفي وجود مدوّنين آخرين يفضلون استخدام أسمائهم الحقيقية كاملة في قنواتهم على اليوتيوب، على غرار رزقي قدور ويوسف زروطة الذي تحظى قناته بمئات الآلاف من المشتركين.


ممّ يسخرون؟
عندما تسمع أو تقرأ عن شاب أو مراهق مازال في الخامسة عشرة من العمر، يملك في قناته الساخرة على اليوتيوب مئات الآلاف من المشتركين وتسجّل فيديوهاته الساخرة ملايين المشاهدات في فترة قصيرة، ينتابك الفضول عن المحتوى الذي صنع هذا الاهتمام، ويتبادر إلى ذهنك سؤال واحد "ممّ يسخر هذا الشاب؟". الإجابة الدقيقة عن هذا السؤال هي "من كل شيء".

لا يمكن إدراج أو تصنيف نوعية المواضيع التي يتناولها المدوّنون عبر الفيديو في الجزائر بسبب تنوّعها لتشمل كل جوانب الحياة الاجتماعية، السياسية، الظروف الاقتصادية، الأحداث الرياضية والثقافية وكل ما يخطر على البال. إنهم لا يفوّتون شيئًا، ينتقدون بطريقة هزلية البرامج التلفزيونية، الإعلاميين وضيوفهم، الفنانين، السياسيين، الرياضيين، التقاليد الاجتماعية والثقافية، الأفراح والحفلات والجنائز أيضًا والبدع الدينية.

غير أن هذا النقد لا يحدث في العادة بشكل مشتت؛ فهؤلاء المدوّنون يحرصون في اختيار مواضيع فيديوهاتهم على مواكبة المستجدات والتطوّرات الحاصلة في الساحة الوطنية بشكل خاص، من خلال رصد آخر الأخبار، الأحداث المهمّة والمناسبات واستغلالها لكسر التابوهات وإبداء آرائهم بشكل واضح وصريح والتعبير عن المشاعر والمواقف وكذلك الأزمات التي يعيشونها مثل غيرهم من الشباب والمراهقين. ومن الأحداث التي لا يفوّتها مدونو الفيديو "الإعلان عن ملكة جمال الجزائر"، الفوز بالبطولة الوطنية لكرة القدم، فضائح الغش وتسريب الأسئلة في امتحان البكالوريا وخاصّة ضعف خدمة الإنترنت وانقطاعها المتكرّر.


منافسة قوية لجذب المتابعين
في عالم "البودكاستر" لا تتخيّل أنه بمجرّد تسجيل فيديو ساخر عن أي موضوع مما سبق ذكره ونشره عبر قناتك الخاصة في اليوتيوب سيحوّلك ذلك إلى نجم. المغامرة بالدخول في هذا المجال تحتم على الشاب أو المراهق أن يقدّم منتجًا أصليًا، بمعنى أن ألا يكون الفيديو قد تم أخذه من جهة أخرى لأنه في هذه الحالة سيقوم اليوتيوب بحذفه وربّما حذف القناة بسبب عدم احترام حقوق الملكية الفكرية، بالإضافة لذلك فإنه سيكون مطالبًا بالإبداع والتجديد ورفع مستوى السخرية إلى الدرجة التي يمكنه من خلالها جذب المشاهدين والاحتفاظ بهم أيضا لأنه قد يفقدهم في أي لحظة إذا شعروا بالملل.

ولكل مدوّن طريقته في عرض فيديوهاته، غير أن أغلبهم يلجؤون إلى تصويرها في بيوتهم ويتقمّصون فيها دور أكثر من شخصية واحدة مع التركيز على الحوار والاستعانة بالشواهد والأمثلة كإدراج تصريحات، صور، مقاطع تعليقات لبعض الأطراف وغيرها.

وتخضع متابعة الشباب لقنوات "البودكاستر" والتفاعل معها إلى مستوى إبداعهم ومدى جرأتهم في السخرية وطريقة تحقيق ذلك، وهي العوامل التي تجذبهم إلى مدوّن على حساب آخر. هنا تتحدّث نورهان (17 سنة) لموقع "جيل": "أتابع فيديوهات أحد المدوّنين من مدينة وهران، تعجبني طريقة سخريته من عادات الشباب والمراهقين وعلاقاتهم العاطفية" وتضيف: "أنا من العاصمة وأجد متعة كبيرة في متابعته، في رأيي أن لهجته المختلفة أيضًا لها نكهة خاصة وتضحكني جدًا". من جهته يقول نصر الدين، (25 سنة) في حديث إلى "جيل": "أتابع الفيديوهات السياسية الساخرة، جرأتهم في طرح القضايا تمتصّ غضبي".

وبحسب شهيناز عيساوي (28 سنة) مختصّة في علم النفس، فإن متابعة الشباب للفيديوهات الساخرة ترجع في الأساس إلى تعطشهم للنقد الجريء والسخرية الحادة من الأوضاع التي يعيشونها والتي لا يجدونها عادة في البرامج الفكاهية التلفزيونية.

إن ما يقدّمه المدوّنون في الجزائر من مواد ساخرة عبر اليوتيوب ينطبق عليه تمامًا المثل الشعبي القائل "همّ يبكّي وهم يضحّك". بمعنى أن من الهموم ما يبكي ومنها ما يضحك أيضًا.


حرية تعبير أو جمع المال
ظلت النظرة السائدة، وتقريبًا الوحيدة، التي يحملها المتابعون الجزائريون عن المدوّنين ونجومهم على اليوتيوب هي على أساس أنهم "شباب مثلنا، بسطاء، موهوبون، وجدوا فضاء للتعبير والسخرية بحرية تامة فأبعدوا وأمتعونا معهم".

بدأت تزاحم هذه النظرة، فكرة أخرى "إن هؤلاء يربحون أموالًا بفضل ما نتابعه من فيديوهاتهم"، وذلك بعد النجاح الكبير الذي حقّقه المدون الشاب شمس الدين عمراني، المعروف باسم "دي زاد جوكر"، في شهر مايو/أيار سنة 2017، من خلال فيديو "مانسوطيش"، عندما تناول أسباب مقاطعة الانتخابات التشريعية بسخرية ورمزية بالغة تصوّر مظاهر البؤس الذي يعيشه الشباب الجزائري. وهو الفيديو الذي حقّق مليوني مشاهدة في ظرف يومين فقط من عرضه، وفتح ملف كم يكسب المدونون من أموال؟

واشتدّ الجدل حول الموضوع، حيث ذهبت وسائل إعلامية إلى تقدير مداخيل الشاب شمس الدين بما يقارب 17 ألف دولار شهريًا، في حين اعتبر مختصّون في تكنولوجيات الاتصال عن بعد أن هذا الرقم مبالغ فيه جدًا، وأنه من الصعب كسب أموال كبيرة من خلال الفيديوهات، موضحين أن مؤسسة اليوتيوب تشترط أن يصل عدد مشتركي القناة إلى 10 آلاف مشترك، من أجل فتح حساب لربح الأموال عن طريق طريق الإشهار أو عن طريق المشاهدات، وهذه المبالغ تكون محدودة.

ويبقى نجوم اليوتيوب في الجزائر يحصدون المتابعين ويبدعون في السخرية من الأوضاع الاجتماعية للبلاد. يذكر أن موقع "العربي الجديد" كان قد نشر مطلع سنة 2016، قائمة بأشهر 16 شابًا "بودكاستر" من المغرب العربي، من بينهم 5 جزائريين ينتقدون الحياة العامة بشكلٍ ساخر ويحقّقون ملايين المشاهدات.