منذ 2006 حتى اليوم.. حكاية أزمة الكهرباء في غزة
(في رفح، 2006)
تقارير ولقاءات
منذ 2006 حتى اليوم.. حكاية أزمة الكهرباء في غزة
16 يوليو 2017
منذ أكثر من عقد، يواجه سكّان غزّة واحدةً من أكبر أزماتهم؛ أي أزمة الكهرباء. ولعلّها واحدة من أقسى وأسوأ الأزمات التي يعاني منها القطاع، كونها تصيب كافة مناحي الحياة وكافة سكّانه؛ فكل شيءٍ تقريبًا يعتمد بشكل رئيسي على اتصالها. من أسرّة المستشفيات مرورًا بالحاجات البيتية ووصولًا لشبكة الإنترنت التي تغذي أكثر من ثلثي القطاع. كيف بدأت الأزمة؟ وما هي مراحلها؟ من المتسبب فيها؟ ولماذا هناك تغييب للحلول؟


بداية الأزمة
2006
حتى منتصف عام 2006، كان قطاع غزة يتمتع بساعات كهرباء متصلة مع انقطاع طفيف قد يصل لساعة واحدة أسبوعيًا. في فجر 25 يونيو/حزيران 2006 استهدفت عملية قوة إسرائيلية مدرعة من لواء جفعاتي كانت ترابط ليلًا في موقع كيريم شالوم العسكري التابع للجيش الإسرائيلي على الحدود بين مدينة رفح الفلسطينية وإسرائيل. حيث نجح عدد من المقاتلين الفلسطينيين من التسلل عبر نفق أرضي كانوا قد حفروه سابقًا تحت الحدود إلى الموقع الإسرائيلي؛ ما ساعدهم في مباغتة القوة الإسرائيلية.

انتهى هذا الهجوم بمقتل جنديين وإصابة خمسة آخرين بجروح، وأسر الجندي جلعاد شاليط ونقله إلى مكان آمن في قطاع غزة. ومن جملة الردود على هذه العملية التي أصابت دولة الكيان بالجنون، كانت ضرب محطة توليد الكهرباء الوحيدة في قطاع غزة بتاريخ 28 يونيو/حزيران، وهو ما شكّل بداية أزمة ظلت تلاحق سكان القطاع كشبحٍ يلاحق قاتله مسببًا لهم العديد من المشاكل.




تطور الأزمة
2009
بلغت قيمة الأضرار الناجمة عن القصف الإسرائيلي للمحطة حوالي ستة ملايين دولار، وبقيت المحطة في حالة توقف بسبب ذلك القصف إلى أن تم إصلاحها جزئيًا وإعادتها للعمل عام 2009. بعد عملية الإصلاح الجزئي لمحطة توليد الكهرباء في غزة، بدأ الاتحاد الأوروبي بتمويل تكاليف الوقود المشغّل للمحطة؛ ما جعل المحطة تنتج حوالي 60 إلى 65 ميغا وات شهريًا.

ولكن في نهاية نفس العام، أخذ الاتحاد الأوروبي يحول الأموال إلى خزينة وزارة المالية برام الله لكي تقوم بدفع التكاليف ثمن الوقود، وهو ما كان سببًا في تقليص كمية الوقود الذي تدفع السلطة ثمنه، وعليهِ، تقليص في كمية الكهرباء التي تولدها المحطة إلى 30 ميغا وات شهريًا.


2014
حسب تقرير سلطة الطاقة الفلسطينية عام 2014، فإن احتياجات القطاع من الكهرباء تبلغ 400-500 ميغا وات وتصل إلى 600 ميغا وات في ذروة استخدام الكهرباء في فصلي الشتاء والصيف بسبب الحاجة على التدفئة أو التبريد. وما يتوفر لدى المحطة من كهرباء من جميع الأطراف (خطوط مصرية وإسرائيلية) بالإضافة كهرباء المحطة يصل فقط إلى 250 ميغا وات، أي أن عند أقصى طاقة للمحطة يكون هناك عجز يصل إلى 50%، وعند إطفاء المحطة يصل العجز إلى 70%.

الخطوط المغذية للمحطة: مصر 6% وإسرائيل 27% والمحطة نفسها 22% والباقي عجز، وهذا طبعًا في حالة توفر الخطوط المصرية والإسرائيلية كاملة من دون أي تعطيل أو تخفيض في كمية الكهرباء.

وبالنسبة لتوزيع ساعات الوصل والقطع، فذكرت سلطة الطاقة في تقريرها، أنه وعندما يصل العجز إلى 70%، فإن الجدول يكون ست ساعات وصل مقابل اثنتي عشرة ساعة قطع وهو أمر كان يحصل بشكل متفرق في السنوات الماضية وصولًا إلى عام 2016 حيث صار أمرًا يحصل بشكلٍ مستمر. أما إذا كان العجز 50%، فإن وضع الكهرباء يعود للطبيعي الذي اعتاد عليهِ سكان القطاع وهو ثماني ساعات وصل مقابل ثماني ساعات قطع.

وحسب نفس التقرير، أفادت سلطة الطاقة، بأنه ولتشغيل المولدات والتزامه بجدول ثماني ساعات، فإن حاجة المحطة تصل إلى 45.9 مليون شيكل شهريًا (شامل نصف الضريبة)، وهو ما يشكل أزمة حقيقية في تحصيل المبلغ في ظل التوترات المستمرة بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس في غزة.

قبل عام 2013، كان يتم تهريب وقود المحطة عبر الأنفاق على الحدود المصرية-الفلسطينية إلى غزة، وكان أغلب سعر هذا الموقود مدعومًا، ولكن وبعد أحداث 31 يونيو/حزيران في مصر، اختلفت سياسة الرئاسة المصرية وكانت هناك حملة قوية ضد الأنفاق في المنطقة الحدودية، ما أدّى في نهاية الأمر إلى تقليص ثم إيقاف دخول البضاعة والوقود المهرب إلى قطاع غزة من الجانب المصري، وهذا أدّى إلى عودة عمل محطة توليد الكهرباء في غزة بشكل جزئي اعتمادًا على الوقود القادم من دولة الكيان والتي تفرض عليها رسوم استيراد عالية.

وعلى الرغم من أنّ حركة حماس هي التي تحكم غزة، إلا أنها تعتمد بشكل رئيسي على السلطة الفلسطينية في دفع فاتورة الخطوط الإسرائيلية وتمويل ثمن وقود محطة التوليد. ويتم تمرير رسوم استيراد شراء الوقود من غزة عبر إسرائيل إلى السلطة الفلسطينية؛ ما يجعل حماس تعتمد على السلطة الفلسطينية في دفع الضرائب والرسوم، وأيضًا السلطة الفلسطينية وليست حماس هي من يقوم بدفع تكلفة الخطوط الكهربائية المغذية لغزة من إسرائيل ومصر.

في مارس/آذار 2014، برزت أزمة الضريبة المفروضة على وقود محطة التوليد، مع إصرار حكومة التوافق الفلسطينية في رام الله على تحصيل هذه الضريبة في ظل أزمات القطاع، ما زاد من حدة الأزمة وفاقم من معاناة السكان، حيث بلغت قيمة الضريبة في بالمجموع الكلي بعد نهاية عام 2014 تقريبًا 169.3 مليون شيكل إسرائيلي، والتي كانت لتسهم في زيادة الكهرباء وساعات الوصل إذا تم توجيهها لشراء الوقود بدلًا من وتوجيهها لخزينة السلطة الفلسطينية.





2017
هذا العام وفي بدايته، توقفت المحطة عن العمل وكان هناك تعطل في الخطوط الإسرائيلية المغذية للقطاع بسبب الأحوال الجوية السيئة، ووصل العجز مُجددًا إلى أكثر 70% بدايةً ليكون الجدول ست ساعات وصل مقابل اثنتي عشر ساعة قطع، ثم تدهور أكثر مع تعطل أحد الخطوط ليصل ثلاث ساعات وصل مقابل أكثر من ثماني عشرة ساعة قطع، وهو ما أجج غضب الناس على الوضع في ظل البرد القارس الذي كان يضرب القطاع في تلك الفترة، وفي الثاني عشر من يناير/كانون الثاني كان هذا سبب في خروج الناس للشوارع احتجاجًا على استمرار أزمة الكهرباء المتفاقمة والتي وصلت إلى حد لا يتحمله سكان القطاع المحاصرين للعام العاشر على التوالي.

أطلق المتظاهرون الغاضبون في جباليا والمغازي وعدة مناطق أخرى هتافات منددة باستمرار المشكلة، حيث لا تزيد عدد ساعات توافر الكهرباء في بعض المناطق عن ثلاث ساعات يوميا فقط؛ وهي لا تلبي حاجات المواطن الأساسية.

ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها مطالبات بالحياة الكريمة وإعادة الكهرباء إلى قطاع غزة، وطالبوا بإقالة رئيس شركة الكهرباء في قطاع غزة الشيخ خليل. كانت المظاهرات في غزة أمرًا مفاجئًا لكل الأطياف، وكان هناك خوف من أن تكبر وأن تتسبب بأزمة لحكومة غزة بالمقام الأول، والتي قامت بقمع هذه المظاهرات بالقوة وعملت في وقت لاحق على ملاحقة المنظمين الشباب لها، مثل محمد التلولي وعامر بعلوشة الذي تم اعتقاله قبل أكثر من أسبوع من سلطة حماس بتهمة "إساءة استخدام التكنولوجيا"، وأفرج عنه اليوم.

المظاهرات في غزة في ذلك الوقت، دفعت قطر للتبرع بالمال لغزة لشراء الوقود ما يكفيها لمدة 3 أشهرٍ بمبلغ 12 مليون دولار. وقالت "اللجنة القطرية لإعمار قطاع غزة"، في بيان صحافي، إن رئيس اللجنة، السفير محمد العمادي، اتصل هاتفيًا بالقائم بأعمال رئيس سلطة الطاقة الفلسطينية ظافر ملحم، وأبلغه بتعهد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بدفع مبلغ 4 مليون دولار شهريًا ولمدة 3 شهور، لدعم قطاع الكهرباء في غزة.


وأوضح أن التبرع جاء بهدف "التخفيف العاجل من معاناة أهالي القطاع". هذه المنحة القطرية ساعدت في تغطية جزء من العجز على طول شهر يناير وفبراير ومارس الذي أعادَ الجدول لوضعه الطبيعي (ثماني ساعات وصل مقابل ثماني ساعات قطع). ولكن ومجددًا وفي منتصفِ شهر أبريل، وبعد انتهاء المنحة القطرية والمنحة التركية، عادت الأزمة من جديد لتضرب القطاع، حيث رفضت المحطة شراء الوقود بسبب ارتفاع قيمة الضريبة. هذا الأمر جعل العجز يعود لحالتهِ الأولى، ليجعل لغزة موعدًا دائمًا مع جدول ست ساعات وصل مقابلة اثنتي عشرَ ساعة قطع، والذي لم يستمر طويلًا. ووقتها حمّلت حماس المسؤولية للسلطة الفلسطينية لأنها رفضت إلغاء الضرائب المفروضة على الوقود (تفرضها إسرائيل بموجب بروتوكول العلاقات الاقتصادية وتمررها إلى السلطة الفلسطينية) في حين أن عائدات نفس الضرائب لا تصل إلى غزة. وتدعي السلطة الفلسطينية أن مسؤولي حماس في غزة غير قادرين على إدارة المحطة بكفاءة.

وقامت السلطة الفلسطينية بإبلاغ إسرائيل يوم 27 أبريل/نيسان 2017 بأنها ستتوقف عن دفع ثمن إمدادات الكهرباء لغزة، وذكر بيان صادر عن وحدة الاتصال العسكري الإسرائيلي أن السلطة الفلسطينية أبلغتهم أنها ستوقف فورًا سداد ثمن الكهرباء الذي تمد به إسرائيل غزة عبر عشرة خطوط للكهرباء، تنقل 125 ميغا وات أو ما يعادل نحو 30% من احتياجات غزة من الكهرباء. وحينها صرّحت إسرائيل، بأنها لن تتوقف عن إمداد غزة بالكهرباء، وبل وأعلنت بأنها ستبحث عن طرف آخر ليقوم بدفع تكلفة تشغيل هذه الخطوط.

لاحقًا، قررت السلطة تقليص المبلغ الذي تدفعه لإسرائيل مقابل تزويد قطاع غزة بالكهرباء بنسبة 40%. وتحصل إسرائيل من السلطة الفلسطينية على أربعين مليون شيكل (11 مليون دولار) شهريا مقابل الكهرباء، وتحسم المبلغ من تحويلات عوائد الضرائب الفلسطينية التي تجمعها إسرائيل نيابة عن السلطة.

وفي مساء يوم الإثنين الموافق 12 يونيو /حزيران 2017، وافق المجلس الوزاري الأمني والسياسي المصغر في حكومة الاحتلال، على تقليص إمدادات الكهرباء لقطاع غزة بناء على طلب سابق لرئيس السلطة وحركة فتح محمود عباس.

وبعد رفض السلطة الفلسطينية دفع رسوم الكهرباء في غزة وطلبها بتخفيض الكهرباء، قامت إسرائيل بتخفيض إمدادات غزة في مايو/أيار ويونيو/حزيران 2017، قائلة إن مشكلة الكهرباء حاليًا مسألة فلسطينية داخلية وإنها تقوم بما يُطلب منها. وقد حذّر الجيش الإسرائيلي والأمم المتحدة في وقتٍ لاحقٍ من أن أزمة الكهرباء والأزمة الإنسانية الناتجة عنها بأنها قد تدفع غزة إلى بدء الأعمال العدائية العسكرية. ووصفت حماس قرار إسرائيل بأنه "خطير وكارثي"، مما يهدد بتجديد العنف.

ما قام بهِ عبّاس، كان إجراءً واحدًا من سلسلة إجراءات صارمة ومجحفة بحق سكّان القطاع، مستخدمًا إيّاهم كورقة ضغط على حركة حماس. ابتدأت جملة هذه الإجراءات باقتطاع نسبة 30% من رواتب أكثر من 60 ألف موظفٍ يحصلون على دخلهم من السلطة الفلسطينية منذ أن طلبت منهم أن يتوقفوا عن العمل بعد أحداث 2007 في قطاع غزة، وإيقاف العديد من المعونات المالية من وزارة الشؤون الاجتماعية عن أسر الشهداء والأسرى وأيضًا إحالة الكثير من الموظفين في قطاع غزة إلى التقاعد، ووصولًا إلى أزمة الكهرباء الأخيرة.

ونقلت صحيفة الحياة عن مسؤول فلسطيني رفيع قوله: "إن السلطة طلبت رسميًا من إسرائيل، نهاية شهر أبريل، وقف اقتطاع ثمن استهلاك الكهرباء من عائدات الجمارك التي تجبيها الدولة العبرية من المستوردين الفلسطينيين عبر الموانئ والمعابر التي تسيطر عليها".


وتابع: "نحن ندفع بدل استهلاك الكهرباء الإسرائيلية في غزة، بينما تقوم حركة حماس بجباية الأموال من المستهلكين وتحول الأموال الى موازنتها". وأشار المسؤول إلى أن السلطة قررت وقف تمويل حماس في غزة. حيث تعمل السلطة على دفع حاجات غزة من الكهرباء منذ أحداث الانقسام بقدر استطاعتها، في النفس الوقت الذي تقوم بهِ حكومة حماس بجباية المال من الناس في غزة ولا تقوم بتوجيهها إلى خزينة السلطة. وهو ما يولّد عجزًا في المصروفات مقابل الواردات. وقال القيادي في حركة فتح يحيى رباح لموقع دنيا الوطن: "السلطة تدفع ثمن وقود المحطة وتدفع أثمان الخطوط الكهربائية التي تمد القطاع لإسرائيل ومصر، ورغم ذلك تقوم حركة حماس بجباية الملايين لحسابها الخاص، من دون أن تحول تلك الجبايات لخزينة السلطة التي هي تحكم الوطن، يكفي ذلك نحن لا نريد أن يستمر هذا الوضع".

بعد اشتداد الأزمة من جانب السلطة الفلسطينية ومن جانب دولة الكيان، وبعد الحصار الذي فرض على قطر، ارتأت حماس، أن تجد لنفسها أصدقاء جددًا يساعدونها في أزمتها الحالية، مثل محمد دحلان ودولة مصر. حيث خرج وفد من قطاع غزة إلى القاهرة لبدأ تفاهمات حول العلاقة بين غزة ومصر بشكل عام ووضع الكهرباء وغيرها من الملفات التي كانت مغلقة قبلًا. وكان نتاج هذه التفاهمات هو إدخال أكثر من 700,000 لتر سولار مصري إلى غزة عبر شاحنات من معبر رفح البري، وقد دخلت هذه الشاحنات وهي تحمل علميّ فلسطين ومصر.

وحسبما أفادَ مدير هيئة البترول بقطاع غزة خليل شقفة، فإن الوقود الذي دخل لم يكن حصرًا لمحطة التوليد، وإنما أيضًا لمحطات بيع الوقود للحاجات الأخرى مثل السيارات وغيرهُ، وتم بيع السولار المصري بسعر أرخص من السولار الإسرائيلي في المحطات، وهو الأمر الذي خفف على السائقين إلى حدّ ما، ولكنه لم يخفف من أزمة الكهرباء في شيء. ويأتي هذا الوقود بديلاً عن الوقود الذي كانت ترسله الحكومة الفلسطينية عبر معبر "كرم أبو سالم"، الرابط بين غزة وإسرائيل، وتوقفت عن توريده بعد رفض حماس دفع الضرائب المفروضة عليه، وهو ما أدى إلى توقف محطة توليد الكهرباء عن العمل. ويتزامن دخول الوقود المصري مع بدء إسرائيل بتقليص إمداداتها من الكهرباء لقطاع غزة، حيث خفضتها في منتصف يونيو الجاري بـ 24 ميغا وات.

كانت إسرائيل، قبل بدء تنفيذ قرارها، تمد غزة بنحو 120 ميغا وات من الكهرباء (من أصل 450 ميغا وات يحتاجها القطاع)، وتعد حالياً المصدر الرئيسي للطاقة بعد توقف محطة الكهرباء عن العمل. هذا التقليص من الجانب الإسرائيلي يلغي أهمية الوقود المصري، حيث لا زالت ساعات وصل وقطع الكهرباء كما هي ولم تتحسن، بل ووصلت إلى الأسوأ.

في 12 يوليو/أيار 2017، أعلنت محطة توليد الكهرباء في غزة توقفها الكامل والاعتماد على المتوفر من الخطوط المصرية والإسرائيلية وهو ما يعني انقطاع الكهرباء أكثر من 24 ساعة مقابل ثلاث ساعات وصل (كل 48 ساعة، يوجد ثلاث ساعات وصل فقط)، وهو الأمر الذي يهدد جميع مناحي الحياة في غزة ويؤدي إلى انهيار العديد من الأمور التي تعتمد على اتصال الكهرباء مثل المستشفيات وشركات الاتصالات والإنترنت التي تعتمد مقاسمها على بطاريات بحاجة إلى شحن كل ثماني ساعات، وفي حال غياب الكهرباء، ينقطع الإنترنت عن المناطق التي تنقطع عنها الكهرباء، وهو ما يؤثر سلبًا على نسبة ليست بسيطة من شباب القطاع الذين يعتمدون على الإنترنت كمصدر دخل رئيسي في ظل ارتفاع نسبة البطالة بسبب الحصار المفروض.

طبعًا، أدّى هذا التوقف بعد إعلان شركة الاتصالات الفلسطيني بالتل احتراق وتعطل أحد أكبر مولداتها الكهربائية بسبب الضغط الزائد على المولد والعمل لساعات طويلة فوق طاقتهِ وهو ما قطع الإنترنت وقتها عن 18,000 مشترك إنترنت في مدينة غزة. وقالت الشركة في بيان لها، أن استمرار أزمة الكهرباء، قد يهدد نهاية الأمر بفصل خدمات الإنترنت عن كامل القطاع.

في 13 يوليو أيار ،2017 دخلت إلى غزة 25 شاحنة محملة بالوقود المصري، ما جعل سلطة الطاقة تعلن في اليوم التالي استئناف تشغيل محطة الكهرباء بعد وصول دفعات جديدة من الوقود، وتحسن تدريجي على فترات الوصل بعد عودة أحد الخطوط المصرية المعطلة.

هذا التحسن طبعًا يعني العودة إلى جدول ثلاث ساعات وصل مقابل اثنتي عشر ساعة قطع. وأيضًا أعلنت كهرباء رفح في اليوم نفسه عودة خط كهرباء "فلسطين" المغذي للمدينة بـ 10 ميغا وات، وبقاء خطي غزة 1 و2 معطلان وهما يغذيان غزة ب 17 ميغا وات مع العلم بأن هذه الخطوط الثلاثة قادمة من مصر. وأيضًا في نفس اليوم تم إدخال مُولد كهربائي للاتصالات الفلسطينية وذلك عقب احتراق أحد مولدات الشركة؛ ما تسبب بانقطاع خدمة الإنترنت لأربعة أيام عن عدد كبيرٍ من المشتركين في مدينة غزة.

في 14 يوليو/أيار 2017، تم تشغيل المولد الثالث بالمحطة لتنتج بالمحصلة 70 ميغا وات، ولكن هذا يأتي في ظل وصول تقليص دولة الكيان للكهرباء الواردة إلى غزة إلى 50 ميغا وات (من أصل 120 ميغا وات). أي أن محصلة ما يدخل إلى القطاع من كهرباء (خطوط مصرية وإسرائيلية) بالإضافة ما تولده المحطة يصل بالكاد إلى 28% من احتياج القطاع للكهرباء، ما يجعل جدول الكهرباء لهذه الأيام وكما جربه الناس بغزة في تاريخ 15 يوليو/أيار أربع ساعات وصل مقابل ثماني ساعات قطع.

بين هذا الذي يلقي التهمَ على ذاك، وذاك الذي يتهم هذا، يضيع الشعب؛ فحماس ترفض أن تتنازل وترفض حل اللجنة الإدارية في قطاع غزة، وعبّاس يصعّد على حماس بالتضييق على القطاع. ومهما قلنا إن الطرفين مُخطئان، يبقى للطرف الذي يعتبر أن همه الشعب أن يتنازل أولًا؛ فحكومة حماس التي تدّعي أنها مسؤولة عن القطاع، إلا أنها فشلت مرحليًا في حل مشاكلهِ الكبرى منذ سيطرتها عليه.

لا يتوقف فشل إدارة غزة على هذه النقطة، بل التردد في جباية الكثير من الأموال مقابل الكهرباء التي تستهلكها المساجد ولا تدفعها وزارة الأوقاف في المقابل، حيث يصل استهلاك المساجد في قطاع غزة شهريًا إلى 200,000 شيكل. وقال الناطق الرسميّ باسم شركة توزيع كهرباء محافظات قطاع غزّة طارق لبّد لموقع الـ "مونيتور": "إنّ المساجد والمؤسّسات الحكوميّة الموجودة في قطاع غزّة تدفع لشركة الكهرباء مقابل استهلاكها الكهرباء عبر نظام ما يسمّى بالمقاصّة"، بمعنى أنه يتمّ خصمها من الضرائب المفروضة من قِبل الحكومة على شركة التوزيع في قطاع غزّة. وأضاف مقلّلًا من القيمة الحقيقية للمبلغ: "المبلغ الذي يترتّب على المساجد في قطاع غزّة لا يتجاوز المئتي ألف شيكل ولا يشكّل أيّ حل في موضوع مشكلة الكهرباء، خصوصًا أنّ هذا المبلغ لا يشتري وقود لتشغيل المحطة لأكثر من ساعة".

يُشار إلى أن هناك الكثير من الحلول التي تم تقديمها لحل مشكلة الكهرباء سواء من طرف الضفة أو من شباب في قطاع غزة ولكن تم تجاهلها كاملة، بل وإن أموال المنح التي كانت تأتي للوقود، كانت تكفي لشراء مولدات حديثة أو تكفي لحل المشكلة جذريًا، لكن وعلى كل الأصعدة والكل يعرف، أن أزمة الكهرباء في قطاع غزة، هي أزمة سياسية بالمقام الأول، وليست اقتصادية.

يبقى الأمر معلقًا في أعناق الأطراف المتخالفة سياسيًا، فلا بد من أن تحل هذه المشكلة القاتلة في مثل هذه الأجواء الحارة، وألّا يضعوا الشعب بينهم في صراعاتهم. هذا الشعب الذي عانى ثلاث حروبٍ كانت كل واحدة منها أقسى من أختها، وعانى من 11 عامًا من الحصار القاتل وإغلاق المعابر ومنع من السفر والترحال. والذي يعاني الآن من أزمات تتوالى أولها الكهرباء، وليس آخرها تلوث البحر بمخلفات الصرف الصحي غير المعالجة.

من يدري ماذا سيحصل لاحقًا؟ هل سيصل القطاع إلى نقطة الانفجار؟ هل سيتم حل المشكلة؟ هل سيتم تخدير الشعب بحلول مؤقتة غير جذرية؟ هل سيتجاوز أكبر فصيلين فلسطينيين طفولتيهما السياسية ليجلسا على طاولة واحدة وليقدما مصلحة المواطن على مصالحهم الفردية؟ كل هذه الأسئلة لا إجابة لها إلا المستقبل القادم وحسب.