الوحدة الأفريقية.. الطريق الذي ينتهي إلى رمال الصحراء
الوحدة الأفريقية.. الطريق الذي ينتهي إلى رمال الصحراء
(بني عباس، ولاية بشار الجزائرية، تصوير: دي غوستيني)
في بدايات 2017، أعلنت الحكومة الجزائرية عن إتمام إنجاز آخر شطر من طريق الوحدة الأفريقية على التراب الجزائري، المشروع "الفخر" الذي يربط العاصمة الجزائرية بـ لاغوس عاصمة نيجيريا. ولكن رغم الإنجاز الفعلي للمشروع، فإن عدم نشوء النشاط الاقتصادي الذي خطط للمشروع من أجله، يجعله يبدو كالسراب أو الحلم الضائع.


فكرة المشروع
تعود فكرة مباشرة المشروع إلى الرئيس الراحل هواري بومدين في وقت كانت الوحدة الأفريقية تمثّل أولوية لبلدان القارّة، وكانت الجزائر رائدة في هذا التوجّه؛ حيث إن ربط لاغوس بطريق مباشر بالجزائر العاصمة من أجل نقل البضائع المصدّرة إلى أوروبا والمستوردة منها، كان سيعود بفوائد كبيرة على البلدان المشتركة فيه. وعلاوة على الطريق المباشرة بين الجزائر العاصمة ولاغوس، فقد تم التخطيط لتفرّعات تمس بلدان الجوار. وقد أنجزت جميع هذه الطرق في البلدان المعنية. يقطع هذا المشروع 3400 كلم داخل التراب الجزائر، و900 كلم داخل التراب التونسي في أحد تفرعاته إلى غاية تونس العاصمة، و1974 كلم على التراب المالي و1635 كلم على أراضي النيجر و900 كلم في التشاد و1131 كلم على تراب نيجيريا.

تمثلت الأهداف المعلنة للمشروع لدى إطلاقه في فكّ العزلة عن صحراء الساحل وجنوب بلدان شمال أفريقيا وتعزيز النشاط الاقتصادي لموانئ الجزائر وتونس، وربط نيجيريا بشمال القارة عن طريق إيجاد مسلك دائم ومضمون لمنتجاتها وما تستورده، والدول التي يمرّ بها المشروع من خلال الحركية التي يولدها. تم تدشين أولى إنجازات المشروع في 25 أبريل 1973 وتقدّم كثيرًا لاسيما الشطر الرابط بين غرداية وعين صالح الذي تم إنجازه بسرعة. ولكن مع الأزمة الاقتصادية التي شهدتها الجزائر في نهاية الثمانينيات ثم العشرية السوداء، عرف تأخرًا كبيرًا قبل أن يتقرّر تجميده.

ومع مجيء الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة تم استئناف المشروع وإتمام آخر شطر منه في بداية 2017. ولكن إتمام المشروع داخل الجزائر والبلدان المعنية لاسيما النيجر ونيجيريا، لم يؤد تمامًا إلى النتائج المرجوة. وإن كان المستخدمون المحليّون لكل دولة قد استفادوا من شبكة الطرقات المنجزة، فإن البعد الأفريقي لم يتحقّق تمامًا.


أسباب عدم تحقيق الأهداف
تتمثل الأسباب الرئيسية لعدم نشوء وتقوية النشاط الاقتصادي المرجو في ثلاثة أسباب:

أولًا: نقص الإرادة السياسية والاقتصادية لتفعيله، حيث يفترض المشروع وجود علاقات سياسية واقتصادية قويّة من أجل تحفيز مرور الناقلين عبره. وهذه العلاقات تبدو غائبة أو على الأقل ليست في المستوى المطلوب لذلك.

ثانيًا: الاضطرابات الأمنية التي تشهدها المنطقة؛ فالحرب في مالي وعدم الاستقرار السياسي بها منذ سنوات عديدة، ونشاطات بوكو حرام في شمال نيجيريا لا تسمح مطلقًا بقيام مبادرات إقليمية.

ثالثًا: التأخّر الكبير الذي عرفه إنجاز المشروع، وقد أدى ذلك إلى التفات شركات بلدان المنطقة عن التجارة البينية. كما أن هذه الأخيرة وجدت سبلًا أخرى لاسيما التصدير والاستيراد عن طريق البحر فيما يخص التعاملات الدولية، أما النشاط بين البلدان فإنه لا يزال ضعيفًا للغاية.

ومن المثير للسخرية "المريرة" أن هذا المشروع والحركية الاقتصادية الناجمة عنه، كانت ستنقذ الشباب لاسيما في بلدان الساحل من الوقوع في فخ مشاريع الهجرة المميتة عبر الصحراء والبحر أو الانخراط في مجموعات إرهابية تستغل أوضاعهم من أجل مشاريع وهمية؛ أي أنه كان سيحول دون حدوث الوضعية التي تعيق تقدّم التعاون.

في الوقت الحالي، يستفيد الجزائريون المتنقّلون بين أقصى الجنوب والشمال من الطريق المنجزة، ولكن الآمال التي كانت مرجوة منه تبقى معلقة إلى حين. بل ربما ماتت مع رحيل الرئيس هواري بومدين، لأننا في منطقة تموت فيها المشاريع والأحلام مع حامليها.