من أين تحصل اللوحات الفنية على قيمتها؟
من أين تحصل اللوحات الفنية على قيمتها؟
لوحات لبيكاسو معروضة في ريو دي جانيرو (Getty)
في بداية عام 2011، بيعت لوحة "لاعبو الورق" بسعرٍ بلغ 250 مليون دولار. وما هذا إلا غيضٌ من فيضٍ من اللوحات الفنية التي تعادل كل منها ثروة هائلة، لكن لماذا تباع اللوحات الفنية بهذه الأسعار الباهظة وما الفكرة من ذلك؟ تبييض أموال كما يقال؟ أم تكريس لقيمة الفن والحضارة الإنسانية؟

هذا سؤالٌ صعبٌ في الحقيقة، وهو من الأسئلة التي بقيت عالقةً في ذهني وتبحث عن حلٍ هنا وهناك. فبعد البحث والقراءة وجدت بعض الأسباب التي أعتقد أنّها من أهم العوامل التي تجعل هذه اللوحات تباع بتلك الأسعار الفلكيّة.

ولنبدأ الحكاية بالحديث عن المال، يعمل الإنسان في مهن مختلفة لعددٍ من الساعات ليحصل في نهاية الشهر أو الأسبوع على مبلغٍ من المال. فهو يكرّس جهده وتعبه ليحصل في المقابل على تلك العملات الورقية. لكن من أين اكتسب المال قيمته أصلاً؟


لعلّ الجواب عن هذا السؤال هو أبسط وأسهل بكثير من السؤال الأول، فالمال هو وسيلةٌ للتبادل، فنحن نستبدله بشيءٍ نرغبه أو نحتاج إليه، ونقدّم كميةً من المال تختلف تبعاً لقيم تلك البضائع التي تحدّدها عوامل عدة.

نقص المؤن
تكون اللوحات الفنية غالية الثمن عادةً تاريخية، بريشة فنانٍ قد توفي غالباً. وكما نعرف أنّ كل شيءٍ يسعّر تبعاً للعرض والطلب، وكذلك الوضع بالنسبة للفنّ واللوحات الفنية التي رسمها أولئك الفنانون. ولن يقوم الفنان المتوفي برسم أي لوحاتٍ جديدة، فتصبح اللوحات تلك قطعاً نادرة.

وإذا أردنا استخدام لغةٍ مالية فإنّ "نقص المؤن" يعدّ من الأسباب المهمة في ارتفاع أسعار تلك اللوحات. لكن عندما يأتي الأمر للفنانين الذين ما زالوا على قيد الحياة، فتتدخل هنا عواملٌ كثيرة. ولنفرض أنّ العرض ليس محدوداً، أي أنّه يمكن للفنان رسم أكثر من لوحةٍ أخرى، على الرغم من أنّ الكثير من الفنانين أو وكلاء أعمالهم يقولون بأنهم لن يرسموا المزيد. لكن وبكل الأحوال فإنّ أي لوحةٍ فنيةٍ هي شيءٌ مميزٌ وفريد، وذلك بحدّ ذاته يمنح اللوحات قيمةً أعلى من البضاعة التي يمكن أن نشتريها يومياً من الأسواق والمحال التجارية.

قيمة مزيّفة؟
يقوم الفنانون أو وكلاؤهم بمحاولات كثيرة للفت الانتباه إلى لوحاتهم، إذ يقوم الكثيرون بدعوة الصحف والمجلات لتكتب عنهم، ويستخدمون وسائل الإعلام والعلاقات لعرضها في المتاحف والمعارض.

فإذا رأى أحد الذين يرغبون بشراء لوحةٍ ما أو أحد وكلاء البيع قيمةً عاليةً في تلك اللوحة وصرّح عن ذلك في أحد الصحف مثلاً، فإنّ ذلك سيؤثّر على غيره من الراغبين بالشراء ويجعلهم يمنحون تلك اللوحة قيمة قد تكون أعلى حتى من القيمة السابقة.

لنتكلّم بلغة بسيطة، تخيل أنك تريد التقدم لخطبة إحداهن، فإذا قمت بتقديمها إلى والدتك قبلاً ونالت إعجابها، فعملية إقناع والدك ستصبح أسهل بكثير، فقد نالت "قيمةً" أعلى عندما نالت إعجاب الوالدة، أو كسيارةٍ قديمةٍ فحصها خمسة ميكانيكيين متخصصين ونالت إعجابهم، فإذا أردت شراءها فستكون أغلى بالطبع.

"إذا لم أستطع بيع لوحةٍ ما، أضاعف سعرها بكل بساطةٍ" ايرنست بيلير، أبرز تاجرٍ وجامعٍ للفن الحديث في أوروبا.

هناك هيئات أو أشخاص تستطيع منح تلك اللوحات القيمة الكبيرة تماماً مثل المثال السابق، حيث تمتلك تأثيراً كبيراً على سوق اللوحات الفنية، وتستطيع تغيير قيمة اللوحة بعدة كلماتٍ.

ولربما لا تكون هذه القيمة مزيفةً في جميع الحالات، فهناك بعض اللوحات التي تمتلك قيمة تاريخية، كلوحاتٍ لملوكٍ وأمراء، أو لوحات لحوادث تاريخية كالثورة الفرنسية مثلاً التي جسّدها الفنان ديلاكروا في لوحة "الحرية تقود الشعوب" عام 1830.

صفقة "نظيفة"
يُعتقد أنّ السهولة النسبية في غسل كميات كبيرة من الأموال غير الشرعية عبر جامعي الفن والمعارض قد ساهمت برفع قيمة اللوحات الفنية بشكلٍ كبير في السنوات الأخيرة.

قام العديد من الاقتصاديين الكبار من أمثال نوريل روبيني من جامعة نيويورك بالدعوة إلى فرض تشريعات أكثر على سوق الفن العالمية، والتي بلغت قيمتها حوالي 75 مليون دولار في عام 2014، بحسب معرض الفنون الجميلة الأوروبية.

وصرّح روبيني في المؤتمر العالمي للاقتصاد السنة الماضية والذي يَعتبر نفسه جامعاً للفنون: "سواء أحببنا الأمر أم لا، يُستخدم الفن للتهرّب من الضرائب والمراوغة. يمكن أن يتم استخدامه في غسل الأموال. يمكنك أن تشتري لوحة مقابل نصف مليون دولار، وتشحنها بكل بساطة دون أن تظهر جواز سفرٍ حتى. يستخدم الكثير من الناس ذلك الأمر لغسل الأموال."

يُعتبر تبييض الأموال عن طريق الفن مغرياً حقاً، فيمكن لأحدهم أن يشتري لوحةً فنية غالية دون أن يفصح عن هويته. ثم تضع هذه القطعة الفنية في طائرة خاصة لتأخذها إلى أي مكانٍ ترغب فيه. عداك عن عدم وجود أي نظامٍ لتسجيل اللوحات الفنية.

فمن السهل علينا أن ننظر إلى الفن ونقول: إنه شيءٌ سطحيٌ للغاية، ومتعلقٌ برأي الشخصيات المشهورة والغنيّة، فهذه الأسعار الجنونية، وللأسف، هي أيضاً من نتاج البشر. حيث أصبح الفنّ سوقاً للمضاربة، ولا أقصد بذلك أنّ الفنان لا يحقّ له أنّ يبيع لوحاته ويربح منها، فهو بالنهاية مثله كمثل أي شخصٍ منّا يعمل ويجب أن يقطف ثمرة عمله.

لكنّ هذه الأرقام الخيالية تسيء حقاً لقيمة الفنّ وتنقص من شأنه، فتظهره كسلعةٍ باهظة الثمن يتحكم بها كبار الأثرياء والمتنفذين في العالم.