مسيرات متقاعدي الجيش الجزائري.. السلطة في مواجهة نفسها
مسيرات متقاعدي الجيش الجزائري.. السلطة في مواجهة نفسها
(من احتجاجات متقاعدي ومعطوبي الجيش/ فيسبوك)

بعد إضرابات واعتصامات الشرطة والحرس البلدي في السنتين الأخيرتين، وجدت السلطة نفسها هذا العام في مواجهة متقاعدي الجيش الجزائري الذين يطالبون في مسيرات ماراثونية بتلبية مطالبهم المختلفة، وهم الذين وقفوا في وجه الإرهاب أيّام ما عرف بـ"العشرية السوداء" في الجزائر.

فضلّ أصحاب البزّة العسكرية من متقاعدي ومعطوبي الجيش الوطني الجزائري، بمن فيهم جنود الاحتياط الذين أصيبوا في معارك ضد الٍإرهاب قبل أكثر من عشرين سنة توقيت ما بعد الانتخابات النيابية التي جرت في الرابع من مايو/ أيّار الجاري لرفع مطالبهم الكثيرة حتى لا يتمّ استغلالهم في خطابات الحملة الانتخابية، كما قال أحد العسكريين الناشطين في المجموعة التي نظمت مسيرات جابت مختلف محافظات الوطن، أو حتى لا يتمّ تأويل خرجاتهم على أنّ وراءها أياديَ أجنبية مثلما تفعله السلطة أو الأحزاب الموالية لها في كل مناسبة، بحيث أصبح التحجّج بـ"الأيادي الأجنبية" سلاح بعض رؤساء الأحزاب للتودّد إلى السلطة أو لضرب مصداقية التظاهرات أو المسيرات، حتى وإن كانت مطالبها اجتماعية مثل المطالبة بمناصب شغل ورفع الأجور.

ربما "العسكر المتقاعدون" وعوا الدرس وتفطنوا للعبة التي يفبركها السياسيون أو التي تستغلها الأطراف الأجنبية لتحقيق أغراض وأهداف داخل الجزائر، لكن تعامل السلطة بحذر مع متقاعدي ومعطوبي الجيش يطرح أكثر من سؤال في ظلّ عدم استجابتها لمطالبهم.


لغز التعتيم والتجاهل الواضح
وسط تجاهل الدولة لهذه الحركات، سار الإعلام الجزائري على خطاها أيضًا مقتنعًا أو خوفًا أو غير مبال مع احتمالات كثيرة تدور في الأفق، فلم تحظَ المسيرات سوى بتغطيات قليلة على صفحات بعض الجرائد المكتوبة وقنوات تلفزيونية تعدّ على رؤوس الأصابع، ممّا جعل القضية لا تأخذ صدى واسعًا في الوسط الإعلامي الجزائري وحتى العربي، في حين من غطّى الحدث، أفرد له حيزًا ضيقًا وبطرح أقرب إلى تغطيات وكالات الأنباء الرسمية، ولا سيما في ظل وجود تجاوزات من قبل القوّات الأمنية الجزائرية العاملة بعد شنّها سلسلة من الاعتقالات في وسط المحتجين وتطويق الطرق والمداخل المؤدية إلى المباني الحكومية، وعلى رأسها قصر الحكومة في العاصمة أو أماكن حساسة أخرى بمحافظات عدّة، لذلك يبدو التعتيم الإعلامي على القضية واضحًا لأسباب مجهولة.

يطالب متقاعدو ومعطوبو الجيش البالغ عددهم زهاء 6 آلاف فرد، حكومة بلادهم بأن تعيد النظر في مطالبهم الاجتماعية، والمقتصرة على المعاشات والمساواة بين الجميع من حيث سنوات الخدمة والراتب الشهري والرُتب ومنحة التقاعد والتعجيل بدفع المستحقات المتأخرة منذ سنة 2008، وتسوية مخلفات العطل السنوية غير المستغلة بالنسبة للغالبية منذ سنوات تسعينيات القرن الماضي، فضلًا عن ترقية العرفاء والرقباء الأوائل من المتعاقدين والمتقاعدين بشكل آلي إلى رُتب أعلى، وكذا رفع منحة التقاعد التي لا تتجاوز 24 ألف دينار جزائري، أي ما يعادل 200 دولار شهريًا.


أرجل اصطناعية في قلب المسيرة
انشغالات ومطالب عالقة، لم تجد من يفكّك شفرتها، ولو أنّها سهلة تتمّ عن طريق الحوار وردّ الاعتبار لمن خدموا الجزائر يوم كان الرصاص ينهمر من كل جانب، لم يستسلموا للإرهاب ولا لقسوة الطبيعة، بل قاوموا إلى النهاية، فمنهم من نجا ومن منهم من رحل، ومنهم من عاد وقد بترت ساقه أو أحد أطرافه أو أصيب بعجز ما أفقده القدرة على الحركة.. لكن لم تشفع "الأقدام الاصطناعية" التي رفعها بعض المعطوبين أثناء المسيرة في تليين السلطة، لكن المسيرات مستمرة حتى تُلبى الحقوق، حسب تصريح أحد العسكر المتقاعدين على صفحته بموقع "يوتوب".

انتشرت أخبار تفيد بأنّ متقاعدي ومعطوبي الجيش قد قاموا خلال مسيراتهم التي انطلقت عقب الانتخابات التشريعية في الـ4 من مايو الماضي، بأمور منافية لما خرجوا من أجله، كالاعتداء على المواطنين واستغلال بعضهم المسيرة للقيام بأفعال لخدمة مصالحه الشخصية، بيد أنّ التعتيم الإعلامي وعدم رد السلطة ببيان رسمي لتكشف هذه التجاوزات "إن حدثت"، إلا أنّ أحد الناشطين من متقاعدي الجيش نفى ذلك جملة وتفصيلًا وهو ما أكدته صفحة "متقاعدي الجيش الوطني الشعبي الجزائري" على فيسبوك من خلال فيديوهات تبرز مساندة المواطنين لهم، وحتّى رجال أمن في جهاز الشرطة والدرك الوطنيين، غير أنّ التحذير كان حول اندساس بعض المأجورين من المواطنين، بحسب ما ورد في بيانها ممّا أدى إلى انفلات الأمور وحدوث فوضى لم يحسب لها حساب مسبقًا.