الأردن: تطبيع "إسرائيلي" مربح اقتصاديًا مرفوض "عشائريًا"
الأردن: تطبيع "إسرائيلي" مربح اقتصاديًا مرفوض "عشائريًا"
(احتجاج على اتفاقية الغاز مع "إسرائيل"، الصورة: وكالة الأناضول)
يتنامى العداء لدولة الكيان الصهيوني في أوساط الشباب الأردني، فلا شيء يتجاوز كراهيتهم وحقدهم على "إسرائيل" هذه الأيّام، عداءٌ بحجم الدماء التي أسالتها، وبحجم جرائمها في الشعب الفلسطيني، الشقيق التاريخي والشرعي للأردنيين، فهي، لا تزال "المصنع اليتيم، للألم والمعاناة في العالم العربي" في نظرهم.

ففي سجّلات العداء والخصومة، ولعبة الدم، يصرّ الأردنيون على أن تبقى "إسرائيل" على رأس القائمة، ووقودهم في "معركة الكراهية" تلك، وفق تعليقاتهم وتغريداتهم على منصّات مواقع التواصل الاجتماعي، ومجالسهم العامة والخاصّة، مناظر الدماء المجانية المتواصلة في شوارع فلسطين المحتلّة، والذاكرة التاريخية، الحافلة بالنكبات القاسية، نتيجة المجازر الوحشية، التي تغذت على دماء الأطفال والنساء والرجال، طيلة 70 عامًا.

ويبقى المكوّن الشعبي الأردني، مخلصًا في معركته هذه، حين أثبت مؤخرًا للكيان الصهيوني وأذنابه في الأردن، أنه عصيّ على التطبيع رغم كافة المحاولات الرسمية لفرضه، حيث أخفق الكيان الغاصب في إحداث اختراق على المستوى الشعبي، فيما يتعلّق بالتطبيع، لمّا عمدت وسائل إعلامه المختلفة، إلى إبراز لقاء رئيس الكيان مع شخصيات أردنية عشائرية "نكرة"، فقوبل بـ "رفض شعبي أردني عاصف"، وفق الناشط السياسي فاخر دعاس.

وتتزامن هذه الزيارة "المخزية"، وليست من باب المصادفة كما تبدو، والأردنيون واللاجئون الفلسطينيون على السواء، يعيشون إحياء ذكرى النكبة، واللجوء والتهجير بكل مرارة، لتتناقل وسائل الإعلام الخبر إلى الكيان الصهيوني، تتصدّرها شخصيات، وصفت بأنها لشيوخ عشائر أردنية.

وكان رئيس "إسرائيل" رؤوفين ريفلين، وفق وزارة خارجية العدو الصهيوني، الأربعاء 18 مايو/ أيّار، استقبل بعض رؤساء العشائر في الأردن في زيارة للبلاد لخمسة أيّام، بهدف التعرّف عن قرب على "الإسرائيليين".

وزعم البيان، "أن المشاركين في الوفد، يمثّلون عدة قبائل في الأردن، من إربد والزرقاء وعمان، وأنهم اطلعوا على تشكيلة واسعة من الإسرائيليين"، مضيفًا، "أن ريفلين، أشاد بالروابط المخضرمة بين المملكة الأردنية الهاشمية واليهود في إسرائيل"، فيما أكد شيوخ القبائل الأردنيون هؤلاء، وأثناء اللقاء، بأنهم "جاؤوا من أجل تطبيق مسيرة السلام، ولخدمة القيادة الهاشمية".

في المقابل، شنّ شباب أردنيون هجومًا على هذه الشخصيات العشائرية، والتهبت مواقع التواصل الاجتماعي، منددة بالزيارة، معتبرين من قاموا بها، بأنهم "لا يمثّلون العشائر الأردنية"، مشدّدين على أن مشكلة المملكة، ليست مع "إسرائيل"، بل هي بالأساس مع "أذنابها وعملائها في الداخل الأردني".

ناشطون آخرون، انهالوا بوابل على بعض تلك الشخصيات، عندما انكشفت أسماؤهم، من الانتقادات اللاذعة، مبينين، براءة العشائر الأردنية من هذه الزيارة، والتي قام بها أربعة من شيوخ العشائر بشكل فردي.

وإن كان حجم ردة الفعل الشعبية الغاضبة، على هذا اللقاء، كما يرجعه ناشطون، كان نتيجة محاولة الصهاينة استخدام كلمة "العشائر" في الخبر الصحافي، ارتد عليهم برفض عشائري طبيعي وواضح، إلا أن ذلك، لم يكن بالقدر نفسه، بالنسبة لأخبار وتقارير، لا تقل مأساة وسوداوية، لمن يتصدّى لمحاولات التطبيع الدؤوبة.

فالعلاقات بين الأردن و"إسرائيل"، تشهد تطبيعًا متزايدًا، رغم حالة الجمود السياسي القائمة في المنطقة، سواء على الصعيد الاجتماعي التعليمي، أو الاقتصادي، تحديدًا، ما يرتبط بالاتفاقيات الاقتصادية الأخيرة، التي وقعها الجانبان في مجالي المياه والغاز الطبيعي.

فوفق دراسة أعدها ونشرها "معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي"، والتابع لجامعة تل أبيب، اطلع "جيل" عليها، فـ"إن ما يحصل بين الأردن و(إسرائيل)، يثبت أنهما قادرتان على التوصّل إلى اتفاقيات ثنائية، وإيجاد أجواء إيجابية حتى من دون التوصّل إلى تفاهمات سياسية، مما يعني أن الجانبين اتّفقا على الفصل في علاقاتهما بين المجالات الاقتصادية والسياسية".

وتبرّر هذه الدراسة، أن "هذه الاتفاقيات الاقتصادية، تعدّ حيوية للأردن، الذي يعاني من أزمة في مصادر الطاقة عقب توقّف استيراده للغاز من مصر، بسبب التفجيرات التي شهدتها أنابيب إمداد الغاز الطبيعي في شبه جزيرة سيناء".

وتشير أيضًا، إلى أن الأردن الرسمي، رغم خروج المظاهرات الشعبية المعارضة لهذه الاتفاقيات مع "إسرائيل"، حتى إن أعضاء البرلمان الأردني من أصل فلسطيني طالبوا بطرد السفير الإسرائيلي في عمان، وتجميد العلاقات الدبلوماسية مع "إسرائيل"، لكن كل هذه التحرّكات لم تشكل تهديدًا أو تحديًا للنظام الأردني.

في مقابل ذلك، يجهل الكثير من الأردنيين، "وجود آلاف المطبّعين من التجّار المستوردين والمصدرين الأردنيين، الذين يعملون مع الاحتلال، ويتسبّبون في غزو اقتصادي ناعم ومستتر للأردن، كما يكشف ذلك، الكاتب والمحلّل السياسي ماهر أبو طير.

"ماذا عن الاتفاقيات المعقودة، وآخرها اتفاقية الغاز التي نسيناها فجأة، كما هي عادتنا بإزاحة قضية وإحلال قضية أخرى محلها؟"، يتساءل أبو طير، الذي يؤكّد، "أن التطبيع السرّي، أخطر بكثير من التطبيع العلني، ويشتركان معًا في خطيئة السعي لإذلال روح الأمة".

وفي هذا الإطار المؤلم، شهدت السياحة في "إسرائيل" منذ بداية هذا العام، ارتفاعًا كبيرًا، مسجلة رقمًا قياسيًا، حيث دخل في شهر نيسان/ أبريل، حوالي 350 ألف سائح، وفقا لما نشرته وزارة السياحة الصهيونية، لترتفع المداخيل بما قيمته 6 مليارات شيكل، أو ما يعادل حوالي مليار وثلاثة أرباع مليار دولار، وبالتدقيق، يلاحظ عبور 40 ألف سائح عن طريق البر، منهم 34 ألفا عبروا من الأردن.

ويكفي فقط، أن نشير هنا، إلى أن المئات من الشبان الأردنيين، يتهافتون على العمل في المنشآت الصهيونية، خاصّة المرافق السياحية، حتى غدت العمالة الأردنية من الشباب، المفضّلة بالنسبة للصهاينة، نظرًا، لقلة التكاليف المترتّبة على تشغيلها، مقارنة مع غيرها.

وما يتعلّق بالتطبيع الاجتماعي والتعليمي، كشفت المعلومات المنشورة في وسائل إعلام عبرية مختلفة، تابعها "جيل" بعناية، عن تنظيم دورات تدريب في الأردن لعشرات من اللاجئين واللاجئات السوريين، إضافة لشبان وشابات أردنيين، وتحديدًا في مدينتي إربد والرمثا الشماليتين، والتي تناولت، "السبل الكفيلة بتمكين هؤلاء الشبيبة من الإدماج بالمجتمع الأردني، والتطلّع إلى مستقبل مشرق من خلال ممارسة الرياضة".

كما وتمّ عقد لقاء بين طلاب أردنيين وفلسطينيين وصهاينة، قيل بأنهم مهتمّون بالفن، في ورشة عقدت قبل أيّام في منطقة البحر الميت من الجانب المحتل، لتكون الصعقة المدوّية، أن المشاركة الرئيسية والأكبر في المشروع، كانت للتلاميذ الأردنيين، الذين تجاوز عددهم 120 تلميذًا.

أما السفارة الصهيونية في الأردن، فكانت شاهدة على توافد مئات من المهنئين الأردنيين، ليلة إحياء النكبة الفلسطينية، مباركين للصهاينة بما يسمّى "عيد الاستقلال التاسع والستين لدولة إسرائيل"، ويحدث كل ذلك، في أجواء مليئة بالفرح والمحبّة البهجة ووسط حضور واسع من المهنئين.

ما مرّ ذكره، كفيل بأن يعطي ملخصًا موجزًا، لوجه العلاقات الأردنية-الإسرائيلية منذ توقيع اتفاقية وادي عربة عام 1994، عدا الإنجازات الأمنية والسياسية التي حققها الاحتلال من خلال هذه الاتفاقية، وكل ذلك يجري ويتطوّر، في ظلّ أجواء شعبية أردنية ما زالت رافضة للتطبيع ومناهضة له.

حملات مقاطعة البضائع الإسرائيلية ومناهضة التطبيع، يشتد عودها في الأردن بين الحين والآخر، وخاصّة في فترات المواجهة المشتعلة بين الفلسطينيين والاحتلال، إلا أن ذلك لا يكفي، فالحالة التي وصلتها العلاقات الرسمية مع دولة الاحتلال حالة متقدّمة، وهذا من شأنه، أن يغذّي المزيد من محاولات التطبيع مع العدو الصهيوني اقتصاديًا، وليس فقط "عشائريًا".