العمالة المصرية في الأردن: مسلسل القهر مستمر
العمالة المصرية في الأردن: مسلسل القهر مستمر
(في عمّان، تصوير: محمد أبو غوش)

دأبت الطبقة العاملة، ليس في الأردن فحسب، بل والعالم أجمع، في كل أول من مايو/ نيسان، على تقليد مقدس، تمثل بالقيام بمسيرات احتفاء بهذه المناسبة، تعبر عن غضب المقهورين والمهمشين، ضد الاضطهاد والفقر، الذي تواجهه من طبقة أصحاب العمل المتوحشة.

هذا التقليد، عمره أكثر من 125 عامًا، تحديدًا منذ عام 1889، حين قررت الأممية الثانية، اعتبار الأول من مايو يوما للتضامن مع عمال العالم، إحياء لذكرى "شهداء المسيرة السلمية"، التي نظمها العمال الأميركيون في هذا الشهر، من أجل ثماني ساعات عمل، كان ثمنها مجزرة رهيبة، ذهب ضحيتها مئات العمال.

ورغم مرور هذه الأعوام، فلا تزال الطبقة العاملة تشعر بالغبن، كونها العنصر الأضعف في المعادلة، هي التي تحملت آثار ونتائج الأزمة المالية والاقتصادية في كل البلدان، حيث فقدت جزءًا مهمًا من مكاسبها التي حققتها عبر نضالها التاريخي، إضافة إلى فقدان شرائح واسعة منها لعملها.

يأتي مايو هذه السنة على الطبقة العاملة في الأردن، والحديث هنا خاصة "العمالة المصرية"، وهي في ظروف أصعب في ظل اشتداد الأزمة، وتواجه ظروفا سياسية واقتصادية واجتماعية بائسة.

فمن إجمالي العمالة الوافدة في الأردن والبالغة أكثر من 400 ألف عامل مسجل رسميا، تشكل الجنسية المصرية النسبة الأعلى بنسبة تتجاوز 66%،  وعددهم يقدر بنحو  300 ألف، وفق آخر دراسة لوزارة العمل، فيما تقدر الحكومة أعداد العمالة غير المسجلة لديها بحوالي 800 ألف عامل، غالبيتهم الساحقة من المصريين.

وحسب المهتمين بالشأن العمالي في الأردن، فان هذه العمالة المصرية، والتي تتجاوز أرقامها، المسجلة وغير المسجلة، المليون، إلا أنها تتعرض على الدوام، لكل أشكال القهر والظلم، ليصل الأمر إلى درجة من الممكن أن يقال فيها، "إن الحوادث المتكررة والمؤسفة، ويكون ضحاياها مصريون يعملون في الأردن، تمر سريعا في عناوين الأخبار، ولم تثر حتى فضول الصحافيين لمتابعة ظروف عملهم ومعيشتهم في الأردن".

آخر تلك الحوادث التي أثخنت الجسم العمالي الأردني، المصري أيضا، وفاة ثلاثة عمال مصريين نتيجة الحريق الذي شب في دار الوزراء الأردنية، تسبب في حينه بوفاة عامل مصري، وإصابة 4 آخرين، وتوفي بعد يوم أحد العمال المصابين، متأثرا بإصابته، فيما توفي عامل ثالث في اليوم الثالث من الحادثة.

وكان الدفاع المدني الأردني أفاد في وقت سابق، بأن "سبب الحريق تماس كهربائي، خلال أعمال الصيانة واستخدام جلاية البلاط الكهربائية"، فيما أكدت وسائل إعلام مصرية أن السفارة المصرية في عمان أنهت إجراءات نقل جثمانين العاملين لمصر.

هذا كله، أعاد إلى الأذهان مرة أخرى حادثة حريق حاويتي المفرقعات والألعاب النارية، في جمرك عمان في نهاية عام 2015، أسفر عن وفاة ثمانية أشخاص، من بينهم خمسة عمال مصريين وأردني وجثتان متفحمتان، وإصابة 12 شخصا، من بينهم 8 عمال مصريين، و4 أردنيين.

الحادثة الأخيرة، وغيرها الكثير من المآسي، تكشف جانبا آخر من المعاناة للطبقة العاملة، لا تقل مأساوية عن الجانب الرئيسي للحادثة، تتمثل، إضافة لغياب شروط السلامة العامة، التي يجب توافرها، في أن عددا كبيرا من العمال المصريين المتوفين في هذه الحوادث، أو ممن أصيبوا بجروح فيها، لم يكونوا قد أشركوا في الضمان الاجتماعي من قبل مشغليهم، ما يعني حرمانهم وورثتهم من حقوق تأمينية وتعويضات الوفاة والإصابة، وأكلاف العلاج للمصابين، كما تبين ذلك لـ"جيل" من مصادر مطلعة في وزارة العمل الأردنية.

ولم يكن ذلك بالأمر الغريب، حيث أظهرت دراسات عمالية، من بينها دراسة لـ"مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية"، كشفت "أن سوق العمل الأردني يعاني منذ سنوات حالة فوضى كبيرة في سوق العمالة المهاجرة، إذ يتواجد فيه مئات الآلاف من العمالة المهاجرة غير المسجلة لدى السلطات الحكومية، ويعمل المصريون في ظروف عمل صعبة في قطاعات عمل غير منظمة، ما يعني العمل بنظام مياومة، بعيد عن الأنظمة والرقابة، وبالتالي، تقع الانتهاكات في حقوقهم العمالية".

مركز تمكين للمساعدة القانونية، والمتخصص بحقوق العمالة المهاجرة، يرى بالإضافة لما سبق، وجها آخر من الألم الذي يعانيه جسد العمالة المصرية في الأردن، حيث اعتبر أن "الجنسية المصرية، من بين العمالة المهاجرة، الأكثر عرضة للتمييز".

فـ"الانتهاكات لحقوق العامل المصري قد ازدادت عن السابق، لأسباب عدة، أهمها أن على العامل المصري أن يحصل على براءة ذمة من صاحب العمل قبل مغادرة البلد في إجازة أو مغادرة نهائية، ما يؤدي إلى تعرضه للابتزاز من قبل صاحب العمل، كما أن عليه دفع 400 دولار كتأمين عند دخوله إلى الأردن، ولا يسترده إلا عند استصدار تصريح العمل، رغم أن صاحب العمل وحده أو من يفوضه بيده استصدار تصريح العمل"، وفق تقرير صادر حديثا عن المركز، اطلع "جيل" على مضمونه.

المصريون العاملون في الأردن هذه الأيام، لا يكتمون خوفهم من الإجراءات الأردنية، وخاصة أن ما يطلق عليهم شرطة الوافدين، بدأت تتخذ إجراءات أقل ما يقال عنها أنها تعجيز للمصريين ومحاولة إيقاعهم في الخطأ، فـ"بدلا من الغرامة، التي تقدر ما بين 10 إلى 50 دينارا في حال المخالفة، أصبح هناك ما يسمى تقرير الحالة، وهو تقرير تكتبه شرطة الوافدين بمجرد ضبط مصري لا يملك تصريح عمل أو إقامة، أو لا يعمل في ذات العمل المدون في التصريح أو ذات الكفيل المكتوب في التصريح"، وفق عدد من العمال المصريين، تمكن "جيل" من الحديث إليهم.

فالعديد من المصريين في الأردن، يؤكد المتحدثون، أن "هناك حالة تعمد من السلطات الأردنية حاليا في ترحيل المصريين، لإفساح المجال أمام عمالة منافسة، وخاصة أن ذات المجالات تقريبا التي يعمل بها المصريون، كالعمل في المطاعم، والمحال التجارية، والحياكة، والميكانيكا، والتحميل، والزراعة وغيرها، يعمل بها الآخرون، بأقل من ثلث أو نصف الأجر الذي يتقاضاه المصري"، وكل ذلك، كما يبرر هؤلاء، بسبب غبن وظلم واستغلال أصحاب العمل الأردنيين.

وبالنسبة لدور السفارة المصرية في عمان، التي ينحصر دورها غالب الوقت، بزيادة الوعي بين المصريين بأهمية الحصول على تصاريح عمل، تحميهم وتضمن حقوقهم، يرد أحد العمال المصريين بأن سفارتهم "لا فائدة منها.. فالسفير يقضي وقته في النوم أو الاستجابة لمناسبات رسمية".

بل "إن السفارة مكان قذر"، قال عامل آخر، "حين تذهب إلى هناك، تشعر أنك تتحدث إلى جهاز المخابرات"، وفق تعبيره.

عموما، يبقى أن نشير هنا إلى أن قضايا العمال المهاجرين، وتحديدًا المصريين، لا تلقى أهمية لدى وسائل الإعلام المحلية، وأخطر ما في هذا الجانب عندما يعكس الصحافي وجهة نظره السلبية على القضية، وعليه، تكون تعليقات القراء في الاتجاه نفسه، ناهيك عن غياب "أنسنة الأخبار"، فالتغطية في هذه الحالة لا تمثل الواقع، وبالتالي لا يحدث التغيير المنشود.

أخيرا، لا يمر شهر دون خبر عابر ضمن أخبار الحوادث في بيانات الدفاع المدني، عن مقتل عامل مصري خلال أداء عمله، لا تعدو كونها أخبار موجزة في أقل من سطرين، تنحصر بذكر عدد القتلى وجنسيتهم ونوع الحادث.