مكافحة تطرّف الشباب في الأردن: الأبعاد الاجتماعية والسياسية

يُشكل ما يقوم به الإسلامويون المتطرفون من زرعٍ للتطرف لدى الشباب تحديًا أمنيًا داخليًا للأردن الذي يعد حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة وعنصرًا مهمًا في الحملة ضد الدولة الإسلامية. هدفت السياسات الأردنية إلى تعزيز قدرات الشرطة في الحكومة والسيطرة على المجتمع لتحييد هذا التهديد الجهادي منذ فترة طويلة.

ولكن الهجمات الإرهابية المستمرة التي يقوم بها شباب أردنيون تشير إلى أن هذا النهج التقليدي لا يعمل، حيث إن الحرمان الاقتصادي والتعليم دون المستوى ووجود الخطاب الإسلاموي الراديكالي جزء من المشكلة، ولكن الشاغل الأساسي هو غياب الارتباط العاطفي لدى شباب الأردن بالهوية الأردنية، وبالتالي لن يكون لهم أي مصلحة تذكر في النظام السياسي بشكل عام.

أخيرًا، أظهر بحث أجراه مؤلفو هذه الورقة في الأردن أن الشباب الأردنيون ليسوا عرضة للتطرف لأنه قوي جدًا، ولكن لأن الحياة السياسية البديلة للمواطن الأردني العادي ضعيفة جدًا. وهو ما يخلق حجة مقنعة لزيادة المشاركة السياسية للشباب كجزء من الاستراتيجية الشاملة لمكافحة الإرهاب.

بعد فترة قصيرة من تأسيس الدولة الإسلامية في العراق والشام عام 2012 شهدت المملكة مغادرة أولى المجموعات الشبابية التي انضمت للتنظيم الجهادي، ومنذ ذلك الحين، حارب ما بين 2000 و4000 أردني في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية، ما يجعل الأردن واحداً من أكبر المساهمين في العالم من المقاتلين الأجانب في هذا التنظيم. ومع ظهور المتطرفين من الحروب الأهلية السورية والعراقية، ردت الحكومة بالاستراتيجية التقليدية لمكافحة الإرهاب عن طريق تعزيز بنيتها التحتية المادية والقانونية.

صعّدت مديرية المخابرات العامة والدرك والقوات الخاصة عملياتها مع التركيز على مخيمات اللاجئين السوريين والمناطق الحضرية. وقد بدأ برنامج أمن الحدود الذي تموله الولايات المتحدة بالتعاقد مع شركة رايثيون لحماية الحدود الشمالية مع سورية. كما وسع النظام القانوني نطاق اختصاصه. في عام 2014، وسعت الحكومة قانونها الحالي لمكافحة الإرهاب بشكل كبير، ما سمح للشرطة بإلقاء القبض على أي شخص يعبر عن وجهة نظرهِ، سواء بالحديث أو النشر عن أي شيء يعد تهديدًا للاستقرار.

وفي آذار/مارس الماضي، أعدم القضاء 15 سجينًا في يوم واحد، وأدين معظمهم بالإرهاب المتصل بالدولة الإسلامية. وأخيرًا، عززت الحكومة نفوذها على الخطاب الديني، ووضعت خطوطًا توجيهية لخطب المساجد، واستخدمت المؤسسات الإسلامية الرسمية لمواجهة التعاليم المتطرفة بالإسلام المعتدل.

وأطلقت النخب على هذه الاستراتيجيات التقليدية لمكافحة الإرهاب عوامل "جذب"، أو استراتيجيات بفوائد أيديولوجية ومادية تعمل على جذب المجندين إلى عضوية الجماعات الإرهابية بشكل عكسيّ. من وجهة نظر الحكومة الأردنية، فإن محور هذا النهج هو التعسفية العسكرية لضرب البنية التحتية التنظيمية للإرهاب بيد من حديد من خلال الكشف المبكر عن الأنشطة المسلحة والتفكيك السريع للخلايا المكتشفة، ومنع اختراق الحدود من قبل نشطاء الدولة الإسلامية من سورية. ويعد فرض عقوبات صارمة على من يرتبطون بالعنف المتطرف، ولو حتى بصورة عرضية، أحد ركائز هذه السياسة. وهذا المنطق يعتبر سلاحًا ذا حدين: حيث يفرض عقوبات قاسية حتى بمجرد الشك بأن أحدهم متطرف والذي يفوق نظريًا المكافآت المالية أو التأكيدات الدينية للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية، وبالنسبة لأولئك الذين يضعفون وينزلقون من شباك الدولة الإسلامية، فإنهم يأملون حقًا في أن يتم القبض عليهم قبل أي عمل إرهابي.

وعلى الرغم من هذه الجهود، إلا أن الأردن لا يزال يعاني من موجة غير مسبوقة من الإرهاب الداخلي الذي بدأ في أواخر عام 2015، مما أثار مخاوف جديدة من عدم الاستقرار في بلد ما زال يتصارع مع ما يقرب من مليون لاجئ سوري. في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، قَتَلَ ضابط شرطة أردني خمسة أشخاص، من بينهم أميركيان، في مركز تدريب أمني خارج عمان، مع تقارير تشير إلى أن الشرطي البالغ من العمر 28 عاما أصبح متأثرا بالإسلاموية المتطرفة. وبعد أشهر من تلك الحادثة، في مارس/آذار 2016، حوصرت قوات أمن أردنية في تبادل لإطلاق النار مع خلية تابعة لدولة إسلامية في إربد بالقرب من الحدود الشمالية السورية. وفي حزيران/يونيو، أطلق شخص متأثر بالدولة بالإسلامية النار على مكتب المخابرات العامة بالقرب من أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين. وبعد ذلك بأسابيع، قام تنظيم الدولة الإسلامية بتفجير انتحاري ضرب موقعًا عسكريًا على الحدود السورية الشرقية، وقد شهدت تلك المنطقة منذ ذلك التفجير عدة محاولات تفجيرية أخرى. وفي سبتمبر/أيلول، اغتيل الصحافي المسيحي ناهض حتر في عمان خارج قصر العدل من قبل إمام محلي معروف بآرائه المتطرفة. وفي كانون الأول/ديسمبر، قام عدد من الجهاديين في تنظيم الدولة الإسلامية بإطلاق النار على الشرطة في مدينة الكرك الجنوبية، مما أدى لأكثر من 12 وفاة (بما في ذلك سائحة كندية) وانتهى الأمر بعد حصار درامي في القلعة الصليبية التاريخية هناك.

وما وراء هذه الهجمات تكمن تهديدات أمنية أعمق. فأولًا، اكتشاف مخبأ هائل للأسلحة والمتفجرات بحوزة الخلية الإرهابية في الكرك كشف عن سهولة حصول المسلحين على الأسلحة اليوم. وتجدر الإشارة الى أن الأردن صار مشبعًا بالأسلحة منذ أن بدأ بدعم المتمردين السوريين المدعومين من الغرب، عن طريق تدريبهم وتوفير خط إمدادات لهم. وفي الوقت الذي يزيد فيه تهريب الأسلحة، تزيد طبعًا سرقة خطوط الإمدادات القتالية. وفي أكبر حالة معروفة حتى الآن، ورد أن شحنات ضخمة من وكالة المخابرات المركزية من الولايات المتحدة والسعودية كانت تحمل أسلحة قد سرقت وبيعت في السوق السوداء، ويعتقد المحققون أنها استخدمت في الهجوم المسلح في مركز الملك عبد الله للتدريب والذي كان عدد من الأميركيين جزءًا من ضحاياه. وثانياً، وفي حين أن الإرهاب الأخير قد شمل بضع عشرات من المهاجمين، فإن هناك مجموعة أكبر بكثير من المتطرفين، وبالتالي إرهابيون محتملون. وعقب كل هجوم حصل خلال العام المنصرم كان هناك العديد من عمليات القمع الأمني التي استهدفت مئات المتطرفين المشتبه فيهم. وحسب أحد التقديرات، على سبيل المثال، اعتقلت الشرطة وقوات المخابرات العامة 700 شخص من الجهاديين المشتبه فيهم في الشهرين التاليين لحصار الكرك في كانون الأول/ديسمبر 2016.

وأخيرًا، فإن الأردن لا يزال ضمن مطامع تنظيم الدولة الإسلامية، حيث يشجع المجنّدون والأيديولوجيون الناس للانضمام إلى عضوية أردنية جديدة. ولسنوات، دعت إعلانات الدولة الإسلامية علنا إلى العنف ضد وداخل المملكة الهاشمية. وانتشر شريط فيديو من تنظيم الدولة الإسلامية صدر في وقت سابق من هذا الشهر يمجد هجوم الكرك ووعد بزيادة زعزعة استقرار الأردن. وقد أوضحت الجماعة تعهدها بتدمير النظام الملكي، خاصة بسبب دوره في تدريب جماعات مناهضة لتنظيم الدولة الإسلامية في سورية وسجن الشباب الأردني الذين انضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية.
 
تسلط هذه الهجمات الضوء على حاجة الأردن إلى التصدي ليس فقط لعوامل الجذب، بل أيضا عوامل "الدفع" أي الظروف السلبية التي تجبر الشباب الأردني على النظر في عضوية الجماعات المتطرفة مثل الدولة الإسلامية في المقام الأول. ويعد الأردن محظوظًا لعدم وجود أي خلافات طائفية أو أي نزاع متكرر بين أغلبية المسلمين السنية الكبيرة والأقليات الصغيرة من المسيحيين وغيرهم من الديانات. وكما أن تدفق النازحين السوريين لم يزعزع استقرار البلاد، حيث تتحكم قوات الأمن بجميع مراكز اللاجئين الرئيسية، والتي لم تصبح بؤرًا للتطرف كما كان يخشى بعضهم في البداية. وعلى النقيض من ذلك، فإن معظم الإرهابيين في الأردن ينحدرون من المنازل الأردنية، مما يشير إلى أن البحث يجب أن يركز على الظروف المادية والسياسية داخل المجتمع مما يدفع هؤلاء الشباب إلى التطرف. وتعتمد هذه المقالة في تقييم هذه العوامل على ملاحظات المؤلفين في الأردن، بما في ذلك المقابلات الميدانية مع الشباب والناشطين التي أجريت خلال صيف وخريف عام 2016.

قبل ظهور تنظيم الدولة الإسلامية، كان باحثو الإرهاب يفهمون أن الاتجاه إلى التطرف في العديد من المجتمعات يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمشاكل الملموسة التي يشعر بها الشباب، بما في ذلك الحرمان الاقتصادي والخيبة الاجتماعية والأهم من ذلك كله، عدم وجود صوت وهوية سياسيين لهم. وتستغل المنظمات الإرهابية الحاجة الإنسانية الأساسية للمعنى والإنجاز والتقدير، حيث إن مثل هذه التنظيمات تحتاج إلى ما هو أعمق من الحاجات المادية لتحقيق المكاسب المالية والحماية الجسدية. وقد عزز باحثون مثل سكوت أتران هذه الأفكار من خلال مقابلات جديدة مع إرهابيي الدولة الإسلامية المسجونين، مما يكشف عن مبرر شبه عالمي للانضمام، وهو "أن تكون جزءا من منظمة ملتزمة بشدة يعطيك الهوية التعبوية القوية المفقودة من حياتك"

ولم تواكب سياسات مكافحة الإرهاب في الأردن هذه الدروس النظرية، بل احتفظت بالتركيز التقليدي على تقوية الأمن الداخلي من خلال زيادة الرصد والاستخبارات. ومع ذلك، فإن مكافحة التطرف ومنعه يجب أن ينطويا أيضا على مشاركة مكملة للضغوط الاجتماعية والسياسية الكامنة التي تدفع الأفراد نحو الإدراك العميق بأن تنفيذ عمليات عنف متطرفة أمر يستحق الموت. ويتطلب ذلك فهماً لسؤال: لماذا يشعر الشباب الأردني بأنهم بعيدون عن نظامهم السياسي؟ ومن ثم فإنهم يشعرون بالخيبة من آفاقهم الاجتماعية والاقتصادية مما يجعلهم يعتنقون العنف المتطرف الذي تمارسه الدولة الإسلامية باعتباره المسار الأكثر جاذبية.


تزايد أعداد الشباب: الاقتصاد والتعليم والدين
يتزايد عدد الشباب في الأردن بشكل مُطّرد، وثلثا المواطنين البالغ عددهم سبعة ملايين نسمة دون سن الثلاثين، ويبلغ متوسط العمر الوطني 22 عاماً. وحتى قبل النظر في العجز في الهوية السياسية، من المهم ملاحظة التحديات الاقتصادية والتعليمية لهذه الفئة السكانية الشابة.

ويبلغ معدل بطالة الشباب في الأردن أكثر من 36%، أي أكثر من ضعف المعدل الإجمالي البالغ 16%. غير أن هذه الأرقام تقلل من القيمة الحقيقية لأنها لا تحسب أولئك الذين يئسوا وتوقفوا عن البحث عن عمل بعد سنوات من البحث العقيم. وقد توقف القطاع العام، بما في ذلك الخدمة المدنية المتضخمة، عن جذب المتعلمين، في حين لا يزال القطاع الخاص يكافح من أجل النمو في ظل القوانين الكثيرة وعدم كفاية الاستثمار. وفي الواقع، لا يوجد لدى خريجي الجامعات أي أفق أو أمل بالمستقبل، حيث إن معدل بطالتهم يقارب ضعف عدد بطالة الأردنيين الذين يحملون شهادة الثانوية العامة فقط. وبالتالي، فإن الذهاب للجامعة يمنع ويقلل من فرصة الشباب الأردنيين في العثور على عمل يتناسب ومستوى مهاراتهم. وفي هذا السياق يكون من السهل إدراك حجم الحرمان الذي يشعر به العديد من الشباب، ولا سيما من الأسر متوسطة الدخل التي تعاني بشدة من ارتفاع الأسعار وشبح الفقر الذي يزحف تجاههم. جدير بالذكر أنه ومن فترة لفترة تحصل هناك احتجاجات في الأردن بسبب مشكلة البطالة.

ويشكل التعليم ذي النوعية الرديئة عاملا آخر. ومن المؤكد تماماً أن المدارس الحكومية في الأردن لا تشدد على تدريس التفكير النقدي، وأن التربية السائدة تدعو فقط للحصول على درجات عالية على حساب النمو الفكري والتعلم الإبداعي. والأمر الآخر الذي يختلف عن العالم الخارجي، وهو إشباع المناهج التعليمية المهترئة بالرمزية الإسلامية بدلا من إشباعها بروح الأمة الأردنية والهوية المدنية. وعلى الرغم من هذا، إلا أن هذه المناهج الدراسية راسخة بعمق بين المعلمين وأولياء الأمور، حيث أصبح الإصلاح مستحيلا تقريبا. وهذه القضية ضرورية نظراً لأن معظم المجندين الأردنيين في تنظيم الدولة الإسلامية هم من منتجات التعليم الأردني. إن جيل الأردنيين الذين أصبحوا متعاطفين مع الجماعة ليسوا من الراسبين أو الفاشلين، وإنما نتائج تعليمية غير مقصودة في البلاد.

وتسهم هذه المشاكل الاقتصادية والتعليمية في تطرف الشباب، ولكن التركيز عليها وحدها أيضًا يعد مشكلة، فهي تحتاج إلى سنوات عديدة للتغلب عليها، ويتطلب رفع معدل البطالة نمو القطاع الخاص على المدى الطويل، بما في ذلك تغيير مفهوم "ثقافة العار" التي تثبط العمل المهني، مثل وظائف التصنيع، فضلا عن تشجيع المزيد من روح المبادرة. وبالمثل، فإن المعركة حول تحديث المناهج التعليمية مستمرة، ومن المرجح أن تتطلب سنوات من التفاوض بين المسؤولين والمعلمين والنقاد الدينيين.

يعمل المجتمع السلفي والذي هو أكثر تحفظا بكثير من التيار الرئيسي للإسلامويين مثل الإخوان المسلمين على تيسير التطرف الشبابي. فأولًا، هناك عدة آلاف من السلفيين في الأردن، ولكن معظم الأتباع والأئمة "هادئون" إلى حد ما وينشرون أفكارهم من خلال التعليم والوعظ بدلا من المشاركة السياسية ومن خلال الأنشطة الأقل عنفا. حيث إن البديل الجهادي للسلفية المنبعث من الدولة الإسلامية يتوافق مع حوالي 7000 سلفي أردني متشدد، منهم حوالي 2000 من المتعاطفين المعروفين مع الدولة الإسلامية. وعليهِ، فإن حشد السلفيين المتشددين في المناطق الريفية الفقيرة مثل معان والكرك والزرقاء مزدهر، نظراً لعدم قدرة الحكومة على احتكار الخطاب الإسلامي هناك. فعلى سبيل المثال، تنظم وزارة الأوقاف خطب المسجد عن طريق التصديق على جميع الأئمة ومعاقبة من لا يخطبون عن مبادئ الاعتدال الرسمية. ومع ذلك، فمن مساجد الأردن الـ 6000 هناك 700 مسجد ليس لديها أئمة معينون من الحكومة؛ ومعظمها في المناطق الفقيرة، وهي غير خاضعة لرقابة كبيرة، وكان بعضها بمثابة منابر غير رسمية للوعاظ السلفيين غير المؤهلين، ويوجد عدد غير معروف من المساجد السرية أيضا.

غير أن التطورات الجديدة عززت على مدى السنوات العديدة الماضية الافتراضات السابقة بأن هذا المتغير المفرد – الجالية السلفية الجهادية – هو المسبب الرئيسي لنشر التطرف. وبالنسبة للمجتمع الواحد، فإن المجتمع السلفي الجهادي نفسه يتفرق بسرعة بسبب الفجوة بين الأجيال التي تصيب المجتمع بشكل عامٍ. وقد تحدث رجال الدين السلفيون الجهاديون البارزون في الأردن مثل أبو قتادة وأبو سياف وأبو محمد المقدسي ضد الدولة الإسلامية، حيث يقومون هم وبعض المدافعين السلفيين بدعم الجماعات المتنافسة مثل جبهة فتح الشام وغيرها من الجماعات السابقة أو الحالية التي تصطف بجانب تنظيم القاعدة. ومن المؤكد بأنه لا يتفق جميع علماء الدين السلفيين-الجهاديين مع هذا الموقف. وبعضهم، مثل أبو محمد الطحاوي وسعد الحنيطي، دعموا تنظيم الدولة الإسلامية بدلًا من ذلك، ولكن أصواتهم كانت شبه مكتومة وخفية ولا تصل للجمهور بسبب المضايقات الحكومية تجاههم والتي تهدف إلى تهدئتهم وكتم أصواتهم. وعلى النقيض من ذلك، وجد الخبراء الأردنيون أن الشباب الذين ينضمون إلى الاتجاه السلفي الجهادي يؤيدون بشكل كبير رؤية الدولة الإسلامية على الرغم من التحذيرات من العقاب من شيوخ الدين. ويعد أبو محمد المقدسي من أبرز الأصوات السلفية الجهادية ضد هذه الرؤية، وتسمح له الحكومة باعتلاء المنابر الإعلامية. وبعبارة أخرى، فإن تكرار انفصال الأجيال عن السلطات التقليدية في المجتمع الأردني يجري تكراره داخل المجتمع السلفي الجهادي.

ثانيًا، وجد المتعاطفون مع الدولة الإسلامية والمسؤولون عن تجنيد أعضاء جدد نجاحا كبيرا خارج الأيديولوجية التقليدية للأيديولوجية السلفية الجهادية في الأردن. وقد بدا واضحا في وقت مبكر أن الشباب المؤيدين والمناصرين للتنظيم ليسوا فقط من المدن الفقيرة والمهمشة مثل معان والزرقاء، ولكن من مدن الطبقة الوسطى مثل السلط وإربد، فضلا عن مخيمات اللاجئين الفلسطينيين المتاخمة للمناطق الحضرية مثل عمان. بالإضافة إلى ذلك، هناك توجه جديد لتجنب العديد من المساجد التي تفضلها السلطات السلفية القديمة، والاتجاه بدلا من ذلك للتجنيد عن طريق الإنترنت أو في الأماكن الترفيهية مثل ألعاب كرة القدم والنوادي الجامعية. في حين أن السلفية الجهادية ازدهرت سابقا على هامش جغرافية الأردن ومجتمعه، فقد انتشرت الآن في مركزها.


قطع الاتصال السياسي
صحيح أن الاقتصاد والتعليم والدين عوامل دفع مهمة عند تقييم التطرف الشبابي في الأردن. ومع ذلك، فإن التركيز عليها وحدها يترك عنصرًا هامًا دون مناقشة حيثياته، وهو أنّ حتى الشباب الأردنيين المتعلمين من الطبقة الوسطى ينجذبون نحو تنظيم الدولة الإسلامية وهو أمر لا يشير إلى قوة أيديولوجية الإسلامويين المتطرفة المتبناة فقط، وإنما إلى ضعف الحياة والهوية التي تركوها وراءهم. وبعبارة أخرى، يبدو السرد السلفي الجهادي أكثر جاذبية وإغراءً عندما يصبح الوضع الراهن (أن تكون مواطنا شابا يدعم الحكومة الأردنية) بلا معنى أو حتى أمراً بغيضاً ومكروهاً. وهنا، يصير من الحيوي أن تتحول إلى السياق السياسي، الذي يكشف عن الأزمة الكامنة، فالعديد من الشباب الأردنيين ببساطة لا يرون أنفسهم أصحاب مصلحة في دولتهم أو مجتمعهم. وقد أظهرت الدراسات الاستقصائية منذ فترة طويلة أن الأردنيين مثلهم مثل أي شباب عربي آخر يرغبون بحكومات أقل فسادا وأكثر ديمقراطية. وكان الافتراض السائد في الأردن هو أن الإحباط لعدم تحقيق هذه الرغبات سيظهر في حالة من اللامبالاة بدلا من وجود حراك بين الشباب. فعلى سبيل المثال، لا يصوت معظم الأردنيين دون سن الثلاثين في الانتخابات البرلمانية لأنهم يرون أن الهيئة التشريعية ترمز إلى عدم كفاءة الحكومة وعقمها.

ولكن نتائج البحث تشير إلى عكس ذلك. فالشباب الأردنيون لم يقتصر إحباطهم على عدم اللامبالاة، الأمر الذي قد يرسخ الكسل، بل أيضا تمثل على شكل مشاعر قوية من التهميش السياسي، مما يجعلهم عرضة للتطرف الإسلاموي ووعده بإنشاء نظام سياسي واجتماعي جديد لهم يكونون فيه حجرًا أساسيًا. وعلى وجه الخصوص، كثيرا ما يتذرع الشباب الأردنيون بمفاهيم الظلم والعجز، التي تجسد انفصالا سياسيا عميقا. وهذا الظلم يؤسس لحالة الغضب من الفساد والوساطة على نطاق واسع وهو الأمر الذي يزعزع المؤسسات السياسية الوطنية، ابتداءً من رجال الأعمال الذين يشترون المقاعد البرلمانية ووصولًا للتدخلات المتكررة من قبل الأجهزة الأمنية. وكما قال أحد المدونين الشباب: "لا يمكنك أن تشعر بالفخر في بلدك كما تطلب منك الحكومة، حين يكون من في الحكومة وصلوا إلى مناصبهم بالرشاوى. إنه أمر مهين لكرامتنا".

وكما تؤكد نتائج مجموعة التركيز الأخيرة، يشعر الأردنيون الشباب أيضا بالعجز. وينشأ هذا العجز عن الاعتقاد بأن تداول السلطة يتم تحديده بشكل أساسي من قبل قوى خارجية أو صلات مثل الصلات القبلية والصالح الملكي والثروة الموروثة وغيرها من العوامل الوسيطة. وتضخيم هذه السلسلة من عدم التمكين أدى إلى وجود بيئة مقيدة بشكل متزايد تمنع التعبير عن الذات منذ توسع قانون مكافحة الإرهاب لعام 2014. وقلة من الشباب يشعرون بالأمان الكافي للتحدث بصراحة عن هذه القضايا في العلن، نظرا لأن قوات الأمن قد اعتقلت مئات الصحافيين والمدونين والطلاب الذين ليس لهم صلة بالتطرف الديني، لسبب بسيط هو أن انتقاداتهم وأفكارهم "أخلت بالنظام العام".

إن ربط هذه المشاعر بالظلم والعجز يؤكد الاعتقاد المسبق بأن الشباب ليس لهم صوت سياسي في عملية صنع القرار الوطنية التي تهيمن عليها الملكية وحكومتها المعينة وجهاز الاستخبارات. وكشفت المقابلات التي أجريت مع نشطاء محنكين بعض الأمثلة عن المطالب التي يتجاهلها المسؤولون بشكل مستمر، وعلى رأسها دمج التركيبة الديمغرافية للشباب في الهيكل السياسي. وتعد وزارة الشباب الحالية وزارة ثانوية بالنسبة للميزانية أو الأولوية، وبصرف النظر عن حالات التراجع الملكي أو اجتماعات المجتمع المدني في بعض الأحيان، فإن فرص وصول الشباب إلى وزراء الحكومة والمحكمة الملكية قليلة. كما يدعو الناشطون الحكومة الى شن حملة شاملة لمكافحة الفساد والتي لا تكون فقط بهدف اصطياد كبش فداء بارز مثل كبار المسؤولين بتهمة اختلاس الملايين، ولكن أيضا للقضاء على أعمال الفساد اليومية التي تفسد الحياة العامة من قبيل الرشوة على نطاق صغير أو استخدام الواسطة (الاتصالات؟) للتمتع بمعاملة مناسبة، كما هو الحال بالنسبة لتأمين وظيفة في الخدمة المدنية أو مسح السجل الجنائي. وبالنسبة للكثيرين فإن هذه القضية غير المعالجة تعني أن للإجرام جذورًا عميقة داخل الدولة الأردنية، ولكنّ القادة السياسيين غير راغبين في اقتلاعها. ومما يبعث على الإحباط أيضا أن هذه المطالب المتشددة لمكافحة الفساد التي دفعت حركات الشباب للاحتجاج في الأردن خلال الربيع العربي عام 2011-2012، لم تسفر عن أي من الإصلاحات التي وعدت الحكومة بها.

وتبين مناقشات المؤلفين مع الحركات الناشطة التي يحركها الشباب أن هذه المظالم السياسية وغيرها تشير إلى تصور جماعي للإقصاء والإهانة. وهذا النوع من البيئات بالتحديد التي قال عنها باحثون في مجال الإرهاب بأنها تجعل الأفراد عرضة لتصديق الأفكار والأيديولوجيات المتطرفة. فالأردنيون الذين ينضمون إلى تنظيم الدولة الإسلامية أو المتأثرون بها، لم يولدوا إرهابيين؛ فقد تم إرسالهم إليها من قبل إيكولوجيا سياسية تتجاهل منذ فترة طويلة حنين جيلهم للكرامة والهدف والمعنى. وفي الآونة الأخيرة فقط قبل صناع القرار والسياسات بهذا الواقع، إلا أن البرنامج الوحيد الملحوظ لمكافحة التطرف الذي يستهدف الشباب هو مبادرة صغيرة النطاق لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي تمولها المعونة الأجنبية اليابانية. ومن المؤسف أن مكافحة التطرف ومنعه من خلال الانخراط السياسي مع المواطنين الشباب المحبطين لم تصبح بعد أولوية سياسية للحكومة الأردنية.


ضعف الهوية الأردنية
هذه التعبيرات عن الظلم والعجز هي من أعراض ضعف التعلق لدى الشباب الأردني بدولتهم ومجتمعهم. ويكمن جوهر هذه المشكلة في غياب أي شعور قوي بالقومية الأردنية أو الهوية الوطنية. وغالبا ما يعزو المؤرخون ذلك إلى عمر المملكة الأردنية القصير. حيث كان تأسيس المملكة في عام 1921 كمنتج ثانوي للإمبريالية البريطانية وهو ما يعني أن الكثير مما يمر بالثقافة الأردنية اليوم قد اخترع صراحة خلال العقود الاستعمارية. إلا أن السبب الأكثر أهمية هو تعدد الهويات دون الوطنية المتنافسة والتي تُستثنى في كثير من الأحيان. إن الانقسام الأساسي الذي لا يزال يشكل الحياة العامة اليوم هو الانقسام بين الأغلبية الأردنية الفلسطينية والأقلية غير الفلسطينية أو الأقلية "الأردنية". وعلى الرغم من أن جميعهم تقريباً مسلمون، فإن معظم الأردنيين يستمدون تراثهم من الاتحادات القبلية التي أقامت في المنطقة قبل وصول اللاجئين-المواطنين الفلسطينيين عند بداية الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948.

وقد تضخمت التوترات السياسية بين هذه الفئات من جراء الصراع الأهلي في أيلول/سبتمبر 1970، ولا تزال مستمرة حتى اليوم، حيث يظهر الأمر في التمييز وعدم الثقة بالأردنيين الفلسطينيين. فعلى سبيل المثال، كل الوظائف في جهاز الدولة تذهب للأردنيين؛ وأيضًا یعمل الأردنيون في الخدمة المدنیة والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ويعتبرون الدائرة الأساسية للمملكة الھاشمیة الحاكمة. ولكن حتى بين الأردنيين أنفسهم، يعانون من انقسامات حادة، فالقبائل الوسطى والشمالية، مثل بني صخر وسرحان، تتمتع بقدر أكبر من التفضيل بالوصول إلى الوظائف العامة والموارد من القبائل الجنوبية الفقيرة مثل بني حميدة وحويطات. وعلى العكس من ذلك، يحتفظ الفلسطينيون الأردنيون بدور بارز في اقتصاد القطاع الخاص ولكن بوصول قليل جدًا للسلطة السياسية. وتشكل العملية الانتخابية للبرلمان مثالا على ذلك، حيث إن مناطق التصويت تتمتع باهتمام كبير لصالح المناطق القبلية الريفية على حساب المناطق الحضرية الأكثر اكتظاظا بالسكان حيث يسود الأردنيون الفلسطينيون، وكثيرا ما يستهدفهم الرجعيون الأردنيون الذين لا يزالون يرونهم ضيوفا لا مواطنين!

هناك فروق دقيقة تشوب هذا المشهد، مثل التزاوج المتزايد بين الأردنيين والأردنيين الفلسطينيين منذ الثمانينيات. ومع ذلك، فإن النقطة الأهم هي أن الأردن سيفتقر دائما إلى هوية السكان الأصليين على المستوى الوطني والتي يمكن أن تتجاوز الحدود الطائفية وتكرس إحساسا متساويا بالصوت السياسي. إلا أن الهوية في الأردن صارت عامل إقصاء يذكر الناس بعدم المساواة ويسرد على الأردنيين من هم ومن ليسوا هم. والنتيجة هي وجود إطار مجوف للمواطنة غير قادر على تعبئة الجماهير خلف الرموز الموحدة، إلا في حالات نادرة من الحزن، على سبيل المثال، وفاة الملك حسين في عام 1999 أو في الآونة الأخيرة، حينما قام تنظيم الدولة الإسلامية بقتل الطيار المعتقل معاذ كساسبة قتلة شنيعة. وفي حين أن هذا الحدث الأخير أثار غضبًا جماهيريًا جماعيًا في الأردن، إلا أنه لم يمنع تدفق الشباب الساخطين إلى تنظيم الدولة الإسلامية، كما اتضح من الهجمات الإرهابية الأخيرة.

ومن جانبه، فإن النظام الملكي الحاكم يعترف بهذه المشكلة، ولكنه لم يعالجها على نحو كامل لأن ذلك سيعرض صورته الذاتية للخطر كحكم محايد في السياسة وكيان فوق التنافس الطائفي والصراع الداخلي. وقد تميز العقد الأول من حكم الملك عبد الله بعد صعوده إلى العرش في عام 1999 بعدة مبادرات ملكية تهدف إلى اكتساب الفخر الوطني مثل مشروع "الأردن أولا" في عام 2002 و"كلنا الأردن" في عام 2006، ولكنها انتهت تقريبا بنفس السرعة التي بدأت بها بسبب غياب دور الشباب. ولم يسعَ الأردنيون الشباب يومًا لدعم هذه المثل العليا، ونادرا ما شاركوا في المنتديات التي ترعاها الحكومة والتي تهدف إلى غرسها، وحين كتبوا عنها، كانوا يكتبون فقط بهدف السخرية من طبيعتها الجوفاء. وكما قال أحد المنظمين الشباب: "ليس هناك تضامن في المجتمع، لأنه لا يوجد مجتمع أردني واحد بل هناك منافسات... وحتى تعترف الحكومة بذلك، فإننا لن ندعي أن جميع الأردنيين متساوون".

عرقلت استراتيجيات مكافحة الإرهاب الموجه نحو الأمن في الأردن التطرف الشبابي، ولكنها لم تقيده تماما. وقد لعب كل من الاقتصاد والتعليم والأيديولوجية الدينية أدوارا في دفع الشباب الأردني نحو تنظيم الدولة الإسلامية. ومع ذلك، وكما تشير رؤى الدراسات الإرهابية والأبحاث التي أجراها المؤلفون، فإن المشاركة السياسية المباشرة مع عدد كبير من المواطنين الشباب مهمة أيضا. وتعكس قابلية الشباب الأردنيين للانضمام وتصديق للأيديولوجيات المتطرفة المشاعر السائدة من الظلم والعجز، مما يؤدي إلى انفصال سياسي يحدث نتيجة غياب أي هوية وطنية شاملة؟ للإرهاب نتائج سياسية، ولكن في الأردن له أصول سياسية أيضًا.


(المقال الأصلي)

دلالات