الأردن: نهاية الرسوب في "التوجيهي"
الأردن: نهاية الرسوب في "التوجيهي"
( في مدرسة بعمّان، تصوير: توماس إيمو)


لم يعد خفيًا في الأردن، أن أوساطًا تعليمية وتربوية رفيعة المستوى، أصبحت تعبّر عن عدم ثقتها بتاتًا بـ "امتحان الثانوية العامة"، ولا تخفي قلقها المستمر، من الدور "المتخلّف" الذي يقوم به هذا الامتحان، إلا أن ذلك، للأسف، تقرّ هذه الأوساط التي تحدثت إلى "جيل"، بـ"أن إيمانها الشخصي شيء، والتعامل مع الواقع شيء آخر".

ومن الإنصاف أيضًا أن نتذكر سريعًا، يقول أحد التربويين الذي فضّل عدم ذكر هويته، العمل الكبير الذي بُذل خلال السنوات القليلة الماضية، عقب تولّي الرجل التربوي العتيق، محمد الذنيبات، لإعادة "الهيبة" لامتحان الثانوية العامة، والتي أفرزت إنجازات لا يمكن أن يتجاهلها أحد في الأردن، بالتوازي، مع الحرب الطاحنة، التي كان يخوضها الذنيبات، مع "أشباح" من داخل الدولة، تقود الحملة ضدّ خططه في التطوير على حدّ قوله.

وبالتغيير الوزاري الكبير، الذي حصل قبل أربعة أشهر من الآن، على حكومة هاني الملقي، يترجّل بسببه المخضرم محمد الذنيبات عن وزارة التربية، لصالح الوجه الجديد أيضًا عمر الرزاز، المحسوب على الطبقة السياسية لـ"رجال القصر".

الرزاز، والذي يُعدُّ من أبرز مستشاري الظل الأساسيين، والذي رفض مناصب وزارية، فيما كان يقود لجنة ملكية للتدقيق في التخاصية، والمحسوب على التيار المدني الليبرالي، أثار خوفًا كبيرًا في أوساط التربويين الأردنيين، من أن يطرح هذا الوزير، ورقة عمل غارقة بالنظريات، ثم يلقيها بين أيدي الجميع، ويدير أكتافه.

تفجّرت هذه المواجهة بالفعل، أثناء قضية "تعديل المناهج الدراسية"، والتي أثارت جدلًا كبيرًا في الشارع الأردني، بسبب الردود والتعليقات الصادرة من الرزاز، وتأييده القوي لتعديل المناهج الدراسية.

فيما عبرت مجموعة من المواطنين والنشطاء في ذلك الوقت، عن رفضهم القاطع، لاتخاذ الوزارة لمثل هذه الخطوة، دون دراسة النتائج، حيث اعتبروا أن "اجتثاث الآيات القرآنية من المناهج، والعبث بها وتشويهها، يُعتبر ضياعًا للهوية الوطنية والدينية في المناهج المعدّلة".

ولم يكتف وزير التربية والتعليم الأردني، عمر الرزاز، بإطلاق التصريحات المثيرة للجدل، نتيجة توجهاته التربوية والتعليمية في الأردن، وإنما يخوض الرجل هذه المرّة،  صراعًا حقيقيًا، لتمرير قرار مفصلي، يتجسّد بإلغاء "امتحان الثانوية العامة" في المملكة، إنّما بالتدريج، وكل ذلك يحدث، وسط كم هائل من البيانات المضادة له.

وفي تفاصيل القرار التربوي، كان الرزاز قد أعلن قبل أيّام، أن النيّة تتجه لإلغاء حالة "الرسوب" من الثانوية العامة، والاعتماد على حاصل جمع مجموع العلامات، وليس على النجاح التام في كل المواد.

وأوضح الرزاز، الذي كان يتحدّث للتلفزيون الرسمي الأردني، "أن التعليمات السابقة، كانت تسمح للطالب بالتقدم لأربع دورات أو 3 سنوات فقط، فيما كانت العديد من الحالات التي حُرم الطلاب بسببها من استكمال دراستهم، مثل أن يكون الطالب متفوقًا في مواد، وضعيفًا في أخرى، كاللغة الإنكليزية، أو أن يكون الطالب قرّر التوقف عن الدراسة، لأسباب صحيّة مثلًا، ولم يستطع إكمال دراسته، بسبب شرط (مدّة الـ 3 سنوات).

وأوضح الوزير، "أن فتح الباب أمام الطلاب سيشمل أيضًا، أولئك المكمّلين في مادة أو أكثر، أو حتى الطلاب الناجحين الذين يرغبون برفع علاماتهم في مواد أو مادة معينة.

واعتبر، "أن أهم الثغرات التي تواجه امتحان الثانوية الأردنية (التوجيهي)، هي نسبة الرسوب العالية، على الرغم من أن هذا الرسوب، يلحق بكثير من الطلبة المبدعين، مشيرًا أن هذا الامتحان، يقيس قدرة الطالب على الحفظ فقط، بينما المقصد الحقيقي، يتجسّد بإنتاج طلبة قادرين على الفهم والتفكير، إلى جانب الحفظ".

وعليه، فإن الوزارة تسعى الآن، لإيجاد طريقة جديدة لاحتساب علامات التوجيهي، حيث "لا يمثل فيها إخفاق الطالب في مادة، رسوبًا في كل الامتحان، فلم يعد مقبولًا، أن الحاصل على علامة 49 راسب، والحاصل على 50 ناجح"، بحسب تعبير الوزير.

أوساط تربوية تحدثت إلى "جيل"، من بينهم مثل نقيب المعلمين الأسبق، مصطفى الرواشدة، أيّدوا صراحة توجّه الوزارة لمثل هذه الأفكار، واعتبروا أن الوزارة تجري مراجعة شاملة لامتحان التوجيهي، ويشمل ذلك، إعادة النظر بالاعتماد فقط على سنة واحدة من عمر المرحلة الدراسية للطالب الأردني، والتي تمتد لـ 12 عامًا من الدراسة، فـ"لا يجب أن يكون المعيار امتحانًا واحدًا فقد، وهو (التوجيهي)، وإهمال باقي السنوات".

من جهتهم، يرى خبراء تربويون، أن هذا التوجّه بكافة جوانبه، والمتعلق بالمضمون وشكل الامتحان، يساهم إلى حد كبير، في إلغاء سلبيات نتائج التوجيهي، وذلك من خلال تنحية كلمتي "راسب، ناجح"، وتعويضها باحتساب مجموع علامات الطالب في الامتحان، وربطه بالتخصّص.

في مقابل ذلك، أكد نقيب المعلمين الأسبق، مصطفى الرواشدة، أن توجّه الوزارة لاحتساب المجموع العام دون الرسوب في أيّة مادّة، في مصلحة الطالب، غير أنه لم يخف قلقه حين تساءل عن قدرات الجامعات بعد ذلك: و"هل هي مؤهّلة ولديها معايير، لإجراءات القبول وفق قدرات الطلبة؟".

على الضفة الأخرى، تعالت الأصوات الرافضة لهذا التوجّه الوزاري، لاعتماد تقييم "راسب أو ناجح" في نتيجة التوجيهي، والاكتفاء "بوضع مجموع علامات الطالب، وإرسالها إلى وحدة القبول الموحّد، لتتمكّن من تحديد تخصّص ونوع دراسة الطالب ضمن المجموع العام".

الحملة الوطنية لحقوق الطلبة "ذبحتونا"، رفضت مبدئيًا هذا القرار، واعتبرته "قرارات مجتزأة لإصلاح العملية التعليمية، دون وضع خطة استراتيجية شاملة، وعابرة للحكومات"، وفي النهاية، "لن يؤدّي إلا إلى المزيد من التخبّط، وتدمير العملية التعليمية"، وفق بيان ما جاء في بيان الحملة.

ورأت الحملة، "أن إصلاح التوجيهي، وخاصة ما يتعلق بالكارثة الأكبر وهي رسوب ما يزيد على 80 ألف طالب سنويًا، يتم من خلال منظومة وخطة عمل، تبدأ من الصفوف الأساسية، مرورًا بالبنية التحتية والمناهج المدرسية والمعلّمين، وانتهاء بالتوجيهي".

وأشارت الحملة إلى أن القرار، "لا يخدم عملية إصلاح التوجيهي"، وبينت "أن كل أنظمة التوجيهي في العالم تخضع طلبتها للنجاح والرسوب، وما يختلف هو آلية القبول بالجامعات، ولكن الأهم هو أنه لا يوجد نظام يعطي طالبًا راسبًا شهادة ثانوية عامة أو دبلومًا"، محذّرة في الوقت نفسه، من أن "إلغاء الرسوب سيضاعف من إشكالية مخرجات التعليم الجامعي"، وأنه "سيعزّز من الطبقية في التعليم الجامعي"، وأن "المستفيد الأكبر من القرار هو الجامعات الخاصة".

بدوره، وجّه الناطق الرسمي باسم نقابة المعلمين أحمد الحجايا، ومن خلال بيان، تلقى "جيل" نسخة منه، جملة من الأسئلة إلى وزير التربية والتعليم، عمر الرزاز، بعد قرار الوزارة الأخير، المتمثّل في إلغاء تقييم "ناجح – راسب" لشهادات وكشوفات الثانوية العامة، واعتماد مجموع العلامات بدلًا عنه.

وقال الحجايا، إن القرار هام وحسّاس، وإن بعض قرارات الوزير الرزاز مغايرة لقرارات الوزير السابق، محمد الذنيبات، متسائلًا، "إن كانت هذه القرارات، خاصة بالوزراء؟ وهل هي مبنية على خطط واستراتجيات مرسومة مسبقًا؟، وما دور الكوادر الموجودة بالوزارة في هذه القرارات؟ وهل سيكون هناك قرارات قادمة تخصّ التدريب والمناهج والامتحانات التي تؤثّر على الشعب الأردني بجميع شرائحه؟".

وأوضح الحجايا، أن هذه الأسئلة ترسم الإجابة لوزير التربية والتعليم، خاصّة أنه ينظر إلى الوزارة بأنها "حيوية وذات سيادة"، بعملها اليومي والمستمر، من خلال التطوير والتغيير، الذي يجري فيها، ما يشكّل الأثر المباشر على حياة الأردني (معلمين، طلبة وذويهم والمهتمين بالشأن التعليمي).