أحمد الدقامسة.. اقتراب اليوم الموعود

"لا تخاف.. لا تحزن.. ارفع راسك لفوق"، تلك هي الكلمات التي خرجت من فم والدة الجندي الأردني المسرح، أحمد الدقامسة، لحظة رؤيته، خلف قضبان قفص الاتهام، قبل عشرين عاماً؛ فضجت بها جنبات المحكمة، قبل أن تصدر حكمها "القاسي"، بحبس حريته بالسجن المؤبد.

"جيل"، أعاد مرة أخرى مشهد المحاكمة، أمام والدة الدقامسة، وذكرناها بكلماتها تلك، لتعلو صفحة وجهها، والذي أكلت العشرون عاماً تلك، الكثير من جلدته، سحابة عز، مشددة بكلماتها القوية، أنها "فخورة بفعلته، حتى لو رجعت السنين، لصدحت بها مرات ومرات".

الدقامسة، والذي خدم في قوات حراسة الحدود الأردنية، ثم كان يوم 13 آذار/مارس عام 1997، وبينما كان يؤدي واجبه في حماية منطقة "الباقورة"، وتحديدًا أكثر، حين ما كان يؤدي الصلاة، إذ بحافلة تقل مجندات يهوديات، نزلن المكان للاستجمام، فـ"تقدمت إليه مجموعة من الفتيات، وأطلقن عليه بعض النكات مع ضحكات ساخرة، فما كان منه إلا أن يطلق عليهن الرصاص، فقتل سبعاً، وأصاب خمساً.

العاهل الأردني الراحل، الملك الحسين، دان يومها هجوم الدقامسة، ثم زار لاحقًا الكيان الصهيوني لتقديم العزاء لعائلات القتلى، فيما تلقت بعد ذلك تعويضات من الأردن، لم يفصح عنها.

والدة الدقامسة تكشف في حديثها لـ"جيل"، قبل تلك الحادثة، أن ولدها أحمد، "كان يتألم كثيرًا، عندما يشاهد ما يحصل في فلسطين"، مبينة أنها عندما سمعت بمقتل إسرائيليات ذكرت أن والده قال ساعتها: "هذا أحمد".

"عندما حضر أحمد إلى المحكمة رأيته خافضًا رأسه.. صرخت به وقلت له، لا تخاف.. ولا تحزن.. ارفع راسك لفوق"، تقول والدة الدقامسة، والذي ولد عام 1972 في شمال الأردن، وهو جندي أردني، يعشق فلسطين، تبين المتحدثة، ويتألم، لما يشاهد مجازر ترتكب في حق أبنائها.

لم تكن رصاصات الدقامسة سوى تصريح شديد اللهجة من قبل الشعب الأردني، والذي عبر عن غضب شعبي، تجاه عملية التطبيع الأردني مع "إسرائيل"، ورفضًا للتغلغل الصهيوني في الأردن، إبان توقيع معاهدة وادي عربة بين المملكة والكيان الصهيوني، في 26 أكتوبر/تشرين الأول 1994، سيئة السمعة، وفق رئيس لجنة الدفاع عن الأسير الدقامسة، زياد الدقامسة.

البرلماني الأسبق والناشط السياسي، علي السنيد، يسرد لـ"جيل" جانبًا من شخصية الجندي، وهو الذي شاطره عام 1997 زنزانة التوقيف، عقب تحويله إلى محكمة أمن الدولة، نظرًا لنشاطه السياسي المرفوض من قبل النظام في حينه، وصدور حكم بالسجن سنة بحقه، يقول عنها السنيد، بأنها "شكلت فرصة نادرة حتى ألتقي بأحد أبطال الأردن، ممن يملكون الصورة المكثفة للشهامة، والكرامة، وكان أسطورة في الفداء، والتضحية"، بحسب تعبيره.

يقول السنيد إن الدقامسة أخبره في المعتقل أنه "كان يتحين الفرص ليؤدي ما عليه من دين استحق للأرض المقدسة، وأن واجبه دفعه أكثر من مرة للقيام بمحاولات أولية كانت تحصد الفشل، واختار من المواقع أم قيس، وغيرها، وقد عبّأ سلاحه مرات عديدة، وحاول اصطياد إسرائيليين، إلا أنه فشل في تأدية هذه المهمة الضميرية، كما درج يسميها، إلى يوم الوقت المعلوم، حيث يصدر قرار بنقله إلى الباقورة، وبذلك يجد نفسه فجأة وجهًا لوجه أمام أعدائه".

يروي السنيد عن الدقامسة: "تقود الأقدار مجموعة من الحافلات، والتي تقل على متنها مئات الفتيات الإسرائيليات، إلى فصل مرعب من الموت، ينتظرهن في الباقورة، وكن ما بين سن الخامسة عشرة حتى العشرين كما بدا له من خلال الهيئات التي أخذت تتقافز من فوهات الحافلات الكبيرة، وراحت تدنس أرض الباقورة، لتدوي الرصاصة الأولى معلنة انطلاقة المشهد الدامي"، وفق وصف المتحدث.

منذ ذلك الحين، تمر عشرون عامًا على سجن الدقامسة، دون أن يناله أي عفو عام أو خاص في قضيته، سواء تحت ضغط المطالبات المستمرة بالإفراج عنه، أو بسبب سوء حالته الصحية بعد إضرابه عن الطعام أكثر من مرة.

وكان وزير الإعلام والناطق باسم الحكومة الأردنية محمد المومني، قد أكد، خلال مؤتمر صحافي عقد مؤخرًا، أنه سيتم الإفراج عن السجين، بعد انتهاء محكوميته، تحديدًا يوم الإثنين بتاريخ 13-3-2017، لافتًا إلى أن "هذا أمر يقع ضمن الإطار القانوني وليس السياسي".

من جهتها، تؤكد عائلة الجندي، والتي تقطن بلدة "ابدر" شمال مدينة إربد، حيث تسكن عشيرة الدقامسة في بيوت متقاربة، وهي إحدى القرى التي سبق وأن تعرضت لعدة غارات إسرائيلية في سياق الحروب التي شنتها إسرائيل على العرب، أنها تستعد لأكبر موكب احتفالي في تاريخ الأردن لاستقبال ابنهم أحمد، المسجون في مركز إصلاح وتأهيل "أم اللولو"، قرب مدينة المفرق، منذ تاريخ 12/3/1997، بحسب ما أكده لـ"جيل" زياد الدقامسة.

يكشف زياد، وهو أيضًا ابن عم أحمد الدقامسة، أنه على الرغم من تعرض عشيرة المعتقل الدقامسة لضغوط من قبل أطراف أمنية داخلية، كما وصفها، نصحت بعدم إقامة مراسم احتفال بخروج ابنها المعتقل، إلا أن أبناء العشيرة، ومن خلفها عشائر الأردن كافة، قد تهيأت لإقامة احتفال تاريخي بخروجه من المعتقل، مضيفًا أن أحمد طلب من نجله نور الدين "إحضار بذلة رسمية له، استعدادًا لخروجه من السجن".

وحول ما أثير في وسائل إعلام محلية من أن "إسرائيل" قد تقدم على تصفيته، رافضة أن يعيش حرًا، دون أن تفكر في الانتقام منه، أكد زياد أن أصواتًا غاضبة في "إسرائيل" بالطبع، سترتفع مستنكرة إطلاق سراح الدقامسة، حتى بعد أن أنهى محكومتيه، ولا يمكن استبعاد فرضية "اغتياله"، مثلما حصل مثلاً، مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الفلسطينية خالد مشعل.

فثمة من يعتقد أن رئيس الحكومة الصهيونية، بنيامين نتنياهو، وهو الذي كان أيضًا على رأس الحكومة وقت محاولة اغتيال مشغل، تعلم الدرس، ويعرف كلفة الإقدام على عمل أحمق كهذا الآن، إلا أن آخرين يخالفون هذا الرأي؛ فـ"إسرائيل" لا تعرف خطوطًا حمراء، ولا تكف عن ملاحقة خصومها أينما كانوا، والذاكرة مليئة بالاغتيالات المدبرة، بحسب ما يؤكده لـ"جيل"، عدد من خبراء السياسة الخارجية الأردنية.

وفي هذا الجانب، ألمح زياد إلى أن عائلة الدقامسة ستتقدم بطلب للحكومة الأردنية، بقصد توفير حماية لابنها من أي محاولة اغتيال قد تقدم عليها "إسرائيل"، محملًا الجهات الرسمية المسؤولية الكاملة عن حياته وسلامتها.

نجل الجندي الدقامسة، نور الدين، نقل عن أبيه في آخر رسالة له من معتقله، سلامه للأردنيين، والذين، كما قال عنهم، ما بخلوا عليه بالدعم والمؤازرة، في إشارة واضحة إلى أن معنوياته لا تزال عالية، وكأن سنوات السجن لم تنل من عزيمته وصبره، ولم تقضم شيئًا يذكر، من إصراره على إثبات الانطباع لدى كل الأردنيين من أن "السلام المزعوم مع الصهاينة، لن يتحقق، بل مستحيل"، وفق زياد الدقامسة.