"نصف سجين".. حياة النشطاء تحت المراقبة

لم يعد إخلاء السبيل يعني الحرية كاملة؛ فالخروج من السجن قد يعني الدخول في سجن يومي من نوع آخر، خاصة إذا كان السجين ضمن النشطاء السياسيين.

"تحت المراقبة" يقضي بعض النشطاء حتى الآن عقوبات إضافية، ولمدة 12 ساعة يوميًا أجبروا على الوجود داخل أقسام الشرطة التابعة لمكان إقامتهم.

تقتضي قرارات الإخضاع لمراقبة الشرطة في مصر، قضاء عدد من الساعات في قسم للشرطة يوميًا أو كل أسبوع، ويستخدم هذا التدبير كبديل للحبس الاحتياطي، أو يمكن أن يفرض كعقوبة تكميلية إلى جانب الحكم القضائي بالسجن.


إذلال تنظيف الأقسام
داخل زنزانة بقسم القطامية اضطر أحمد ماهر، مؤسس حركة 6 إبريل، قضاء ليلة دون متعلقاته لرفضه أن يقوم بتنظيف ومسح أرض القسم، كان ذلك أثناء قضاء المراقبة كجزء من العقوبة التابعة الحبس ثلاث سنوات قضاها على خلفية قضية "مظاهرة عابدين".

المادة رقم 98 لسنة 1945 الخاصة بالمراقبة وضعت لمن قاموا بأعمال إجرامية تهدد المجتمع، كالسرقة والبلطجة، لمنعهم من العودة للنشاط الإجرامي ودمجهم في المجتمع مرة أخرى.

يرى أحمد ماهر أن ما حدث معه ليس له علاقة بالقانون، مؤكدًا أنه لا يوجد ما ينص قانونًا على إجبار من يقوم بقضاء المراقبة القيام بأعمال كـ "التنظيف ومسح القسم"، ولكن يتلخص دور وزارة الداخلية في مساعدته أن يكون مواطنًا صالحًا محبًا للدولة، وفقًا للقانون.

"ما يحدث العكس" يؤكد ماهر، مضيفًا أن من يخضعون للمراقبة يتم دفعهم للعودة للجريمة مرة أخرى من خلال ما يتم معهم، قائلًا: "هناك جنائيون لم يرتكبوا جريمة وصدرت ضدهم أحكام، لكن بعد قضاء فترة العقوبة وتكديره يخرج كارهًا للجميع".

يلخص ماهر الوضع قائلًا: "لا يختلف الوضع في المراقبة ما بين السجن والتواجد في غرفة غير مسموح للموجودين فيها التحرك، يُحرم كل منهم لقاء أسرته أو إيجاد فرصة عمل جيدة، خاصة وأنه مُضطر قضاء 12 ساعة يوميًا داخل القسم، والتأخر عن موعده يعني جنحة وحبس مرة أخرى".

يستنكر ماهر ما يتردد على اذنيه يوميًا: "لو منضفتش القسم هتتحبس في الحجز علشان تعرف النعمة اللي انت فيها، مفيش حد بيراقب في القسم يقعد من غير شغل"، مؤكدًا أن ما يحدث غرضه الإهانة والإذلال فقط، فلا يوجد في القانون ما يجبر أحدًا على العمل بالسخرة.


فرض تعسفي
العفو الدولية في تقريرها الصادر في مارس/آذار 2017 وثقت ما لا يقل عن 13 حالة كانت تدابير المراقبة فيها مفرطة أو فُرضت تعسفًا ضد ناشطين، وفي بعض الحالات، مهّدت أوامر المراقبة الطريق لحبسهم احتياطيًا للمرة الثانية.

وفي ما لا يقل عن أربع حالات وثقتها العفو الدولية قُبض على الناشطين الخاضعين للمراقبة وحبسهم احتياطيًا مرة ثانية؛ رغم عدم انتهاكهم لشروط المراقبة المفروضة عليهم.

محامي ماهر في حديثه للعفو الدولية تحدث عن شعوره بأنه ما زال في السجن، وبأن الغرض من وضعه تحت المراقبة هو تقييد حركته، ومنعه من المشاركة في أية أنشطة سياسية، أو التعبير عن آرائه عقب الإفراج عنه، ولا يستطيع العناية بوالدته، التي تعاني من المرض، ويتطلب وضعها العلاج الطبي.

قال المحامي إن ماهر أُجبر، خلال الأيام الأربعة الأولى من فترة مراقبته، على الجلوس في ممر مظلم أمام زنزانة في قسم شرطة التجمع الخامس، من دون فراش أو بطانية أو ضوء، ثم نُقل بعد ذلك إلى غرفة صغيرة باردة تحت الدرج بمساحة 1.5 2مترًا مربعًا، وحظر عليه طيلة 12 ساعة يقضيها كل ليلة استعمال الأجهزة الإلكترونية، بما في ذلك هاتفه المحمول، ويحرمه بعض رجال الشرطة كذلك من استخدام المرافق الصحية.


نصف سجين
في مايو/أيار 2016 قبض على الناشط السياسي زيزو عبده، بتهمة التحريض على المشاركة في مظاهرة لرفض اتفاقية تيران وصنافير وبعد 5 أشهر من الحبس الاحتياطي، حصل على إخلاء سبيل، لكنه وضع تحت المراقبة لمدة ساعتين 3 مرات في الأسبوع.

في 14 فبراير/شباط 2017 أمرت المحكمة بإنهاء فترة المراقبة وعاد للحبس الاحتياطي مرة أخرى لعدم ذهابه إلى القسم في 8 فبراير/ شباط لأن الشرطة قبضت عليه أثناء جلوسه على المقهى قبل موعد المراقبة بساعات.

يشعر زيزو عبده حتى الآن أنه محاصر وسط حالة من التيه بين الحرية والسجن، فلا يستطيع العمل أو السفر، حتى داخل مصر، أو التعبير عن رأيه بشأن القضايا العامة، ويتجنب المشاركة في أي أنشطة سياسية خشية اعتقاله مجددًا إذا ما جرى تفسير أفعاله بأنها خرق لشروط المراقبة.

وطبقاً للقانون رقم 99 لسنة 1945، يتعين على الأفراد الخاضعين لمراقبة الشرطة قضاء الساعات المحددة لمراقبتهم في محال إقامتهم، بحيث يكونون حاضرين في أي وقت يقوم ضباط الشرطة المسؤولون عن مراقبة الحظر المفروض عليهم بزيارات مفاجئة لهم في منازلهم.

يعطي قانون المراقبة الشرطة سلطة واسعة في إجبار الأفراد على قضاء ذلك الوقت في قسم الشرطة، إذا ما اعتقد ضباط الشرطة أنه يصعب مراقبة الشخص المعني في المنزل، ويعاقب من يخالفون قواعد المراقبة بالسجن لسنة واحدة، من دون تحديد ما الذي يرقى على وجه الدقة إلى مستوى خرق قواعد المراقبة.