الحمامات الشعبية في القاهرة: نعيمًا

رغم مرور الزمن وتعاقب العصور، الذي غير من ملامح العمارة في القاهرة، وظهور طرز معمارية حديثة، إلا أن هناك أبنية معمارية تاريخية ما زالت قادرة على مواجهة الحداثة والاندثار، التي تعبر عن الثقافة والحياة الاجتماعية في مصر.

من تلك الأبنية، الحمامات الشعبية، ذات العمارة التقليدية المشبعة بالتراث، التي عرفتها مصر مع بداية دخول الإسلام (21هـ)؛ حيث بنى عمرو بن العاص في مدينة الفسطاط، أول حمام عام، وعُرف بـ"حمام الفأر" حسبما أوضح ابن دقماق، في كتاب الانتصار لواسطة عقد الأمصار.

في سنة 358 هـ، شيد القائد الفاطمي جوهر الصقلي مدينة القاهرة، "والتي بنى فيها الخليفة الفاطمي العزيز بالله، أول حمام عام"، كما أوضح المقريزي، في كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار 3/146.


16 حمامًا
لم يبخل السلاطين والأمراء وكبار رجال الدولة في العصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية على الاهتمام ببناء الحمامات العامة لخدمة الناس، لكنها "انخفضت إلى 57 حمامًا، عام 1888، قبل أن يتقلص العدد مجددًا إلى 16 حمامًا أثريًا في القاهرة"، حسبما ورد في كتاب "آخر حمامات القاهرة .. اندثار ثقافة" لإيف جاندوسي ومي التلمساني.


الاستحمام وأشياء أخرى
لم تكن الحمامات الشعبية مكانًا للاستحمام والاسترخاء وعلاج آلام الجسم فقط، بل أماكن لتمضية بعض الوقت للتسلية والترفيه عن النفس، أو التعرف على المقبلين على الزواج، أو إتمام الصفقات التجارية، أو نشر الأخبار وحكايات المدينة، أو تدبير المؤامرات السياسية، كما أوضحت رشا عدلي، في كتاب "القاهرة.. المدينة والذكريات".

أيضًا كان للحمامات دورها في الاستشفاء، حيث "كان الأطباء المسلمون عظيمي التحمس إلى الاستحمام، خاصة عند الإصابة بالحميات، وإلى استخدام حمام البخار" كما أوضح ول ديورانت، في كتاب "قصة الحضارة" 13/189.


شاهد على الفرح والسعادة
في الثقافة المصرية، تُعد الحمامات الشعبية من مظاهر حفلات الزواج، حيث كان يخرج منها موكب العروس بعد تجهيزها، بداية من الاستحمام ثم التجميل والتعطير وتسريح الشعر، حسبما أشار خالد عزب، الحمامات برلمان وعيادة ومكان للمؤامرات، جريدة أخبار الأدب المصرية. كما يصاحب الموكب، فرقة موسيقية للغناء للعروس حتى وصولها إلى بيت زوجها.


مواصفات الحمّام الشعبي
يقول نور يحيى، المرشد السياحي، لموقع "جيل"، إن الحمامات العامة حاليًا تتشابه في عمارتها الداخلية، فعندما يتجاوز المستحم باب الحمّام المؤدي إلى الممر المنكسر، فإنه يصل إلى الغرفة الباردة (المسلخ) وفيها يخلع ملابسه، ويتناول مئزرًا يلفه حوله من وسطه إلى ركبتيه، ثم يتجه إلى الغرفة الدافئة، وفيها يستعد المستحم لاستقبال درجة الحرارة المرتفعة بشكل تدريجي، ثم الغرفة الساخنة، وهي تنقسم إلى عدد من الحجرات الصغيرة، التي تحتوي على مغطس ومكان للجلوس والاغتسال في خصوصية.

يضيف يحيى، أن الغرفة الدافئة تتوسطها مصطبة رخامية، وفيها يجلس المستحم للاسترخاء والحصول على جلسة تكيس بواسطة الحمامجي، وذلك لفتح مسام الجلد.

أيضًا، يشير إلى أن أشكال الحمامات العامة، تكون مربعة أو مستطيلة، مع مراعاة بناء السقوف الأسطوانية أو الكروية.


مراحل وطقوس الاستحمام
الخطوات التي يمر بها المستحم من أول دخوله الحمام إلى خروجه منه، هي: "خلع الملابس والاسترخاء في المسلخ، ثم الطقطقة وفيها يتم طقطقة جميع مفاصل الجسم، ثم التدليك وتتم بكيس صغير من الصوف الخشن أو شعر الخيل، ثم الاغتسال بالليف والصابون والماء العذب الذي يجلبه في وعاء نحاسي ويسخنه في أحد المغطسين، وأخيرًا الانصراف" كما يبين خالد عزب.


الحمامات الفاطمية (358-567هـ)
لم يبقَ من هذه الفترة سوي حمام واحد فقط، هو حمّام مرجوش الشهير بـ "الملاطيلي"، ويقع في شارع أمير الجيوش بباب الشعرية (غرب القاهرة)، يقول زينهم أحمد، صاحب الحمّام، لموقع "جيل" إن تاريخ الحمام يعود إلى  عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، متابعًا، أنه حافظ على الطابع المعماري للحمام، كما حافظ على الطقوس التقليدية فيه، لأن ذلك يُعد عنصر جذب.

يوضّح أحمد أن الحمامات الشعبية تُعرف أيضًا باسم الطبيب الأبكم، ذلك لأنها تعالج من دون كلام، وتمنح الجسم الحيوية والنشاط اللازم. يمتاز حمّام مرجوش، بواجهته الأثرية، والزخارف الهندسية التي تزين الباب.


الحمامات الأيوبية (567-648هـ)
لم يبقَ من الحمامات العامة، التي شيدت في العصر الأيوبي، إلا اثنين، الأول حمام الدود في شارع محمد علي، والوارد ذكر وصفه بشكل دقيق في وثيقة وقف السلطان قايتباي. أما الآخر فحمام سعيد السعداء، الذي بناه السلطان الناصر صلاح الدين يوسف الأيوبي.


الحمامات المملوكية (648-953هـ)
ازدهرت عمارة الحمامات خلال عهد المماليك، وأدخل إليها بعض العناصر المعمارية الهامة، مثل الفسقية والمغطس، فضلًا عن اتساع مساحتها، ومن تلك الحمامات:


حمام بشتاك (742هـ)
بناه الأمير بشتاك الناصر، أحد مماليك السلطان الناصر محمد بن قلاوون، ويوجد في شارع سوق السلاح بمنطقة الدرب الأحمر (غرب القاهرة)، ويُعد أجمل وأروع ما فيه هو المدخل، الذي يعبر عن زخرفة وروعة العمارة المملوكية، حيث استخدم فيه رخام أبلق (الجمع بين اللون الأبيض والأسود)، بالإضافة إلى الزخارف الهندسية. حاليًا الحمام مغلق، بعد أن كان مزارًا سياحيًا أصبح مرتعًا للحيوانات الضالة.


حمام المؤيد (823هـ)
أمر ببنائه السلطان المؤيد شيخ المحمودي، ويُعد من الحمامات التي أهملتها وزارة الآثار أيضًا، لذلك طمست الكثير من معالمه، ويمكن رؤية ما بقي منه في شارع المعز لدين الله الفاطمي.


حمام إينال (861هـ)
بناه السلطان الأشرف أبو النصر سيف الدين إينال، وهو السلطان الثاني عشر من دولة المماليك البرجية، ويوجد في شارع المعز لدين الله الفاطمي، وهو حاليًا مزار سياحي فقط.


حمامات وزارة الأوقاف
على عكس الحمامات الخاضعة لوزارة الآثار المصرية، هناك 4 حمامات تتبع وزارة الأوقاف، وهي التي ما زالت تقدم خدماتها للجمهور، والتي يديرها الأهالي بنظام الإيجار الدائم، وهي: حمام مشمش علي (الثلاث) وعوكل (الأربع) في بولاق أبو العلا، وحمام الثلاثاء بالحسينية، وحمام باب البحر في باب الشعرية.

ووفقًا لجولة موقع "جيل"، تتراوح أسعار الاستحمام في الحمامات الشعبية، بين 60 و80 جنيهًا، بينما تصل أسعار حمام العرسان إلى نحو 200 جنيه، وذلك مقابل تجهيزهم لليلة الزفاف.

خلف ورش السبتية وسوق العصر في بولاق أبو العلا، يوجد حمّام عوكل، ذو الواجهة الفرعونية، لكن بمجرد تجاوز هذا المدخل، والهبوط نحو 20 درجة، تظهر ملامح الحمّام، الذي تفوح منه رائحة التاريخ. يقول الحاج محمد عوكل لموقع "جيل" إن الحمّام لم يكن على هذا الشكل من قبل، وذلك لاهتمام بإعادة الحياة إليه مرة أخرى من خلال تجديد الأسقف والأعمدة الرخامية، والذي تم بناؤه منذ 500 عام، مضيفًا أن الحمّام مخصص للنساء من الساعة الـ 8 صباحًا إلي الـ6 مساء، ومن الـ7 مساء إلى الـ7 صباحًا للرجال.

وتعتبر مراكز وبيوت التجميل، التي انتشرت في أحياء القاهرة الراقية، هي العدو الحقيقي للحمامات الشعبية، والتي ما زالت تحاول الحفاظ على جزء أصيل في سلوك الشعب المصري.