الإيجار في تونس العاصمة: الصيّاد والفخّ والطّريدة

قد لا يكون الحديث عن الاكتظاظ والبحث عن السكن في عواصم الدول والتجمعات البشرية الأشد كثافة مشكلة مُستجدة أو إشكالًا حديث التبلور، ولكن تفاقم الظاهرة وحيازتها على اهتمام الوافدين على عاصمة مثل تونس، يجعل من كشف مسببات الظاهرة والمتورطين فيها مشغلًا ذا أولوية مهنية وأخلاقية لا ينبغي القفز عليه.

في السنوات الست الأخيرة، أو بالأحرى تلك التي أعقبت ثورة الرابع عشر من يناير/كانون الثاني 2011، ارتفعت نسبة الطلب على العقارات وشقق الإيجار أضعاف ما كانت عليه في العاصمة خصوصًا، وذلك نتيجة لثلاثة عوامل رئيسية تتمثل في تدفق ما يربو على مليوني ونصف مهاجر ليبي عقب الحرب الأهلية الدائرة في بلادهم، ثم تسهيل إجراءات تمليكهم للعقارات مع الجزائريين والمغاربة، هذا علاوة على أن 24% من سكان تونس يتركزون بالعاصمة وضواحيها والنسبة في ازدياد مستمر. وهذا يعود إلى أن تونس الكبرى تضم أهم المنشآت العمومية والخاصة في كافة المجالات، إضافة إلى أن النصيب الأكبر من مواطن الشغل يتركز هناك.

لكن بالرغم من الأهمية التي تحوزها تونس العاصمة باعتبارها المدينة الأكثر جذبًا في البلاد لطالبي العلم والعمل والخدمات من الطبقة المتوسطة ودونها، يجد هؤلاء أنفسهم في مأزق غياب السكن المحترم والمناسب لإمكانياتهم؛ حيث تتقاذفهم الأسعار المُشطّة للإيجار، تردي الشقق، سوء معاملة المؤجرين، ومعها تتواتر عمليات الاحتيال والاستغلال من قبل السماسرة والملاك على حد السواء، وفق ما أكده المتحدثون لـ "جيل".

تُجمع جميع الرسائل التي تلقيناها على أن الحصول على شقة في العاصمة يمر برحلة كاملة قد لا تنتهي مشاكلها حتى بعد الحصول على المسكن؛ حيث يصطدم الباحث بالتحيل والاستغلال وانتهاك الخصوصية وحتى الهرسلة الجنسية إذا تعلق الأمر بالفتيات.

الروايات التي حصل عليها "جيل" كثيرة ولا يسعها مقال واحد إن أردنا سردها كلها ولكن يمكن اختزالها في الرحلة التالية:


الصيّاد والطّريدة
في اللحظة الأولى التي يقرر فيها وافد ما البحث عن شقة للإيجار، يجد أمامه ثلاث طرق: إما البحث عبر الإنترنت، أو عن طريق وسيط أو "سمسار"، أو تمشيط الشوارع والبحث مباشرة. وهي كلها غير آمنة وعسيرة؛ فهي قد تستغرق أشهر من دون نتيجة مضمونة.

في هذه المرحلة، يعاني كثيرون من المغالطة والاحتيال أو الاستغلال؛ إذ تقوم المغالطة على عدم دقة التوصيف في الإعلانات المقدمة عبر شبكة الإنترنت أو في توصيف السماسرة. يتحدث عصام رمضاني، طالب صحافة واتصال، عن تجربته مع الإيجار؛ فيقول إن معظم السماسرة بلا رخص، كذلك الوكالات العقارية، وهم يعتمدون في عملهم على الاحتيال ومغالطة الحرفاء عبر عروض يُكتشف لاحقًا أن نصفها كذب وأن ما كان يخاله فرصة، يتحول إلى ورطة.

بناء على شهادات كثيرة أخرى لطلبة وموظفين، السمسار هو عبارة على صائد يقظ في عملية يكون فيها الباحث عن الشقة هو الطريدة، التي يحبذ أن تكون فتاة وحيدة غير ذات خبرة، أو فتى مضطرًا من مكان بعيد وعديم الخبرة هو أيضًا حتى تتمّ عملية الصيد، التي تتفاوت غنيمتها حسب نوعية الطريدة كما ذكرنا.

ففي الأمور العادية لا تتجاوز عمولة السمسار الـ 10 أو الـ 20 دينارًا، لكنها مع أنيس النابلي، وهو اسم مستعار، أخذ منه السمسار 200 دينار ومع نرمين رمضان، طالبة تنقلت من محافظة قابس في الجنوب إلى العاصمة للدراسة، تعاملت مع ثلاثة سماسرة أخذ منها كل واحد منهم 120 دينارًا من دون أن تتوصل إلى الحصول على شقة؛ إذ عمد أحدهم إلى إيهامها بوجود شقة شاغرة فتبين أنها قد استُأجرت، وحتى بعد تيقنها أنه قد احتال عليها أرغمها على دفع عمولته كاملة.


شرط الأعزب على الأرملة
في المرحلة الثانية من رحلة البحث عن الإيجار والتي تتمثل في الوصول إلى شقة شاغرة، لا تستغرب إن تم اقتيادك إلى غرفة في السطح أشبه بزنزانة وعرض عليك مبلغ 400 دينار شهريًا في بلد حدد فيه الأجر الأدنى بـ 350 دينارًا -وهذا لنتبين درجة غلاء الأسعار في ما يتعلق بالطلبة والعملة العاديين.

ملاك الشقق يستغلون حالة الطلب المتزايد؛ فيعمدون إلى رفع الأسعار التي لا يرافقها رفع في الجودة، بل على العكس هي في انحدار متصل بازدياد الطلب على الشقة. توضّح غادة سلياني، طالبة هندسة، لـ"جيل" أن عدم اعتناء صاحب المنزل بأثاث البيت الذي اكترته لسنتين متتاليتين وإعراضه عن إصلاح كل ما اهترأ وانتهت صلاحيته دفعها إلى البحث عن مكان في شقة أخرى. وهنا تتابع في الحديث عن صدمتها حينما قادتها إحدى مالكات الشقق إلى غرفة "حقيرة" ويتبين لها أن المكان المعد لإقامتها وبقيمة 70 دينارًا شهرياً مجرد فراش على أريكة مع ثلاث فتيات أخريات في الغرفة.

تقول سلياني إن عرض المرأة صعقها؛ فإضافة إلى الاستغلال البين، لا مجال للخصوصية في هذا المنزل الذي يضم مجموعة غرف تقطن أحدها صاحبة البيت.

إحدى الشروط المجحفة الأخرى التي يضعها ملاك الشقق هي الدفع قيمة ثلاثة أشهر مسبقًا؛ حيث قد تتجاوز قيمة المبلغ الألفي دينار، تتضمن شهرًا كضمان يفترض أن يتم إرجاعه عند خروج المستأجر؛ إلا أن كثيرين تعرضوا إلى الاحتيال ولم يسترجعوا قيمة الضمان مثلما تؤكد أسماء زايدي وهو اسم مستعار، أن مُلاكًا كثيرين لا يرجعون الضمان، وخاصة مع الفتيات حيث يتعرضن للابتزاز الذي قد يتحول إلى تهديد.

ولأن الإيجار غاية لا بد منها؛ فإن ملاكًا كثيرين لا يكتفون بفرض شروط مادية مجحفة فقط، بل يتجاوزون ذلك إلى فرض في إعلاناتهم مثلًا الإيجار للفتيات فقط وهو ما يؤكد بخصوصه عصام الرمضاني أنه أحد أسباب انقطاع كثير من الطلبة الذكور.

الفتيات هن أيضًا لا يسلمن من سوء معاملة المُؤجرين؛ حيث يتم التدخل في شؤونهم وفرض شروط محددة عليهم، كعدم دعوة أي أحد إلى المنزل ودخول المُؤجّر الشقة في أي وقت من دون إذن أو التقيد بتوقيت معين للعودة إلى المنزل، وهنا تضيف أسماء زايدي أن أحد الملاك بجهة حي الخضراء يستغل حاجة الفتيات إلى الإيجار حيث يستغل الطابق العلوي لفيلته لإيجاره بالفراش للفتيات حيث يصل عددهن بالغرفة الواحدة إلى سبعة، هذا إضافة إلى أنه يقوم بإغلاق الباب عند التاسعة ليلًا.


لقد وقعنا في الفخ
هي الجملة الأفضل التي يمكن توصيف المرحلة التالية بها -أي مرحلة الاتفاق على الإيجار- حيث  تتعدد هنا المشاكل. وقد يكمن أبرزها في ما ترويه لنا منيرة الرميلي التي حيث اكترت مضطرة شقة عن طريق سمسار وبعد أن دفعت له أكثر من 400 دينار تبين لها أن العمارة ملك رجل أجنبي وضعها تحت حماية حارس عمد إلى خلع الغرف وإيجارها بمعية هذا السمسار. ففي الأيام التي اكترتها كانت الغرفة بلا إنارة إضافة إلى تحول العمارة إلى وكر للسكر والهرج. وحينما أرادت الخروج واسترجاع أموالها أبى السمسار ذلك وهددها ولم تتمكن من حقها حتى بعد محاولات عديدة.

البحث عن مكان في شقة ليس آمنًا كذلك من سوء العواقب؛ حيث أن هديل دقّاشي طالبة في الهندسة المعمارية وثقت بإحدى الشابات التي عرضت عليها تقاسم السكن والإيجار معها وكان طبيبة أسنان لتريها لاحقًا وجهًا مغايرًا تماما اتسم بسوء المعاملة واستعمال ملابسها وأغراضها من دون إذن، إضافة إلى عدم المحافظة على نظافة الشقة.

أمام كل هذا، لجأ كثيرون إلى المبيتات الخاصة التي تنقسم إلى نوعين؛ إما باهظة الثمن حيث يبلغ سعر الغرفة 350 دينارًا ومتوسطة السعر ورديئة. وهنا تتحدث آسيا كساح، وهي طالبة دكتوراه في البيولوجيا، عن أزمة المبيتات. تقول إنها شر آخر، فلا يمكنك أن تستحم متى شئت، مثلما أنك تضطر إلى الوقوف في الصف لقضاء حاجتك، علاوة على أن النظافة غير متوفرة؛ إذ إن الحارس يتولى هو أيضًا عملية التنظيف؛ ما يتسبب في إزعاج لأي فتاة عندما تفتح باب غرفتها بقميص النوم صباحًا لتصدم بالحارس يحدق فيها، كذلك عندما يتشارك معهم المطبخ في إعداد وجباته.

أمام ارتفاع الأسعار الخيالي في ظرف قياسي مقابل تردي الأوضاع الاجتماعية لدى فتيات كثيرات يرغبن في مواصلة الدراسة وتحقيق أحلامهن، يلجأ رجال كثيرون إلى استغلال نقاط الضعف هذه عبر مساومة الفتيات على توفير المسكن مقابل الرفقة ليمارسوا عليهن نوعًا من الهرسلة الجنسية التي قد تتحول إلى استغلال جنسي تحت غطاء السكن المختلط.

ففي السنوات الأخيرة، ظهرت مثل هذه الإعلانات في مواقع الكترونية مختلفة. مثلما تروي لنا إيمان ورغي موظفة في مكتب للتسويق عبر الهاتف، كيف عرض عليها شاب في الثالثة والعشرين من عمره مقاسمته السكن من دون مقابل فقط لتعينه على وحدته، مؤكدة أن هذا أ أنواع الضغط الممارس على الفتيات الباحثات عن الإيجار، لافتة النظر بأن كل فتاة مضطرة إلى العمل على حماية نفسها بمفردها.

تزدهر الفوضى في غياب القانون واستقالة الدولة من مهامها؛ فتسحق الحلقة الأضعف في المجتمع وهي هنا الطلبة والمشتغلون العاديون الذين يمثل السكن بالنسبة للوافدين منهم على العاصمة مرادفًا للعيش، ورغم ذلك يظل الوضع الراهن للإيجار السكني خارج دائرة الاهتمام والرقابة الحكومية متسببًا في حالة من القلق الملازم حتى للطبقة الوسطى في إيجاد المسكن اللائق والمحترم.