سروال الجينز.. خدش حياء "حرّاس الصحافة" في مصر

سادت حالة من السخرية في الأوساط الصحافية، عقب تصريح الكاتب الصحافي، مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بأن ارتداء الصحافي لبنطلون جينز، أمر خارج عن الذوق وأصول المهنة، بحسب نص تعبيره، وأعلن أنه سيتخذ عددًا من الإجراءات، بالتعاون مع نقابة الصحافيين، لدراسة الحد من هذه الظاهرة ووقفها، فضلًا عن إقرار عقوبة على مرتديه، لأنه لا يمكن للصحافي أن يقابل مصدرًا أو مسؤولًا، بهذا المظهر غير اللائق.

واعتبر رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أن الإضافة المالية التي أقرتها النقابة للصحافيين، ستساهم في تحسين مظهر الصحافي، وترفع من مستوى دخله الاقتصادي، والتي تبلغ قيمتها 300 جنيه (أقل من 20 دولارًا)، وهي الزيادة الخاصة بما يعرف بـ "بدل التدريب والتكنولوجيا"، ليصل إجمالي ما يحصل على الصحافي المنتسب للنقابة، إلى 1680 جنيهًا (80 دولاراً). وهي أرقام ضعيفة ومتواضعة، على كل حال، لا تتناسب والأوضاع الاقتصادية السائدة في مصر، مع تنامي الأسعار والغلاء، بالإضافة إلى أن من سيحظى بها نسبة لا تصل إلى نصف المشتغلين بالمهنة.

تبدو تصريحات مكرم، المحسوب على كل الأنظمة التي عاصرها، ودرج على الدعاية لها وخدمة أغراضها، شديدة السوء والسطحية ومبتذلة للحد التي تستدعي المرارة والتهكم في آن. عندما يتوقف تفكيره عند هذا الحد، في ظل ما يعانيه الشأن الصحافي، من انتهاك حرية الرأي والتعبير، بشكل غير مسبوق، والتحديات التي تواجهه، مع حجب 424 موقعًا صحافيًا، وتشريد مئات الصحافيين، الذين تم فصلهم من مؤسساتهم، من دون تحرك الدولة وممثلي النقابة و"حراس المهنة"، تحت وطأة ظل الأزمات المالية التي تسبب في تفاقمها، تعمد الدولة تأميم المنصات الإعلامية، لحساب أجهزتها الأمنية، وتراجع رجال الأعمال تحت بطش النظام القمعي، ودخوله في المنافسة والسيطرة الإعلامية، عن ضخ واستثمار أموالهم فيها، ناهيك عن صعوبة الحصول على المعلومات وعدم توافرها وتسهيل إتاحتها للصحافي، ومنع الصحافيين من تغطية الأحداث الميدانية، وتعرضهم لمخاطر الاعتداءات الأمنية المتكررة، والقبض عليهم.

اعتاد نقيب الصحافيين الأسبق، نقل تصريحات فجة ومثيرة، لا يلبث أن يتراجع عنها أحيانًا، ووصف منتقديه بعبارات مثل "شوية عيال"، كما حدث في قضية تنازل النظام المصري عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، والتي صرح فيها، بأن دولة إسرائيل ستتسلم المهام الأمنية لجزيرتي تيران وصنافير، بعد تسليمهما إلى السعودية، وأردف: "السعودية أصرت على إنهاء أمر الجزيرتين قبل هبوط طائرة الملك سلمان في مصر، ووقعت مصر الاتفاق إكرامًا للملك، ومصر كانت في منتهى الشجاعة عندما حاربت التيار العام الداخلي المضاد لتسليم الجزيرتين".

لا يلتفت الصحافي المصري إلى تقارير المنظمات العالمية، التي تشير إلى ترتيب مصر في حرية الصحافة، وموقعها المتقدم في قوائمها السوداء، وإدانة النظام المصري الذي يعمد إلى تعطيل دور الصحافة، في متابعة شؤونها المهنية، والكشف عن الحقيقة وفضح الفساد وتطوير آليات الحوار والمكاشفة والديمقراطية، خصوصًا منذ تولي عبد الفتاح السيسي الحكم، التي وصفته منظمة "مراسلون بلا حدود" كالآتي: "في عهد السيسي الذي يُحكم سيطرته على سدة الحكم بقبضة من حديد، يضرب النظام المصري بالقوانين عرض الحائط غير آبه بالانتقادات بتاتًا، ويضيق الخناق على الفضاء العام ويحاول بكل وقاحة الإجهاز على التعددية الإعلامية، موجهًا سياطه إلى نقابة الصحافيين، بينما يدفع الفاعلين الإعلاميين باستمرار نحو هاوية الرقابة الذاتية".

يبدو أن الوضع القاتم الذي يعيشه الصحافيون، خارج دوائر اهتمام القيادات الصحافية، ولا تعنيهم الظروف الصعبة والمستحيلة، التي يخوضونها مهنيًا ومادياً واجتماعيًا.

 كما لا نجد أي تحركات جادة حتى يسترد المعتقلون في غياهب السجون المصرية حريتهم، من الصحافيين الذين تم حبسهم أثناء تأدية عملهم، ولا أحد يدافع عنهم، بالرغم من كونه أحد حقوقهم المشروعة، من بينهم المصور الصحافي، محمود أبو زيد، المعروف باسم "شوكان"، الذي لا يزال قيد الحبس في عامه الثالث، لمجرد تغطيته أحداث الفض الدموي لاعتصام رابعة، الذي نظمته جماعة الإخوان المسلمين، ومثله يقبع الصحافي المستقل، إسماعيل الإسكندراني، منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، في حبسه، بالرغم من صدور حكم يقضي بالإفراج عنه قبل عام.