مهن غزيّة أوجدها الحصار الإسرائيلي
مهن غزيّة أوجدها الحصار الإسرائيلي
إصلاح أنفاق غزّة بعد تضرّرها من ضخ مياه البحر(Getty)
بينما يفرض التقدّم التكنولوجي الكبير في العالم ظهور مهن جديدة بالموازاة مع أدوات متطوّرة، تتسلّل إلى غزة مهن جديدة أيضًا ولكن أدواتها تقليدية وبسيطة جدًا، فرضها الحصار الإسرائيلي على القطاع منذ أكثر من 11 عامًا، وهي تبدو للآخرين مهنًا غريبة جدًا لكنها تلبّي حاجة الغزيين اليومية في ظلّ الحقوق الأساسية المنتزعة منهم، أهمّها الحصول على الكهرباء والمياه النقيّة أو حتى المأكولات الجيّدة، ووجدت تلك المهن انتشارًا كبيرًا وحقّقت مناصب شغل للكثيرين، رغم أنها غريبة بالنسبة لمن لا يقطنون القطاع.

حافر الأنفاق
تعتبر مهنة حافر الانفاق من أخطر المهن التي خلقها الحصار، بدأت مطلع عام 2008، عندما أُغلقت جميع المعابر المؤدّية لقطاع غزّة ونفاد الكثير من البضائع، وعليه بحث التجار وسكان مدينة رفح جنوب غزة عن وسائل إدخال البضائع من الجانب المصري في ظلّ الترابط بينهم وبين العائلات في سيناء، وبدأوا يدخلون البضائع اللازمة، وبحث الكثير من التجار عن حافري الأنفاق، وكان يحصل العامل في حفر الأنفاق على أجرة يومية عن 10 ساعات عمل بقيمة 100 دولار، ثم انخفضت إلى النصف لأن عدد العمال شهد ارتفاعًا محسوسًا.

لكن هذه المهنة خلفت المئات من الضحايا على مدار سنوات، منذ 2007 إلى غاية 2017 بحسب ما رصدت مؤسّسات حقوق الإنسان المحلية في غزّة، وتنوّعت حالات الضحايا إما بسبب القصف الإسرائيلي أو هدم الأنفاق بفعل القوّات المصرية الحدودية، أو تساقط الأتربة بسبب عدم وجود دعامات حديدية أو إسمنتية وهشاشة التربة.

أحد العاملين السابقين في الأنفاق محمد أمين، فقد أخاه في عام 2011 عندما تهدم النفق عليه، وأصيب هو الآخر في نهاية 2016، مما أبعده عن المهنة، يقول في حديث إلى "جيل": "هي مهنة الموت، أغرتني الأجرة اليومية التي نحصل عليها من عمل الأنفاق أنا وأخي، لأن المقابل المادي اليومي في مهن أخرى أقل بعشر مرّات من العمل في النفق، ولم أصغ لدعوات ترك المهنة رغم كل حالات الوفاة والإصابات التي حدثت إلا عندما أصبت وكدت أموت وقتها".

قاطع الكهرباء
المهنة التي يتشاءم منها جميع الغزيين، هي مهنة قاطع الكهرباء، وهم موظفون بشركة الكهرباء الوحيدة في قطاع غزّة "شركة غزة لتوزيع الكهرباء"، موزّعون على مناطق ومحافظات مختلفة، مهنتهم تقتصر على اتباع جدول القطع وحسب سياسة الشركة والساعات المسموح تشغيلها في المناطق المختلفة.

لكن تلك المهنة لا يحبّها أصحابها، وفي الكثير من المرّات يرفضون تعريف أنفسهم بشكل محدّد ويكتفون بتعريف أنفسهم بأنهم موظفون بشركة الكهرباء، وعند سؤال أحدهم عن طبيعة عمله ودافعه للمهنة، قال لـ"جيل": "لا شك أنها مهنة مريحة وتحتاج لمتابعة الخطوط وقدوم الكهرباء والتواصل بشكل مباشر مع الشركة والتنقّل بين المناطق المختلفة، لكنها مهنة مستفزة، ولك أن تتخيّل كم أسرة تقوم بشتم الشركة عند قطع الكهرباء، إن هذا الأمر يسبب لي الاشمئزاز".

تصليح المولّدات
لا شك في أن غزة ليست هي المدينة الوحيدة العربية التي تمتلك مصلحين للمولدات الكهربائية، لكنها المدينة التي تجد فيها مصلح للمولّدات صاحب تخصّص في المولدات فقط دون غيرها، وتضمّ غزة عددًا من الورش التي تصلح المولدات فقط، في ظلّ أن نسبة من سكان الشقق السكنية يعتمدون على اشتراكات شهرية مع موزّعي كهرباء المولّدات الضخمة والمتوسطة. إلى جانب أن عددًا من المحلّات تعتمد على توليد الكهرباء من المولّدات إلى جانب عدد من المنازل.

يقول أحد أصحاب ورش تصليح المولّدات، أحمد مهنا في حديث إلى "جيل": "بدأت ممارسة المهنة في غزّة عام 2009، وكانوا وقتها يعدّون على الأصابع في ظل أنهم اعتمدوا على أنفسهم في تصليح المولّدات دون تعلمها من أحد، بعدها أصبح العاملون يستقلون بمشاريع صغيرة كمحلّات وورش صغيرة لتصليح المولّدات، وهي مهنة لها استدامة في غزّة لأن الظروف هي التي أوجدتها".

تجار الكابونات التموينية
إحدى أغرب المهن في غزة التي انتشرت خلال سنوات الحصار الإحدى عشرة، هي مهنة تجارة المواد التموينية، حيث انتشرت بسبب قلة البضائع والحاجات المنزلية في بداية الحصار، وهو ما جعل بعض التجار يظهرون عند نقاط توزيع المساعدات التموينية لشرائها من العائلات المستفيدة منها، والتي تبحث عن المال بدلًا من المواد التموينية.

لكن تلك المهنة تشهد في الكثير من الأوقات استغلال الأسر الفقيرة، إلى جانب أن بعض المواد التموينية في بعض دورات التوزيع تكون جودتها أقل من الجودة الموجودة في بضائع السوق، وتركز الشرطة التموينية الرقابة عليها في ظل أن بعض التجار يتلاعبون بالأسعار أو الجودة عند اشتداد أزمة إغلاق المعابر.

مصمم "الليدات"
"الليدات" هي فكرة مستوحاة من فلاش كاميرا الهاتف المحمول، وهي عبارة عن شريط يضمّ أكثر من صف من الفلاشات، مثل الموجود في الكشاف الكهربائي المتداول في الأسواق، يتم تشغيله بواسطة بطارية صغيرة تشحن عند قدوم الكهرباء على منازل الغزيين وتمدّ بالإنارة لأكثر من 10 ساعات عند امتلاء شحن البطاريات، ووجد فيها عدد من مهنيي الكهرباء وسيلة لكسب الرزق وصناعتها وعرضها في المحلّات والأسواق.

وازداد الطلب لشراء الليدات بنظام شبكات إنارة كاملة لكل بيت، وهي ما خفّف من حدة الظلام عند الغزيين رغم أنها لا تعطي جودة كاملة مثل الإنارة العادية. يقول المهندس أحمد المدهون لجيل "الليدات أصبحت من الحاجات الأساسية في كل بيوت الغزيين، لأنهم تنقلوا لمراحل عديدة بالإنارة في ظل انقطاع الكهربائي، بدايةً بالإنارة على الغاز بعلب زجاجية إلى الشمع والإنارة بواسطة جرّات الغاز إلى الليدات اليوم".

السمسرة
إلى جانب المهن السابقة التي تتحدّى الظروف المذكورة تأتي مهن أخرى تستغل الظروف الصعبة للغزيين، مثل سماسرة تنسيقات السفر إلى الخارج، وكشفت عنها الكثير من التحقيقات الصحافية في وسائل إعلامية فلسطينية، إلا أنها لا تزال تستغل نفوذها داخل جهات نافذة في إدارة المعابر المصرية والفلسطينية.
https://www.youtube.com/watch?v=jmYHGtyu6KM&feature=youtu.be