رحيل اعمر الزاهي.. طائر الحسّون الأخير
رحيل اعمر الزاهي.. طائر الحسّون الأخير
(جدارية للفنان الشعبي اعمر الزاهي، الصورة: موسى نون)

رحل بعد ظهر اليوم الأربعاء، رائد أغنية الشعبي الجزائري اعمر الزاهي واسمه الحقيقي "اعمر آيت زاي"، عن عمر ناهز 75 سنة ببيته في العاصمة الجزائرية، بعد معاناة مع مرض عضال أدخله المستشفى عديد المرّات، حيث كان يُرتقب أن يسافر غدًا إلى الخارج من أجل العلاج، إلا أنّ الموت كان أسبق إليه.

يعتبر اعمر الزاهي أحد شيوخ الفن الشعبي في الجزائر، ولد بمنطقة القبائل في عام 1941، ثم تنقّل إلى العاصمة صغيرًا، وعاش في الحي الشعبي "الربوة" بباب الواد، حيث تعلم أبجديات الموسيقى الشعبية، فأصبح من روادها يجيد المطرب، سواء باستعمال القيثارة والموندول، فضلًا عن امتلاكه خامة صوتية خاصة. فشق الزاهي مسيرته الفنية مع نهاية الستينيات، وتبني طريقة الفنان الشعبي بوجمعة العنقيس (1927 -2015).

عرف صاحب "عويشة والحراز" ببساطته وابتعاده عن الأضواء ورفضه المشاركة في المهرجانات داخل وخارج الوطن، واكتفي فقط بإحيائه حفلات عائلية على مرّ أكثر من خمسين عامًا من مساره الفني. وكان آخر ظهور له في الساحة الفنية في سنة 1987، خلال إحيائه لحفل فني بقاعة ابن خلدون في الجزائر العاصمة. وسجل الزاهي أغاني كثيرة على غرار "يا العذراء،"، "المقنين الزين" و"زينوبة" ، "أنا الكاوي"، "هذا الخاتم"، "مريومة"، "قوليلي بالله يا الشمعة"، وغيرها.

طار إذن "المقنين الزين"..، طائر الحسون الذي غنّى له الفنان الراحل اعمر الزاهي، متسائلًا عن سبب صبره داخل قفص طيلة سنوات، ومع ذلك لا يصدر منه إلا الشدو الجميل، وأن لا أحد يعرف مصدر هذا الغناء، إذ يقول في مطلع الأغنية بلهجة جزائرية عاصمية "يا المقنين الزين، يا أصفر الجنحين، يا أحمر الخدين، يا كحيل العينين، هادي مدة وسنين، أنت في قفص حزين تغني بصوت حنين، لا من يعرف غناك منين، كيف تغني تتفكر الأيام".

رحل الزاهي وهو يبحث عن "مولات الخاتم"، في الوصلات المهرّبة من زمن أغنية الشعبي، هذا الفن الجزائري الذي تأثّر بفنون القادمين الأوائل من القارة الأوروبية بعد سقوط الأندلس، حيث كان في السابق يُطلق عليه اسم المديح، لارتباط هذه الأغنية بالمدائح الدينية، غير أنها تطوّرت فيما بعد، وطرأت عليها أغراض فنية أخرى مثل الغزل والحكمة. 

رحل الزاهي، وقد أوصى عائلته بدفنه بقرب رفيق دربه الراحل الحاج محمد العنقى، (أشهر فناني طابع الشعبي)، في مقبرة القطار بالعاصمة، دون أي ترتيبات استثنائية، داعيًا جمهوره إلى "تفهُّم ذلك".