التشبيح في حضن الأسد
التشبيح في حضن الأسد
هذا المشهد العجيب، ليس الأول ولن يكون الأخير(مواقع التواصل)
عندما يذكر أمامك مصطلح التشبيح، هل المعنى الذي يتبادر إلى ذهنك هو قيام عصابات مسلحة مدعومة من الأجهزة الأمنية بالتعدي على معارضين أو متظاهرين ضد النظام؟ معلوماتك إذن قديمة وتحتاج إلى تحديث.

في مقطع فيديو انتشر منذ فترة وتداوله نشطاء على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، ظهرت مجموعة من الجنود التابعين لجيش النظام وهم يتجولون في شوارع قلب العاصمة السورية دمشق، وتحديداً فوق ما يعرف بجسر الرئيس وقرب جامعة دمشق. حتى الآن ليس في الفيديو ما يستغرب، لكن المروع في الأمر أنهم راحوا يتحرشون بالمارة جيئة وذهاباً، مع تصويرهم رغماً عنهم، ولا يفرقون في التحرش بين رجل وامرأة، صغير أو كبير، وفوق كل ذلك يتعاقرون ما يبدو أنها مشروبات الكحولية، وربما ينم سلوكهم عن تعاطي الحشيش وأنواع أخرى من المخدرات. تجري فصول هذا المشهد السوريالي في منطقة تعج بعناصر الأمن والشرطة، ما يكشف عن رضا رسمي من هذا الواقع.



هذا المشهد العجيب في دمشق، ليس الأول ولن يكون الأخير، وليس سراً أن التشبيح لم يعد مجرد أداة لقمع التظاهرات بل تحول إلى ظاهرة منتشرة في أحياء وشوارع المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، وضربت جذورها في عمق الاقتصاد السوري، فالخطف وطلب فدية من أهل المخطوف، والبلطجة على أصحاب السيارات الفارهة والمحلات التجارية في الأسواق العريقة وإجبارهم على دفع الأموال لتركهم وشأنهم، أصبح كل ذلك من يوميات المواطن السوري في هذه المناطق.

ضحايا التشبيح لم يعودوا إذن المتظاهرين والمعارضين لحكم الأسد فحسب، بل الموالون أيضاً، والأهم من ذلك عامة الناس، المارة في الطرقات، والتجار في محلاتهم ومصانعهم، والآمنون في بيوتهم، رغم أن معظم هؤلاء اختاروا أن يدينوا بالولاء للنظام، أو معارضة الثورة على الأقل، معبرين عن ذلك بالبقاء تحت رحمة الحواجز والشبيحة وأجهزة الأمن.

ولعل أحدث ما حرر في هذا الصدد هو اعتداء مرافقي الفنان الموالي علي الديك بالضرب والشتم على عدد من جمهوره في أثناء حفله الغنائي الذي أحياه ضمن فعاليات معرض دمشق الدولي، في 25 آب/ أغسطس المنصرم.

وتناقلت صفحات موالية تفاصيل الحادثة، لتي قالت إنها بدأت مع تدافع الجمهور حتى وصلوا إلى منصة الغناء متخطين الحرس، تبع ذلك قيام مرافقة الديك بإعادتهم عن طريق الضرب بشكل عشوائي دون التمييز بين كبير أو صغير، ونسبت إلى الديك نفسه قوله مخاطباً الجمهور خلال الواقعة: "أنتم بقر"، في ما تعد سابقة تتمثل بإهانة مطرب لجمهوره خلال حضوره إحدى حفلاته الغنائية، رغم أن تدافع الجمهور نحو المنصة خلال حفلات المسارح الكبيرة ليس سابقة على الإطلاق.

هذه الاستثنائية المستمرة في سورية على عدة مستويات إنما تعكس وتتفرع عن الاستثنائية الكبرى التي تعيشها في ظل وجود نظام حكم قمعي سلطوي متوحش، لا يكتفي بالتمسك بعرشه، وإنما يعيش على سفك الدماء ونهب الخيرات والتعدي على حقوق المواطن البسيط.

والمفارقة هنا أن نظام الأسد يحاول عبر إعادة معرض دمشق الدولي إلى المشهد أن يبعث برسالة مفادها أن النظام بات أكثر استقراراً وأن الأمور عادت أو أوشكت أن تعود إلى سابق عهدها، وأن الأمن بات يعم العاصمة ومحيطها حيث تقع مدينة المعارض، ولكن واقعة اعتداء مرافقة علي الديك، بما يمثله من رمزية مكثفة، أرسل برسائل أخرى أكثر صدقاً عن حقيقة ثقافة وعقلية وأسلوب التشبيح الذي تغلغل في تفاصيل الحياة اليومية في دمشق، التي باتت عصية على التخلص من الفوضى الأمنية بفضل حرب الإلغاء التي أطلقها بشار الأسد ضد غالبية الشعب السوري، وهو الذي لم يتورع في آخر خطاباته عن التباهي بـ"التجانس" الذي حققته هذه الحرب وتطهير المجتمع السوري من "العناصرة الضارة"!!